في ظل الإجماع الأوروبي على إعادة التسلح وتعزيز القدرات الدفاعية والرد بشكل مستقل على التهديدات التي تشكلها روسيا، والمخاوف المتزايدة من احتمال اقتراب التعاون بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزعيم الكرملين، يبرز العديد من العثرات أمام الإنفاق الدفاعي لبناء قدرات عسكرية أوروبية مشتركة، وأهمها التمويل. فمن أين ستأتي الأموال لتعزيز مجالات القدرات الأوروبية ذات الأهمية الاستراتيجية؟
وفي ظل القناعة الراسخة بأن الأعباء ستقع على الميزانيات الوطنية للدول الأوروبية والديون المجتمعية أولًا، ذكرت تقارير اقتصادية، الاثنينن أن رئيسة المفوضية أورسولا فون ديرلاين تخطط لتقديم اقتراح هذا الأسبوع يقضي بتخفيض حدود الديون التي نصت عليها معاهدة ماستريخت للاتحاد الأوروبي، وهذا من شأنه أن يسمح للحكومات بإنفاق المليارات على الإنفاق العسكري، بما في ذلك الدبابات والطائرات المقاتلة والذخيرة، من دون أن تُحتسب هذه الاستثمارات ضمن العجز. ويعد هذا المقترح محل قبول لدى المستشار الألماني أولاف شولتز، لا سيما أنه يتوافق مع اهتمامات ألمانيا بضمان بقاء الدفاع مسؤولية وطنية، وتمويل الإنفاق الدفاعي من ميزانيات الدول الأعضاء.
وأمام هذه المخاطر والتطورات، بيّنت أرقام صادرة عن مركز أبحاث بروغل في بروكسل ومعهد كيل للاقتصاد العالمي، الاثنين، أن أوروبا تحتاج، بالإضافة إلى الإنفاق العسكري الحالي، إلى نحو 250 مليار يورو سنويًا لكي تتمكن من الدفاع عن نفسها ضد روسيا من دون دعم الولايات المتحدة الأميركية. وفي هذا الإطار، أوضحت شبكة إيه آر دي الإخبارية، الاثنين، أن الأمر يشمل على وجه التحديد تجهيز 50 لواءً بإجمالي 300 ألف جندي و3 آلاف و400 دبابة جديدة.
إلى ذلك، اقترح مركز السياسة الأوروبية ببروكسل، ومن أجل تسريع التعاون، ألا تقضي الدول السبع والعشرون وقتًا طويلًا في النقاشات، بل تتخذ زمام المبادرة. وتشير المداولات والتحركات إلى أن هناك تجمعًا سيُسمى "تحالف الراغبين"، وسيضم دولًا من خارج التكتل، مثل بريطانيا والنرويج، ويُتوقع أن تُجمع الأموال في صندوق تمويلي مشترك مخصص للأمن الأوروبي. وفي المقابل، هناك دول تتبنى الانضباط المالي الصارم وتفضل إبقاء الإنفاق الدفاعي من مسؤولية الحكومات الوطنية.
وفي السياق نفسه، يبدو أن دولًا مثل فرنسا واليونان وإسبانيا وإيطاليا تريد أن يجرى تمويل إعادة تسليح أوروبا من خلال الديون الأوروبية المشتركة، وهذا من شأنه أن يحمي ميزانياتها الوطنية المثقلة بالديون. ودعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى إنشاء صندوق دفاعي أوروبي بقيمة ملياري يورو، على غرار صندوق كورونا.
وبانتظار ما ستؤول إليه الجهود، اعتبر الباحث الاقتصادي الألماني يان مولر، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن اعتماد صندوق مستقل وبسرعة يتماشى مع تطور الأوضاع في أوكرانيا والتوترات السياسية عبر ضفتي الأطلسي، وهذا ما سيساعد دولًا لديها مديونية مرتفعة، مثل إسبانيا وإيطاليا، التي تنفق حوالي 1.5% من ناتجها الاقتصادي على الدفاع، وهي بعيدة أساسًا عن نسبة 2% المحددة من قبل الناتو في ما يخص الإنفاق الدفاعي. وأضاف أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي تتفق على أن بنك الاستثمار الأوروبي يجب أن يقدم قروضًا منخفضة الفائدة لشراء الأسلحة والذخائر، لكن هذا لا يتوافق مع النظام الأساسي للبنك المذكور، إذ لا يُدعم إنتاج الأسلحة بقروض إلا في حالات استثنائية، كأن يكون من الممكن استخدامها أيضًا لأغراض مدنية، مثل معدات نزع الألغام أو الطائرات من دون طيار أو الأقمار الصناعية. ومن شأن مقترح فون ديرلاين أن يساعد في تخفيف القواعد للحصول على قروض منخفضة الفائدة.
وعن العقبات والمتاعب التي تعرقل هذا النوع من عمليات الشراء المشتركة في أوروبا، يبرز تعدد أنواع أنظمة الأسلحة المستخدمة، وهو أكبر بخمس مرات من عددها في الولايات المتحدة. وهنا، تفيد التحليلات بأنه من وجهة نظر اقتصادية، سيكون من المنطقي طرح تطوير أسلحة جديدة في مناقصات مشتركة ومنح العقود لشركات الأسلحة التي تقدم عروضاً أكثر جاذبية. كما أن الطلبات لشراء نماذج أسلحة ودبابات للجيوش الأوروبية ستكون عاملًا مساعدًا في تسريع الإنتاج، مع اعتماد المواصفات نفسها، فضلًا عن أن الكميات الكبيرة تسمح بالتفاوض على الأسعار والشراء بتكلفة معقولة. لكن هذه الطروحات تصطدم دائمًا بالغرور الوطني، وعادةً ما تسعى دول التكتل إلى الشراء من مصانع الشركات المحلية، ما يؤدي إلى تأخير تسليم المشاريع المشتركة بسبب الطلبيات الضخمة وعمليات التنسيق المعقدة بين الجهات المعنية.
وكانت رئيسة المفوضية قد صرّحت نهاية الأسبوع الماضي، أمام العديد من وسائل الإعلام، بأنها تريد تسليح أوروبا ببرنامج فوري، وأن يكون الإنفاق الدفاعي هادفًا وأكثر كفاءة، مع الاعتماد على صندوق لتمويل القدرات الاستراتيجية، وخاصة الدفاع الجوي المتكامل، والدرع الصاروخية الأوروبية، والطائرات من دون طيار، وبالطبع الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي.