الاقتصاد الألماني في "أصعب مراحله"... هل ينجح سلاح الاقتراض؟

24 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:36 (توقيت القدس)
فريدريش ميرز خلال مؤتمر صحافي في برلين 13/8/2025 (ليزا جوهانسن/رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه الاقتصاد الألماني تحديات كبيرة، منها فاتورة الرعاية الاجتماعية الباهظة والاستدانة غير المسبوقة، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية الأمريكية والتوترات مع روسيا التي تزيد من تكاليف الطاقة والدفاع.

- تراجعت البيانات الاقتصادية، حيث انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3% والصادرات بنسبة 0.6%، مما دفع الحكومة الألمانية إلى الدعوة لإصلاحات واسعة النطاق لمواجهة الأزمة.

- تتبنى حكومة ميرز خطة إنفاق هائلة لتحفيز الاقتصاد، مع تحذيرات من مخاطر زيادة الدين، بينما يدعو ميرز إلى تقليل النفقات العامة وزيادة ساعات العمل لتعزيز التنافسية.

لا يتردّد المستشار الألماني فريدريش ميرز في إطلاق التحذيرات، الواحد تلو الآخر وعلى فترات متقاربة، من تردي الوضع الاقتصادي لبلاده، الذي وصفه في أغسطس/آب الماضي، بأنه "أسوأ مما توقعت". المؤكد أن ألمانيا ليست وحدها في هذه الضائقة الاقتصادية التي تحولت إلى قاسم مشترك للاقتصادات الكبرى داخل منطقة اليورو وخارجها، وبالتحديد ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا. لكنّ خصوصية الوضع الألماني تكمن في أن أكبر اقتصادات أوروبا ومحركها، أصبح يتخبط الآن بين فاتورة رعاية اجتماعية باهظة وحجم استدانة غير مسبوق. كما أن النظرة إلى المستقبل لا توحي بأمل كبير في إمكانية عكس هذه المؤشرات، مع ما فرضه الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة من رسوم إضافية على الصادرات الألمانية، واستمرار التوتر مع روسيا الذي بات مصدر استنزاف لألمانيا وغيرها من اقتصادات أوروبا، سواء في تكاليف أسعار الطاقة، بعد استبعاد المصادر الروسية الرخيصة، وفاتورة التسليح بعدما أصبح لزاماً على هذه الدول اقتطاع جزء أكبر من ناتجها المحلي، وتخصيصه للإنفاق العسكري.

لا تبتعد تحذيرات ميرز كثيراً عن سجل الأداء الاقتصادي في الشهور الأخيرة؛ ففي أغسطس/آب الماضي، ذكرت هيئة الإحصاءات الرسمية أنّ الناتج الاقتصادي لألمانيا انكمش بأكثر مما كان مقدّراً خلال الربع الثاني من العام الجاري، حيث كان أداء القطاع الصناعي أسوأ من المتوقع مع تأثر الصادرات بالرسوم الجمركية الأميركية.

وقالت هيئة الإحصاء الألمانية إن الناتج المحلي الإجمالي في أكبر اقتصاد بأوروبا تراجع بنسبة 0.3% على أساس فصلي خلال الأشهر الثلاثة حتى نهاية يونيو/حزيران، وهو معدل انخفاض أكبر من التقدير الأولي البالغ 0.1% .

وتراجعت صادرات السلع بنسبة 0.6% في الربع الثاني مع بدء تأثير الرسوم الأميركية. وكانت الأشهر الثلاثة الأولى من العام قد شهدت زيادة كبيرة في الصادرات، بعدما قامت الشركات الأميركية بتخزين السلع الأجنبية تحسباً لإعلانات الرسوم الجمركية المتوقعة من إدارة ترامب.

وتُرجع حكومة المستشار الألماني التي تضم حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي (محافظ) والاشتراكي الديمقراطي، الأزمة الاقتصادية إلى سببين رئيسيين: الأول هو تغير هيكلية الاقتصاد العالمي وعدم قدرة الصناعة الألمانية على التنافسية في سباق يجعل تكاليفها أغلى، والثاني يتمثل في الفاتورة الباهظة لدولة الرفاهية، وما تقدمه الحكومة من ضمانات اجتماعية للعاملين، وفيما يبدو أنه أصبح أمراً مرهقاً لأصحاب الأعمال.

أثناء نقاش البرلمان الألماني (البوندستاغ) مشروع ميزانية العام المقبل اليوم الأربعاء، كان ميرز أكثر وضوحاً في تحذيراته، إذ اعتبر أن ألمانيا "تمر بمرحلة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث، داعياً إلى إجراء إصلاحات واسعة النطاق". وقال: "يجب أن ندرك بوضوح أن الدولة تمر بفترة من أصعب الفترات في تاريخنا الحديث، وأن دولتنا ليست وحدها، بل المجتمع الغربي بأكمله يواجه ربما الاختبار الأكثر خطورة حتى اليوم". كما يرى المستشار الألماني أن لهذا عواقب مباشرة على اقتصاد ألمانيا الموجه نحو الأسواق العالمية.

