استمع إلى الملخص
- تسعى القيادة الأردنية لتعزيز العلاقات مع أوروبا لجذب الاستثمارات وتطوير القدرات الإنتاجية، مع التركيز على دعم القضية الفلسطينية وزيادة الصادرات.
- يواجه الأردن تحديات البطالة والفقر ومشكلات النقل والطاقة، وتسعى الحكومة لتحسين الإدارة العامة وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا والطاقة المتجددة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
بعد التقييم الشامل الذي أجراه خبراء صندوق النقد الدولي للاقتصاد الأردني خرجوا باستنتاجات إيجابية بأن الاقتصاد قد نما وفق التوقعات للعام 2025 والتي تقدر أن تكون 2.6%. أما العام القادم فسيرتفع معدل النمو إلى 2.9%. وقالوا إن الاقتصاد الأردني يتمتع بالمرونة الكافية لكي يستجيب للتحديات التي يواجهها في المنطقة التي يقع فيها (منطقة المينا)، وكذلك التحديات الأشمل التي يشهدها العالم كله مثل الحروب التجارية والإلكترونية وكذلك النزاعات العسكرية أو التهديد باندلاعها، وكذلك اتساع فجوة الدخل والثروة في العالم وانتقال عدواها إلى دول المنطقة خاصة الأردن صاحب الاقتصاد المفتوح على العالم. وفي الحقيقة أن المشاورات التي يجريها الصندوق الدولي مفيدة من حيث إنها تلزم الحكومات، خاصة في الدول الأعضاء فيه والمقترضة منه، على ترك الأحداث اليومية وإجراء جلسات تفكيرية تقييمية.
ولكن الأردن يعطي تلك المشاورات أهمية متزايدة لأن علاقته بالصندوق قديمة وجيدة، ولأن شهادة خبراء الصندوق مهمة لتمكين الأردن من تحديد تصنيفه لدى مؤسسات التصنيف المالية الدولية من حيث أهليته للاقتراض، واستحقاقه للمساعدات، والحكم على قراراته وسياساته بأنها تسير في الاتجاه الصحيح الذي يجعل الأردن مستحقاً للقروض الخارجية التي يستطيع سدادها. ومن أجل فهم الترابط بين الأبعاد السياسية والاقتصادية في الأردن. فإن التذكير بتحركات الأردن السياسية تصبح مهمة لتأطير توجهاته الاقتصادية. وكل من يتابع أخبار الأردن يرى أن الملك عبد الله الثاني وحتى ولي عهده الأمير الحسين والملكة رانيا العبد الله دائمو السفر والتنقل بين عواصم العالم. فالملك قد أجرى في الفترة الأخيرة زيارات عديدة لدول أوروبية شملت السويد، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهنغاريا، وإيطاليا.
أما الأمير الحسين فقد قام برفقة زوجته الأميرة رجوة بزيارتين رسميتين إلى كل من فرنسا والمملكة المتحدة وقابلا قادة تلك الدول، واطلعا على كثير من المؤسسات الاقتصادية فيهما بقصد جذب هذه الفعاليات المتطورة إلى الأردن، أو التعاون معها لتطوير القدرات الانتاجية والتكنولوجية فيه. وأما الملكة رانيا، ورغم ما تواجهه من أبواق الدعاية الإسرائيلية والصهيونية في العالم من تهم تصل إلى حد اللاسامية فإن عزمها قوي على مواصلة كشف الأكاذيب وشرح القضايا المحلية والفلسطينية والعربية بأسلوب ذكي منحها الكثير من المتابعين والمعجبين. هذه الجهود الخارجية لها برنامج من نقطتين في العادة: الأول سياسي لشرح موقف الأردن وتركيزه الشديد على ضرورة إنصاف الشعب الفلسطيني ومنحه حقوقه المشروعة في وطنه المستقل وحق تقرير المصير. أما البند الثاني فهو محاولة جذب الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع الدول التي لا ترى في الأردن مجرد زبون لصادراتها، بل شريكاً استثمارياً وتجارياً مما يفتح الفرصة أمام الأردن لزيادة الاستثمار الخارجي الخالق لفرص عمل شبابية.
