الإيداع النقدي في البنوك وراء إقالة محافظ المركزي الجزائري
استمع إلى الملخص
- التعميم الجديد يسمح بتمويل الحسابات نقداً أو بوسائل مكتوبة، مع مراعاة حجم الأعمال والامتثال لمبدأ "اعرف عميلك"، بهدف إعادة التوازن للسوق.
- الخبير المالي جلول سلامة أكد على ضرورة مراجعة سياسات البنك المركزي السابقة التي وُصفت بأنها إقصائية، للحفاظ على ثقة المستثمرين واستقرار الأسواق.
مباشرةً بعد إقالة الرئيس الجزائري
عبد المجيد تبون محافظَ البنك المركزي صلاح الدين طالب، وتكليف نائبه معتصم بوضياف بتولي المنصب بالنيابة، مساء الأحد، أصدر المركزي تعميماً جديداً ألغى بموجبه إجراءً سابقاً بمنع إيداع الأموال نقداً في الحسابات البنكية التجارية، والذي أثار جدلاً واسعاً في البلد العربي؛ لتهديده مستويات الادخار والسيولة المالية.وجاء الكشف عن هذا الإجراء من خلال تعميم لبنك الجزائر مؤرخ في 4 يناير/ كانون الثاني 2026، حمل الرقم 01، أي أنه أول وثيقة يصدرها المركزي الجزائري في هذا العام، وجهها إلى جميع البنوك المعتمدة في البلاد.
وورد في التعميم أنه "طبقاً للأحكام التشريعية والتنظيمية السارية المفعول، تراعى تدابير اليقظة المتعلقة بالزبائن باستخدام النهج القائم على المخاطر، كما كانت عليه قبل إصدار المذكرة رقم 2 المؤرخة في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2025"، وأضافت وثيقة المركزي الجزائري أنه "يمكن تموين الحسابات التجارية من خلال وسائل الدفع الكتابية أو عن طريق الدفع نقداً على أساس حجم الأعمال اليومي والأسبوعي"، ولفت التعميم إلى أن العمليات يجب أن تكون متوافقة مع الملف الشخصي ومتّسقة مع معلومات الزبون التي بحوزة البنك.
إقالة مفاجئة وملفات مثيرة للجدل
وشغل طالب منصب المحافظ منذ مايو/أيار 2022 خلفاً لسلفه رستم فاضلي الذي لم يعمّر بدوره في المنصب أكثر من عامَين. وشغل طالب منصب رئيس مجلس النقد والقرض قبل أن يعيّن محافظاً لبنك الجزائر المركزي، قبل أن يُقال أول من أمس بعد ثلاث سنوات من أدائه لعمله.
ومنذ رحيل محمد لكصاسي في 2016، الذي أمضى 15 عاماً في المنصب، لم يعمّر المتداولون على كرسي محافظ بنك الجزائر طويلاً، ومنهم محمد لوكال (2016 - 2019) الموجود في السجن في قضية فساد، والذي شغل أيضاً منصب وزير المالية. وجاء إنهاء مهام محافظ المركزي الجزائري في خضم جدل حاد عاشته البلاد شهر ديسمبر الماضي، على علاقة بملفات أشرفت هذه المؤسّسة المالية على إدارتها. في هذا الشأن، أثار تعميم البنك الصادر في 22 ديسمبر، القاضي بمنع إيداع الأموال نقداً في الحسابات البنكية التجارية، جدلاً كبيراً في أوساط المال والاقتصاد بالجزائر، في بلد ينتشر فيه استخدام السيولة النقدية على نطاق واسع جداً وسوق موازية يفوق حجمها 60 مليار دولار.
وشدد التعميم حينها على ضرورة التطبيق الصارم للأحكام التنظيمية المتعلقة بواجب اليقظة وتدابير التخفيف من المخاطر، المنصوص عليها على وجه الخصوص في اللائحة رقم 24-03 المؤرخة 24 يوليو/ تموز 2024، المتعلقة بالوقاية من غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل ومكافحتها.
وأثار إجراء المركزي الجزائري التساؤلات في الأوساط المالية والاقتصادية بالجزائر، من منطلق أن هذا التدبير يمكن أن يخلق مشكل سيولة حقيقياً في البلاد، وأيضاً يرهن جهود الدولة في استقطاب مبالغ مالية ضخمة يجري تداولها خارج البنوك، بهدف رفع مستويات الادّخار.
كما أثار ملف المنحة السياحية والإجراءات المشدّدة المرافقة لصرفها جدلاً كبيراً في الجزائر على مدار الأشهر الماضية، إذ صارت الاستفادة منها مشروطة بتوفر المعني على حساب بنكي يدفع من خلاله مقابلها بالدينار الجزائري، إما عبر صك أو تحويل أو بطاقة دفع بنكية.
