الاحتياطي الفيدرالي منقسم بشأن خفض سعر الفائدة في ديسمبر

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:06 (توقيت القدس)
رئيس المركزي الأميركي جيروم باول في واشنطن، 22 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد الاحتياطي الفيدرالي انقسامًا بين المسؤولين حول خفض أسعار الفائدة، حيث يتجادل الصقور والحمائم بشأن التهديد الأكبر للاقتصاد الأمريكي، سواء كان التضخم أو ضعف سوق العمل، مما يعقد اتخاذ القرارات في ظل غياب البيانات الرسمية.

- يواجه الاقتصاد الأمريكي ركودًا تضخميًا نتيجة سياسات التجارة والهجرة، مما يزيد من تعقيد قرارات الفائدة. الصقور قلقون من تأثير الرسوم الجمركية على التضخم، بينما الحمائم يرون ضعف سوق العمل كتراجع في الطلب على العمالة.

- قرار خفض الفائدة في ديسمبر يعتبر تكتيكيًا، حيث يسعى الفيدرالي لتحقيق توازن بين دعم سوق العمل ومكافحة التضخم، معتمدًا على متغيرات مثل الرسوم الجمركية وديناميكيات الأجور. الأسواق ستظل حساسة لأي خفض مقرون برسالة متشددة.

مع انقطاع البيانات الاقتصادية، ضغط الصقور المناهضون للتضخم لوقف خفض أسعار الفائدة خلال اجتماع أكتوبر/تشرين الأول، في انقسامٍ قد لا ينتهي قريبًا. وأصبح مسار خفض أسعار الفائدة غامضًا بسبب تصاعد الخلاف داخل البنك المركزي، وهو انقسام لم يشهد مثله تقريبًا خلال فترة رئاسة جيروم باول الممتدة لثماني سنوات. المسؤولون منقسمون حول ما يشكّل التهديد الأكبر— التضخم المستمر أم ضعف سوق العمل — وحتى عودة البيانات الاقتصادية الرسمية قد لا تجسر هذه الفجوة. وقد عقد هذا الانقسام ما بدا خطة قابلة للتطبيق قبل أقل من شهرين، رغم أن المستثمرين لا يزالون يرجّحون خفض سعر الفائدة في الاجتماع القادم للاحتياطي الفيدرالي أكثر من عدمه.

وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، عندما اتفق صُنّاع القرار في سبتمبر/ أيلول على خفض أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، توقّع عشرة من أصل تسعة عشر مسؤولًا خفضًا آخر في أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول. وكان خفض الفائدة في ثلاثة اجتماعات متتالية سيُشبه التعديلات التي أُقرت العام الماضي وفي عام 2019. لكن مجموعة من الصقور شكّكت في الحاجة إلى مزيد من التخفيضات، وتصلبت مقاومتهم بعد أن خفّض المسؤولون الأسعار مجددًا في أواخر أكتوبر/تشرين الأول إلى النطاق الحالي بين 3.75% و4%. وكان الجدل حول ما يجب فعله في ديسمبر/كانون الأول محتدمًا للغاية، إذ تحدّى الصقور بشدة فكرة خفض ثالث، وفقًا للتعليقات العامة والمقابلات الأخيرة.

انقسام تغذّيه عتمة البيانات

تفاقم الانقسام بسبب الإغلاق الحكومي الذي أوقف نشر تقارير التوظيف والتضخم التي تُستخدم عادة لتسوية الخلافات. وقد دفع غياب البيانات المسؤولين إلى الاعتماد على استطلاعات خاصة أو روايات تدعم تقييماتهم السابقة. وعكست هذه الديناميكية صوتين متضادين يزدادان حدة، ومركزًا يفقد قناعته. فالحمائم قلقون بشأن ضعف سوق العمل، لكنهم يفتقرون إلى أدلة جديدة تدعم خفضًا إضافيًّا، في حين استغل الصقور الفرصة للدعوة إلى التوقف، مشيرين إلى استمرار الإنفاق الاستهلاكي ومخاوف من أن الشركات تستعد لتمرير زيادات الأسعار الناتجة عن الرسوم الجمركية إلى المستهلكين.

وما إذا كان المسؤولون سيخفضون الأسعار مجددًا في اجتماع 9 و10 ديسمبر/كانون الأول لا يزال غير محسوم، إذ قد تحسم البيانات الجديدة الجدل. ويرى بعض المسؤولين أن اجتماعي ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني متكافئان إلى حدٍّ كبير، مما يجعل الموعد النهائي في نهاية العام مصطنعًا. وهناك احتمال آخر هو أن يُقر الخفض في ديسمبر/ كانون الأول مع توجيهٍ يُشير إلى صعوبة تنفيذ تخفيضات إضافية لاحقًا.

اقتصاد غير اعتيادي بين التضخم والبطالة

يكمن الانقسام في الحالة غير العادية للاقتصاد الأميركي: ضغوط تصاعدية على الأسعار إلى جانب تباطؤ في نمو الوظائف — مزيج يُعرف أحيانًا بالركود التضخمي. ويعزو العديد من الاقتصاديين هذا الوضع إلى تغييرات إدارة ترامب الواسعة في سياسات التجارة والهجرة. وقالت ديان سونك، كبيرة الاقتصاديين في شركة KPMG، إنّه كان من السهل التنبؤ بركودٍ تضخّمي طفيف، لكن من الصعب التعايش معه. وأظهرت آخر بيانات رسمية قبل الإغلاق الحكومي أن مقياسًا رئيسيًّا للتضخم بلغ 2.9% في أغسطس/آب، وهو أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2% وأعلى من نسبة 2.6% في الربيع الماضي، لكنه أدنى من التوقعات بعد رفع ترامب للرسوم الجمركية في وقت سابق من العام.

ثلاث قضايا أساسية تُحدد المسار المقبل

ينقسم مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي حول ثلاث قضايا رئيسية ستحدد مسار السياسة النقدية في المرحلة القادمة:

  1. الرسوم الجمركية: هل ستكون زيادات الأسعار الناتجة عنها لمرة واحدة؟ يخشى الصقور أن تقوم الشركات، بعد امتصاصها للرسوم الأولية، بتمرير المزيد من التكاليف العام المقبل، مما يُبقي التضخم مرتفعًا. في المقابل، يرى الحمائم أن إحجام الشركات عن تمرير الرسوم حتى الآن دليل على ضعف الطلب.
  2. سوق العمل:هل انخفض نمو التوظيف الشهري — من 168 ألف وظيفة في 2024 إلى 29 ألفًا في المتوسط خلال الأشهر الثلاثة حتى أغسطس/آب — بسبب ضعف الطلب على العمالة أم بسبب نقص العرض الناتج عن انخفاض الهجرة؟ إذا كان السبب الأول، فالإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة قد يسبب ركودًا، أما إذا كان الثاني، فإن خفضها قد يؤدي إلى تحفيز مفرط.
  3. مستوى الفائدة المحايد: هل لا تزال أسعار الفائدة مقيدة للنمو؟ يرى الصقور أنه بعد خفضها بنصف نقطة هذا العام أصبحت قريبة من المستوى “المحايد”، مما يجعل الخفض الإضافي خطرًا، بينما يعتقد الحمائم أن المعدلات ما زالت تقيد النشاط الاقتصادي، وأن الفيدرالي يستطيع دعم سوق العمل من دون إشعال التضخم مجددًا. 

