الإفراج عن رياض سلامة حاكم مصرف لبنان السابق بكفالة قياسية 14 مليون دولار
استمع إلى الملخص
- أُتهم سلامة بجرائم مالية منها "اختلاس أموال عامة"، وواجه تحقيقات حول تحويلات بقيمة 42 مليون دولار، بينما أكد محاميه أن الكفالة لا تعني إقراراً بالتهم.
- تولى سلامة منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993، وحظي بالإشادة لدوره في تعافي الاقتصاد، لكنه يواجه اتهامات بالمسؤولية عن الأزمة المالية منذ 2019.
غادر حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة مساء اليوم الجمعة مستشفى بحنّس وسط إجراءات أمنية مشددة، وبعيداً من عدسات الكاميرات، بعد إفراج السلطات القضائية عنه، ودفعه كفالة مالية قياسية قدرها 14 مليون دولار، وذلك بعد توقيفٍ استمرّ نحو 13 شهراً على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم مالية خلال توليه منصبه.
وكانت الهيئة الاتهامية في بيروت قد وافقت، في 26 أغسطس/ آب الماضي، على إخلاء سبيل رياض سلامة بكفالة مالية هي الأعلى في تاريخ القضاء اللبناني، وقدرها 20 مليون دولار وخمسة مليارات ليرة لبنانية، مع منعه من السفر لمدة عام واحد، قبل أن تعود وتخفّض الكفالة إلى 14 مليون دولار و5 مليارات ليرة لبنانية، وذلك بعدما تقدّم وكيل سلامة بطلب لإلغائها أو تعديلها، بينما أبقت على قرار منعه من السفر لمدة عام، تبدأ من تاريخ دفع الكفالة.
وتأخر إخلاء سبيل سلامة الذي كان من المفترض أن يتم خلال النهار، وذلك بسبب تحقيق القضاء بمصدر الكفالة وكيفية تأمينه هذا المبلغ الكبير، مع الإشارة إلى أن الحاكم السابق نُقل قبل أشهر إلى مركز بحنّس الطبّي، الذي يقع في منطقة جبلية، وذلك بسبب تدهور وضعه الصحي.
وتدور علامات استفهام حول كيفية تأمين سلامة المبلغ المالي الكبير، خصوصاً أن جميع حساباته مجمّدة، وهو ما دفع القضاء اللبناني إلى طلب التحقيق في مصدر الكفالة.
وأتى قرار الإخلاء بعد أشهر من اتهام قاضي التحقيق الأول في بيروت بلال حلاوي، رياض سلامة بارتكاب جرائم "اختلاس أموال عامة والتزوير والإثراء غير المشروع"، وذلك في القرار الظني الذي أصدره بتاريخ الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، في قضية التحويلات الخاصة بمبلغ 42 مليون دولار المرتبطة بحساب الاستشارات.
وقال المحامي مارك حبقة الوكيل القانوني لسلامة من أمام مستشفى بحنّس إن "إخلاء السبيل تم بناءً على قرار الهيئة الاتهامية في بيروت، علماً أنه نافذ منذ شهر، لكنه توقّف ربطاً بموضوع الكفالة المالية، وتأمين المبلغ لتسديدها، علماً أننا حاولنا مرات عدّة إلغاءها، لأن القانون يقول بوجوب إخراجه من دون كفالة، لكن احتراماً من سلامة للقرار القضائي بتخفيض الكفالة قمنا بإيداعها إيماناً منّا بالقضاء، على أن نقوم بطرح موضوعها ابتداءً من الأسبوع المقبل عبر الطرق القضائية".
وأشار حبقة إلى أن "القاضي جمال الحجار قام بإجراء قانوني روتيني بالتحقق من مصدر أموال الحاكم، علماً أننا كنا نتمنّى له فعل ذلك قبل إيداع الكفالة، لكن لا مشكلة، ولدينا وثائق سنتقدم بها لإثبات مصدر الأموال"، مشدداً على أن تسديد سلامة الكفالة "لا يعني أنه إقرار بالفعل المدعى عليه به، بل هو احترام للقرار القضائي، وإيماناً منا بدولة المؤسسات، وسنقوم بطرح موضوع الكفالة وعدم قانونيتها".