وأضاف "فقط في الاقتصاد الموجه نحو النمو يمكننا توليد الموارد اللازمة لتمويل البنية التحتية، وإظهار التضامن، وتأمين الضمان الاجتماعي على المدى الطويل". وتشهد ألمانيا في السنوات الأخيرة أزمة اقتصادية طويلة الأمد، نجمت في البداية عن جائحة "كوفيد-19"، ثم تفاقمت بعد توقف إمدادات الغاز الروسي. وكان أعضاء المجلس الاستشاري الخبير لحكومة ألمانيا للتنمية الاقتصادية قد خفضوا سابقاً توقعات نمو الاقتصاد الألماني لعام 2025، كما يشير الخبراء إلى أن ألمانيا قد تواجه خطر الركود للسنة الثالثة.

اقتصاد موجه نحو التصدير 

لكن الاقتصاد الموجه نحو التصدير يتلقى الضربة بعد الأخرى، فالتنافسية مع الصين في واحد من أهم المجالات وهو صناعة السيارات لم تكن في صالح ألمانيا أصلاً، حيث تغزو السيارات الصينية، خاصة الكهربائية منها، الأسواق بسعر أقل وجاذبية أكبر لدى قطاع الشباب، الأمر الذي أصبح نذير شؤم للسيارات الألمانية، عكسه تراجع الأرباح لأكبر مصنع للسيارات في أوروبا وهي فلوكسفاغن التي تراجعت مبيعاتها بنحو الثلث في الربع الثاني من العام، لتصل إلى 2.7 مليار دولار. ويقرّ ميرز بأن الرسوم الجمركية الأميركية البالغة 15% على الصادرات الألمانية ستشكل عبئاً على الاقتصاد، محذراً من أن حرباً تجارية شاملة مع واشنطن كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير.

ما يضعف تنافسية الاقتصاد الألماني أيضاً هو ما تتحمله الشركات والدولة من فاتورة الرفاه الاجتماعي، حسب رؤية الائتلاف الحاكم، وهو ما دفع ميرز للتأكيد أمام حزبه في نهاية الشهر الماضي على حتمية "اتخاذ قرارات مؤلمة" لإصلاح أوضاع الضمان الاجتماعي. وقال إنّ النظام الحالي لم يعد بالإمكان تمويله بالإيرادات المتاحة، "نحن نعيش منذ سنوات بما يفوق إمكانياتنا"، لافتاً إلى أن مسؤولية هذا الأمر لا تقع على عاتق متلقي الإعانة، بل على الساسة، وتابع ميرز أن الحكومة تريد تغيير ذلك، وضمان أن يكون لجيل الشباب أيضاً فرصة في الرفاهية والحصول على وظائف مستقرة، واصفاً هذا الأمر بأنه "طريق شاق".

التمويل بالاقتراض

ويبدو أن حكومة ميرز قد حزمت أمرها على اتباع خطة إنفاق هائلة بهدف تحفيز الاقتصاد، وهو ما يعكسه مشروع الموازنة، الذي ينطوي على ثاني أكبر معدل اقتراض تقدم عليه حكومة ألمانيا في العقود الأخيرة. وحسب مشروع الموازنة فإن بند النفقات قد يصل إلى 630 مليار يورو (686 مليار دولار). وتعتزم الحكومة اقتراض 174.3 مليار يورو في عام 2026، وهو ما يزيد أكثر من ثلاثة أضعاف عما جرى اقتراضه من قبل الحكومة السابقة في عام 2024 والذي بلغ حينها 50.5 مليار يورو .

وسيصل الإنفاق الاستثماري في الموازنة الجديدة إلى رقم قياسي قدره 126.7 مليار يورو، بزيادة 10% عن 2025، وذلك بعد زيادة بنسبة 55% هذا العام مقارنة بعام 2024. أما ميزانية الدفاع فستكون الأعلى زيادة، حيث سترتفع بأكثر من 20 مليار يورو لتصل إلى حوالي 82.7 مليار يورو. ومع احتساب مساهمات الصناديق الخاصة بالدفاع، فسيصل إجمالي الإنفاق العسكري إلى حوالي 117.2 مليار يورو في 2026، ما يحقق حصة حلف الناتو البالغة نحو 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد حذّر مكتب التدقيق الفيدرالي من أن هذه التغييرات تعني أن "التأثير المحدود لكبح تعاظم الدين أصبح الآن محدوداً جداً، وأن الدين ينفلت بعيداً عن الأداء الاقتصادي". لكن ميرز بدوره شدّد على أن هذا التوجه لا يعني تمويل برامج الرعاية الاجتماعية عن طريق الاقتراض، بل يتعين الحد من النفقات العامة، وزيادة ساعات العمل، لكي يصبح الاقتصاد قادراً على المنافسة، وهو ما يجعله في مواجهة مع معارضيه من اليسار وحزب الخضر الذين يتهمونه بالعمل تدريجياً على تفكيك دولة الرفاهية.

المساهمون