تصحيح حتمي
يرى الخبير المالي والاقتصادي جلول سلامة في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ إقالة محافظ البنك المركزي الجزائري جاءت نتيجة الاضطرابات التي شهدتها الأسواق المالية منذ 22 ديسمبر/ كانون الأول 2025، التي كانت نتيجة التدابير السابقة التي وصفها بـ"الإقصائية والبيروقراطية المجحفة" تجاه أصحاب الأموال والمتعاملين الاقتصاديين، وأضاف سلامة أن هذه الإجراءات، المفاجئة والقاسية، أزعجت المتعاملين الاقتصاديين الذين اعتادوا منذ ستينيّات القرن الماضي على أنظمة إيداع الأموال، وأدت إلى استبعاد وإقصاء عدد كبير منهم على نحوٍ مفاجئ.
وأوضح الخبير أن مراجعة نهج البنك المركزي كانت ضرورية، لأنّ التدرج والمرافقة في تطبيق أي تدبير مالي يعتبران أساسيَين للحفاظ على ثقة المستثمرين واستقرار الأسواق، مشيراً إلى أن السياسات السابقة دفعت بعض أصحاب الأموال نحو العزوف عن الإيداع، خصوصاً مع القيود على الإيداع النقدي، وهو ما وصفه بالقرار الخاطئ.
وأكد سلامة أن إدارة البنك المركزي كانت تُدار على نحوٍ إداري أكثر منه هيئةً مالية، موضحاً أن المحافظ الجديد بادر مباشرة إلى إلغاء التعميم السابق وإصدار آخر متوازن، مع الحفاظ على وسائل مراقبة المخاطر المالية المعمول بها عالمياً، مع التأكيد أنّ المدخرات يجب أن تكون متوافقة مع النشاط البنكي والملفات المالية لكل متعامل اقتصادي.
وأشار الاقتصادي الجزائري إلى أنّ اعتماد سياسة عادلة ومتوازنة تجاه أصحاب الأموال والشركات سيعيد الثقة في النظام المصرفي، ويزيد من عمليات الإيداع، ما يسهم في رفع مستويات الادخار مجدداً، في إشارة لتجنيب البلاد أزمة سيولة كانت متوقعة في الأشهر القادمة.
من جهته، أوضح المحلل الاقتصادي والمالي نبيل جمعة في حديث لـ "العربي الجديد" أن التعميم الجديد للبنك المركزي يجب أن يفهم على أنه إجراء براغماتي، وليس تحريرا شاملا للمدفوعات النقدية، مؤكدا أن الهدف هو إعادة التوازن بعد الصرامة المفرطة للتعميم السابق بتاريخ 22 ديسمبر 2025، من خلال اعتماد إدارة مرنة وفق المخاطر وطبيعة كل عميل، دون التنازل عن الرقابة أو متطلبات الامتثال.
وأضاف جمعة، وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر الحكومية، أن ما تغير فعليا هو السماح مجددا بتمويل الحسابات التجارية لدى البنوك نقدا أو بوسائل مكتوبة، استنادا إلى حجم الأعمال اليومي أو الأسبوعي، مع التأكد من أن العمليات تتوافق مع النشاط الفعلي للعميل. وأوضح في هذا الصدد أن النقد لم يلغى، لكنه أصبح مبررا اقتصاديا ومحددا وفق المعايير الواقعية.
وأكد المتحدث أن ما لم يتغير هو الالتزام بمبدأ "اعرف عميلك" (KYC)، واعتماد مقاربة قائمة على إدارة المخاطر، بالإضافة إلى التمسك بالقوانين الرادعة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب. وحسب جمعة فإن السؤال الأساسي لم يعد حول السماح بالإيداع النقدي، بل حول مدى توافق هذا الإيداع مع الملف التعريفي والتاريخ وطبيعة نشاط العميل.
وأشار جمعة إلى أن هذا التعديل جاء لأسباب اقتصادية وتشغيلية، مشيرا إلى أن الاقتصاد الجزائري لا يزال يعتمد بشكل كبير على النقد، وأن تطبيق صرامة مفاجئة أدى إلى اضطرابات أكثر من فوائده.
وخلص أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر الحكومية، إلى أن هذا التعديل ليس تراجعا عن الرقمنة أو إصلاحا هيكليا، بل خطوة فنية لحفظ سيولة السوق وضمان استمرارية العمليات التجارية خلال مرحلة الانتقال.