وأضاف حبقة "اليوم رياض سلامة حرّ، ولا قرار بتوقيفه، لكن الملفات مستمرة، ونحن مصرّون على إبراز قريبة البراءة وكافة الأدلة التي تبرئه، وابتداءً من الأسبوع المقبل سنقوم بملاحقة كل شخص يقوم بالتعرّض لسرّية التحقيق في هذا الملف، وملاحقة كل شخص يقوم بالتأثير على القضاء عبر إطلاق حملات انتخابية وشعبوية على ظهر سلامة"، آملاً أن يكون "خروج سلامة صفحة جديدة في المسار القضائي، وأن تكون المحاكمة عادلة وفق القانون في هذا العهد الجديد، وليس محاكمة تحيطها الشعبوية والتلفيقات والاتهامات التي لا صحة لها"، وفق قوله.
وحول الخطوات المستقبلية، قال حبقة إنّ "الأساس بالنسبة إلينا هو الدفاع في هذا الملف والملفات الأخرى، لنؤكد البراءة أقله من التهم المنسوبة إليه، وكذلك التقدم بدعاوى قضائية تطاول أشخاصاً أثروا على التحقيق من قضاة أو محامين أو غيرهم، عبر خطابات وشعارات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وسنقدم كافة الأدلة والمعطيات لإثبات من هو متورط بالجرائم المالية التي أدت إلى انهيار البلد وتم تلبيسها (نسبها) لسلامة، وسنكون بالتالي بموقع الهجوم أيضاً وليس فقط الدفاع".
وحول ما إذا كان سلامة سيظهر في مقابلة تلفزيونية، قال حبقة "الحاكم بوضع طبي دقيق وهو بحاجة لاستراحة ومراقبة طبية، ومن بعدها لكل حادث حديث، ولكن بعد سنة وشهر من السجن، طبعاً سيقوم بكل شيء لإظهار براءته". هذا ولفت حبقة كذلك إلى أن هناك قراراً صادراً عن محكمة التمييز الفرنسية بإسقاط كل الحجوزات عن عقارات سلامة، وذلك بسبب وجود أخطاء إجرائية في محاكمته، وهناك محامون يتابعون ملفات سلامة في الخارج.
وكان القضاء اللبناني قد أوقف رياض سلامة في الثالث من سبتمبر/ أيلول 2024، في قضية تحويل الأموال من مصرف لبنان المركزي إلى حسابات مصرفية، بعدما قرّر حضور الجلسة في قصر العدل في بيروت من دون وكيل قانوني، ليُفاجَأ يومها بتوقيفه وتكبيل يديه، ونقله إلى سجن خاص في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، ليبدأ منذ ذلك الوقت مسار التحقيق مع الحاكم السابق، الذي بقي موقوفاً رغم العديد من المحاولات لإخلاء سبيله، والتذرع بوضعه الصحي "المقلق".
رياض سلامة.. رحلة صعود وهبوط
وقد أنهى سلامة ولايته التي استمرت 30 عاماً حاكماً للمصرف المركزي في عام 2023 وسط شبهات، فيما كانت عدة دول أوروبية تحقق في اتهامات بارتكاب جرائم مالية. ويحمّله كثيرون في لبنان المسؤولية عن الأزمة المالية الخانقة التي تضرب البلاد منذ أواخر 2019، والتي فقد خلالها المودعون مدخرات عمرهم مع انهيار قيمة العملة الوطنية.
تولى رياض سلامة منصب الحاكم عام 1993، وحظي في البداية بالإشادة لدوره في قيادة تعافي الاقتصاد اللبناني بعد حرب أهلية استمرت 15 عاماً، ولحفاظه على استقرار نسبي خلال فترات طويلة من الشلل السياسي والاضطراب. وفي سبتمبر الماضي، وجّه لبنان إلى سلامة تهمة اختلاس 42 مليون دولار، ثم أضاف لاحقاً تهم "الإثراء غير المشروع" على خلفية شقة استُؤجرت في فرنسا بزعم أنها مكتب بديل للمصرف المركزي عند الحاجة. وقال مسؤولون إن سلامة استأجر الشقة من شريكته السابقة بمبلغ يقارب 500 ألف دولار سنوياً.
وخلال فترة احتجازه، تدهورت صحته حيث يبلغ من العمر 75 عاماً، ونُقل إلى مستشفى خارج بيروت قبل الإفراج عنه اليوم الجمعة. ويواجه حالياً اتهامات جنائية على المستوى الدولي والوطني.