استمع إلى الملخص
- يتناول كتاب "الثروة الخفية للأمم" لغابرييل زوكمان تأثير الملاذات الضريبية، مقترحًا سياسات لمحاصرة الأموال المتهربة، مثل فرض عقوبات وإنشاء سجل مالي عالمي.
- بدأت الملاذات الضريبية في سويسرا وانتشرت عالميًا، مما زاد تعقيد مكافحة التهرب الضريبي، ورغم محاولات الحكومات، إلا أن الحلول غالبًا ما كانت غير فعالة.
كما غيّرت العولمة الرأسمالية وتحرير الأسواق توازنات القوى الاجتماعية باتجاه المزيد من المرونة لعنصر رأس المال مقابل استمرار تقييد عنصر العمل؛ ومن ثم اختلال توازنات العرض والطلب المحلية بما عظّم قوة رأس المال وأضعف قوة العمل على مستوى الأسواق المختلفة، أدت الأمولة، أي هيمنة الطابع المالي على الاقتصاد، التي تحقّقت كامتداد منطقي لها، إلى اختلال الموازين على صعيد توزيع أعباء المالية العامة، وفي الاتجاه ذاته، من تعظيم قدرة رأس المال، الهائلة بالفعل، على الإفلات من اضطرابات السوق والسياسة المختلفة، هذه المرة الضرائب، مقابل تعزيز الضغط الضريبي على عنصر العمل والطبقات الوسطى والدنيا عمومًا.
ولا تقتصر روافع ذلك الاتجاه من اختلال المالية العامة على ما امتلكه رأس المال من مرونة وقدرة أكبر على الحركة والانتقال بين الأسواق؛ وبالتالي القدرة على ابتزاز الحكومات بالخروج من أسواقها؛ بما مكّنه من فرض مطالبه، حتى على الحكومات التي لم تدن بدين النيوليبرالية، بخفض معدلات الضرائب عمومًا، بل وإعطائه امتيازات وإعفاءات ضريبية كلما أمكن، وكلما كانت ندرته أشد أو حاجة البلد له أكبر أو حكومتها أضعف؛ ما يفسّر امتيازاته الهائلة في بلدان العالم الثالث الأكثر فقرًا أو تخلّفًا أو تفاوتًا، فضلًا عن التي جمعتهم جميعًا.
أدت الأمولة، أي هيمنة الطابع المالي على الاقتصاد، التي تحقّقت كامتداد منطقي لها، إلى اختلال الموازين على صعيد توزيع أعباء المالية العامة، وفي الاتجاه ذاته، من تعظيم قدرة رأس المال، الهائلة بالفعل، على الإفلات من اضطرابات السوق
وقد بلغ ذلك الاتجاه ذروته، مُجسَّدًا بظهور جِنان رأسمالية يتحرّر فيها رأس المال ويتحلّل بها كليًا من أيّ قيد أو شرط أو التزام، فيما أصبح يُعرَف بالملاذات الضريبية التي أصبحت أحد العناصر المحورية في منظومة عمل ووجود رأس المال الجديد في عصر العولمة النيوليبرالية؛ وبطبيعة الحال إحدى التحديات الجديدة التي تواجهها الدول القومية والأنظمة الديموقراطية والطبقات الشغّيلة معًا.
وعلى كثرة الأعمال التي تناولت هذه الملاذات، التي يغلب على معظمها الاستدلال القصصي ودراسات الحالة، المهمة بالطبع، يبرز من بينها كتاب غابرييل زوكمان "الثروة الخفية للأمم: مُعضلة الملاذات الضريبية" (الصادر بالفرنسية لأول مرة عام 2013، وبالعربية بترجمة كاتب السطور عام 2025 الجاري عن دار صفصافة المصرية بدعم من برنامج مسارات لما بعد النيوليبرالية التابع للجامعة الأميركية بالقاهرة)، الذي حاول تقديم شيئين مختلفين، إضافة إلى المحاور التقليدية لتناول المسألة، أولهما إجراء تقدير كمّي لحجم الأموال المختبئة بهذه الملاذات، وكم تتحمّل الأمم من خسائر مالية وضريبية بسببها، وثانيهما تقديم مُقترحات بسياسات قابلة للتنفيذ لمحاصرة وضبط هذه الأموال المتهرّبة ضريبيًا.