تحوّل في مواقف اللجنة

ناقش المسؤولون هذه الأسئلة لأشهر، وحاول باول إنهاء الجدل في خطابه في جاكسون هول بولاية وايومنغ في أغسطس/آب، مؤكدًا أن تأثير الرسوم مؤقت وأن ضعف سوق العمل يعكس تراجع الطلب، في موقفٍ مؤيدٍ للحمائم. وبعد أسابيع، أكدت البيانات صحة موقفه حين توقّف الاقتصاد فعليًّا عن خلق وظائف. ومع ذلك، ذهب خطابه أبعد مما ارتاح له بعض زملائه، وبحلول اجتماع 29 أكتوبر/تشرين الأول أصبح الصقور أكثر تشددًا. واعترض رئيس بنك الاحتياطي في كانساس سيتي جيف شمد على الخفض في ذلك الشهر، كما أبدت رئيستا بنكي كليفلاند ودالاس معارضتهما علنًا.

وفي المؤتمر الصحافي بعد الاجتماع، قال باول بصرامة غير معتادة، خفض الفائدة في ديسمبر/كانون الأول ليس أمرًا محسومًا... بعيد كل البعد عن ذلك. وكان باول يؤدي دوره في ضمان سماع جميع الأطراف داخل اللجنة، وهي ممارسة إدارية تهدف إلى تحقيق التوافق عند اتخاذ القرار. كما شجّع زملاءه سابقًا على تمرير الإشارات التحذيرية ضمن البيان الرسمي قبل المؤتمر الصحافي، قائلًا في اجتماع يوليو/تموز 2019: "أسوأ وقت لتغيير التوقعات هو في أثناء المؤتمر الصحافي".

حينها واجه موقفًا مشابهًا، حيث انقسمت اللجنة بين جناح متشدد يعارض الخفض، وآخر يخشى من ثقة مفرطة لدى المستثمرين بالخطوة التالية. لكن توسيع البيان الشهر الماضي ليعكس مخاوف الصقور كان سيغضب الحمائم، فاضطر باول إلى إيصال الرسالة بنفسه، قائلًا: "هناك شعور متزايد الآن بأنه ربما يجب أن ننتظر على الأقل اجتماعًا واحدًا".

أظهرت أرقام التضخم لشهر سبتمبر/أيلول — التي صدرت قبل اجتماع أكتوبر/تشرين الأول بأيام — صورة مختلطة: جاءت الأرقام العامة أكثر اعتدالًا بفضل تباطؤ تكاليف السكن، لكن الصقور ركزوا على تفاصيل مقلقة. وتسارع مقياس يستثني الغذاء والطاقة إلى 3.6% على أساس سنوي لآخر ثلاثة أشهر، ارتفاعًا من 2.4% في يونيو/حزيران، كما بقي مقياس الخدمات غير السكنية قويًّا رغم أنه لا يتأثر مباشرة بالرسوم. ومع تصلب موقف الصقور، قلّت تصريحات الحمائم، لكنهم لم يتراجعوا. ومن أبرزهم ثلاثة عيّنهم الرئيس دونالد ترامب، الذي عبّر بوضوح عن رغبته في معدلات فائدة أقل.

وقد اعترض الحاكم ستيفن ميران فور انضمامه على خفض أكبر بمقدار نصف نقطة، في حين يُعتبر ميشيل بومان وكريستوفر والر من أبرز المرشحين لخلافة باول العام المقبل. ويرى الحمائم أن الوضع الحالي لا يشبه عامي 2021–2022، ويخشون أن يبالغ الفيدرالي في التشدد في مواجهة تباطؤ التوظيف. لكن انقطاع البيانات أضعف موقفهم، إذ كانت بيانات الوظائف البديلة متاحة بينما كانت بيانات الأسعار أقل موثوقية. وحذّر الصقور من أن الفيدرالي قد يخرج من ضباب البيانات مطلع العام ليجد التضخم مشتعلًا.

دعوات إلى التوازن

قدّمت رئيسة الاحتياطي في سان فرانسيسكو ماري دالي الحجة الحمائمية في مقالٍ نشرته يوم الاثنين، قالت فيه إن تباطؤ نمو الأجور يعني أن التراجع في سوق العمل يعكس ضعف الطلب على العمالة لا نقص العرض. وحذّرت من التركيز الزائد على تجنب تضخمٍ شبيهٍ بالسبعينيات إلى درجة خنق طفرة إنتاجية محتملة كالتي حدثت في التسعينيات، قائلةً: "قد يخسر الاقتصاد الوظائف والنمو في هذه العملية". حتى بعد عودة البيانات، قد لا تُحلّ هذه الانقسامات التي تعتمد في جوهرها على أحكام ذاتية بشأن مدى خطورة المخاطر البعيدة.