وكذلك لزيادة صادرات الأردن وتنويع البلدان المستقبلة لها. وينتج عن هذه اللقاءات فوائد أساسية قد لا تُرى فوراً، ولكنها تؤتي ثمارها مع الاستمرار والتحسن في أداء الأردن الاقتصادي. وكذلك تعطي الأردن مرونة أعلى لكي لا يبقى معتمداً في الدرجة الأولى والأهم على الاقتصاد الأميركي. وإن كان لا يسعى لكي يقلل من العلاقات الاقتصادية معها. وحتى يحقق الأردن مزيداً من الاستقرار. ويدرأ عن نفسه المفاجآت المتتالية في المنطقة والتي تصبح بحكم موقعه الجيوسياسي عبئاً عليه وعلى موارده المحدودة، لا بد أن يطالب بوضع حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية لأنها إن لم تحل فإن المنطقة كلها ستبقى محرومة من نعمة الأمن والسلام والاستقرار. وكذلك يدرك الأردن في سعيه نحو ذلك أنّ ما جرى في العالم العربي منذ اندلاع الربيع العربي الذي لا تنتهي حروبه الأهلية والإقليمية إلا بتحقيق الاستقرار في دول مثل سورية ولبنان ومن ثم العراق واليمن وغيرها.
ولا بد من إنهاء الأعمال الإسرائيلية الدنيئة في غزة والضفة الغربية وفي سجون الاحتلال وعلى حدود كل من لبنان وسورية. وباستقرار المنطقة كلها يتمكن الأردن من مواجهة الأخطار الكامنة في ارتفاع نسبة البطالة خاصة بين صفوف الشباب من الجنسين وفي تهريب المخدرات وزيادة مظاهر العنف في المجتمع. والتحدي الأكبر الذي يواجه الأردن الآن هو البطالة. ويأتي من بعد ذلك الفقر، ومن بعدها مشكلات النقل والطاقة ونقص المياه والتردي البيئي. ولقد رأينا أن النقل أصبح عبئاً على كل مواطن وعلى الاقتصاد بشكل عام. وما تزال مشكلات النقل تراوح مكانها. وأما الطاقة ففاتورتها كبيرة. وديون شركات الكهرباء الحكومية تصل إلى عدة بلايين من الدولارات على أقل تقدير. ولم يجد الأردن حتى اللحظة بدائل للاعتماد على الطاقة المتجددة والمتاحة في الأردن والتي يمكن أن تجعل الأردن أكثر انطلاقاً في الصناعات المعتمدة على الاستخدام المكثف للطاقة. وأما المياه فإن الأردن في حاجة إلى وضع خطة لإنتاج المياه وتقليل الهدر منها.
ورفع كفاءة التوزيع بين القطاعات والمناطق المختلفة، وإعادة تنظيم الإنتاج الزراعي لكي تصبح الزراعة أكثر إنتاجية وأقل استخداماً للمياه. وهو يفعل ذلك، ولكن ليس بالسرعة الكافية. وأما البيئة، فإن ما يجري في جنوب تونس من مظاهرات حول مصنع للأحماض الفوسفاتية وكيف أدت الغازات المنبعثة إلى إصابة أفراد كثيرين بالتسمم مما دفع أهل المنطقة إلى التظاهر، فإن الأردن قد تحصل فيه أمور كهذه كما حصل مؤخراً في جنوب الأردن. وتراجع البيئة ينطوي على خسائر في فرص الإنتاج، وفي زيادة الفقراء فقراً. واتساع هوة الفقر تخلق فئة من المحتاجين الذين يقطعون الأشجار للحطب في الشتاء، ويسرقون المياه من الشبكات العامة ويجرفون التربة من أجل أغراضهم الخاصة. الفقر والتدهور البيئي عاملان متلازمان وكل منهما يدعم الآخر عبر المكان والزمان.
ولذلك يثور السؤال الكبير والذي بدأت الحكومة الأردنية الحالية برئاسة الدكتور جعفر حسان تدخل إليه من أطرافه، ولكنها لم تقتحم أبوابه بعد، وما تزال ترتكب تناقضات فيه أحياناً، ولكن يغفر لها ذلك أنها تسعى باستمرار لتجويد قراراتها في ظل فئات الضغط التي تريدها أن تأخذ قرارات سريعة قد تكتشف لاحقاً أن فيها عيوباً وتناقضات تستوجب إعادة النظر فتقوم الحكومة بتعديلها. وقد مضى عام على الحكومة، ومن المرجح أنها قد تبقى حتى نهاية الفترة البرلمانية الحالية. وهو وقت كاف لدعم التوجهات الإيجابية في الاقتصاد. الحاجة الملحة في الأردن هو إحداث ثورة إدارية. ونجد أن كثيراً من الدوائر الحكومية قاصرة عن أداء أدوارها في مجال الإصلاح الإداري المطلوب. والأمر الثاني هو أن الحكومة تريد أن تصبح أكثر إلكترونية، ولكن الإدارة عن بعد مكلفة على المواطن وما تزال كثير من القرارات والتي من المفروض أن تتخذ عبر الإنترنت تطلب أوراقاً واستخراج استثمارات وشهادات إما بهدف زيادة الدخل من الرسوم وإما لأن النظام الإلكتروني الموضوع يقصر عن تلبية حاجات الناس.
لعل من اللافت للنظر أن أكثر إدارتين تستخدمان وسائل الحكومة الإلكترونية بكفاءة هما دائرة السير الأردنية ودائرة الأحوال المدنية (أي رخص السواقة والأوراق الرسمية الثبوتية مثل الهويات الوطنية وجوازات السفر). والسبب هو أن العنصر البشري الذي يدير شؤون الدولة لا يرغب في الوسائل الحديثة ولا في استخدامها لأنه ليس ملماً بتكنولوجيتها ولا مستعداً لأن يتعلم ذلك. الأمر الثاني هو أن الزيادة العددية من الموظفين في كثير من الدوائر صارت تشكل معضلة كبرى. وتدرك الحكومة المصيدة التي تشكلها هذه الحالة. فهي إن أرادت تقليص أعداد الموظفين تكون قد ساهمت بطرح أفراد في سوق العمل لا يريد كثير من العاملين في القطاع الخاص استئجار خدماتهم أو توظيفهم، وإن بقوا في الخدمة فهم ليسوا قادرين على التكيف مع المستجدات التي لا يمكن للحكومة إغفال قيمتها في نظمها الإدارية.
وسوف تزداد هذه المعضلة تعقيداً مع تطور استخدام الذكاء الاصطناعي، والذي سوف يؤدي في السنوات القليلة القادمة إلى زيادة الضغوط للتقليص من الأيدي العاملة في القطاعين العام والخاص. وإذا حسبنا أن عدد الذين يتطلعون إلى وظيفة حكومية في الأردن يتجاوز 400 ألف فرد، وأن الدور ربما يأتي للتوظيف بعد خمسين سنة، فإن الأمر يصبح فادح الخطورة في ظل الفجوة الزمنية بين تقليص الأعداد والقدرة على فتح فرص عمل جديدة. ولذلك تسعى القيادة الأردنية إلى توفير البيئة الإقليمية والبيئة الداخلية القادرتين على شراء الوقت، وإتاحة الفرصة للتخطيط العملي الممنهج المؤدي إلى حل مشكلة البطالة في الأردن. وما ينطبق على الأردن صار بشكل ما هو التحدي الأكبر الذي تواجهه معظم دول العالم.