يعكس الانقسام داخل الفيدرالي تعقيد دالة التفاعل النقدية في بيئة تجمع بين ضغوط سعرية متقطّعة وتباطؤ واضح في خلق الوظائف. عمليًّا، صار القرار أقرب إلى اختبارٍ للاتجاه منه إلى مسارٍ ثابت: أي إنّ توقيت الخفض (ديسمبر أو يناير) أقل أهمية من الإشارات المصاحبة له حول وتيرة التخفيضات وشروطها. لذلك ستتمحور الرسالة حول خفضٍ مشروط بوضوح ببيانات التضخم والخدمات الأساسية وسوق العمل، بما يحافظ على مصداقية مكافحة التضخم ويقلّل في الوقت نفسه مخاطر التشدد المفرط.

من ثم، خفضٌ في ديسمبر مع توجيه متشدّد،  يوازن بين دعم سوق العمل وحماية السردية الانكماشية للتضخم. وتأجيل إلى يناير -وقفة تكتيكية- منح مزيدًا من الوقت لقراءة تمرير الرسوم الجمركية إلى الأسعار وتطور الأجور أمام وقفة أطول إذا تسارع التضخم الأساسي، تُعيد تثبيت السردية التضخمية وترفع علاوات الأجل، ما يعني انحدارًا صعوديًّا في المنحنى وامتداد ضغوط على الائتمان والأسهم والدول الدائنة بالدولار.

اقتصاديًّا، تتوقف كِفّة القرار على أربعة متغيّرات، تمرير الرسوم الجمركية، موجة ثانية محتملة في 2026 إذا رسّخت الشركات التسعير الجديد، ديناميكيات الأجور بحيث يمكن أن يتراجع نموها بما يكفي من دون الإضرار بالمشاركة والقوة الشرائية، تباطؤ السكن فهل يواصل تهدئة التضخم الخدمي أم بلغ ذروته؟، وإنتاجية الشركات، تحسّن الإنتاجية يمكّن من خفضٍ آمن دون إشعال الأسعار.

في ما يخص الأسواق، ستظل الحساسية الأكبر في الأجلين القصير والمتوسط: أي إن خفضًا مقرونًا برسالة متشدّدة يخفّض كلفة التمويل الهامشية من دون إطلاق موجة تسهيل واسعة. أمّا الشركات والأسر، فستلمس الأثر أساسًا عبر القروض المتغيرة والتمويل قصير الأجل، بينما تبقى الرهون طويلة الأجل رهينة توقعات التضخم وعلاوات الأجل. خارجيًّا، أي مسار يُبقي الفيدرالي حذرًا مشروطًا يعني استمرار تقلب تدفقات المحافظ نحو الاقتصادات الناشئة تبعًا لمسار الدولار والعوائد الحقيقية.

قرارٌ تكتيكي

قرار ديسمبر قرارٌ تكتيكي لا تحوّلٌ استراتيجي. الفيدرالي سيحاول تثبيت معادلة مزدوجة: دعم سوق العمل من دون التفريط في صدقية هدف 2%. وعليه، سيبقى الإرشاد المستقبلي—أكثر من ربع النقطة نفسها—هو المؤشّر الحاسم على اتجاه 2026. نقاط المراقبة الأقرب: الخدمات غير السكنية، مقياس الأسعار الأساس لثلاثة أشهر، ومؤشرات فرص العمل والأجور، وتوقعات التضخم.  بهذه العدسة فقط يمكن قراءة أي خفضٍ قريب: مرنٌ، مشروطٌ، وقابلٌ للانعكاس إذا انحرف المسار السعري.

المساهمون