ويتكوّن الكتاب من خمسة فصول، يعرض أولها تاريخ الملاذات الضريبية بدءًا من درة تاجها، سويسرا، وتوزيع الأدوار المتسربل بأردية المنافسة في منظومة وصناعة إخفاء الثروات العالمية، ويحاول ثانيها تقديم تقدير كمّي للثروات الخفية وتكلفتها على الأمم، فيما يستعرض الفصل الثالث المحاولات الفاشلة للحكومات لمطاردة الثروات الهاربة بالملاذات الضريبية، والدروس المُستفادة منها، ويقدّم الفصل الرابع مقترحات بنهج جديد يقوم على ثلاثة محاور مترابطة تعالج ثغرات التنظيم المالي وتحوّلات أشكال الثروة واتساع نطاق حركتها عالميًا، فيما يختم الفصل الخامس الكتاب بمناقشة خاصة بالتهرّب الضريبي للشركات متعددة الجنسيات، بالتركيز على الحالة الأميركية التي لا تعاني بنفس الدرجة من تهرّب الدخول الشخصية، مع تقديم مُقترح بتحديث نظام ضرائب الشركات لملاحقة التحوّل العولمي وتوسّع نطاق حركة رأس المال.
مخاطر الملاذات الضريبية:
لكن يبدأ العمل أولاً بمقدمة منطقية، دعمتها مقدمة إضافية للاقتصادي الشهير توماس بيكيتي عن مخاطر هذه الملاذات الضريبية، والتي يتجاوز ضررها مجرد خسارة بعض الإيرادات الضريبية، بما ترتّبه من آثار سلبية على العدالة والتنمية، إلى تهديد كامل المنظومة الديموقراطية ودولة الرفاه الحديثة التي أنجزتها البشرية في القرن الأخير فقط، بعد قرنين من النضال الاجتماعي والعمالي.
فكما يقول بيكيتي، تقوم الديموقراطية الحديثة على عقد اجتماعي أساسي، هو أن يدفع الجميع الضرائب على أساس عادل وشفّاف؛ لتمويل الوصول إلى عدد من السلع والخدمات العامة، ما يعني مركزية مفهوم "القبول المالي"، أيّ اقتناع دافعي الضرائب بالمساهمة في النظام الضريبي نتيجة لقناعتهم بفائدته لهم وعدالته بينهم. فإذا شعر دافعو الضرائب من الطبقة الوسطى والشركات الصغيرة والمتوسطة أنهم يدفعون معدلات ضريبية أعلى من الطبقات الغنية والشركات الكبرى؛ فعلى الأرجح سيتراجع ذلك الاقتناع، وسيزداد التهرّب؛ بما يُضعف مُجمل النظام، وربما يصل به إلى الانهيار.
وسيؤدي ضعف الإيرادات المالية، الناتج عن هكذا ضعف في النظام المالي، إلى تراجع الإنفاق الاجتماعي ودولة الرفاه؛ ومن ثم تهميش جزء متزايد من السكان في منتصف وقاع الهرم الاقتصادي؛ بما لذلك من عواقب اجتماعية وسياسية، تفسّر جانبًا مما نراه من صعود لليمين الشعبوي في المراكز الرأسمالية الغربية اليوم. أما الدول النامية، فتعاني تنميتها الاقتصادية والاجتماعية بدرجة أكبر؛ نتيجة لضعف قدراتها الاقتصادية والمالية، وحاجتها الأكبر لتطوير بُناها التحتية وقدراتها الإنتاجية الأكثر ضعفًا وتخلّفًا، والتي قدّر المؤلف معاناتها بدرجة أكبر من هروب الثروات، والتي قدّرها وقت صدور الكتاب بحوالي 30% لأفريقيا، وأكثر من 50% لروسيا ودول الشرق الأوسط، حيث أكثر مناطق العالم تفاوتًا واضطرابًا.
تاريخ الملاذات الضريبية:
يبدأ المؤلف بتناول أول وأقدم الملاذات الضريبية، سويسرا، التي سبقت أكبر موجات العولمة الحديثة، لكن كانت بذاتها أولى قواعد ارتكاز حركته ولجوئه عالميًا، مُفنّدًا ما نسجته حول دورها من أساطير "إنسانية"، من أن الأصل التاريخي لقوانين السّرية المصرفية ونمو الصيرفة السويسرية هو تحوّلها لموئل لأموال اليهود الهاربين من النازية والمواطنين الفارين من الأنظمة الديكتاتورية، الأمر الذي كذّبته الدراسات التاريخية المختلفة، كحقيقة أن الانفجار الكبير في الثروات الهاربة إلى سويسرا، بحوالي عشرة أضعاف بالقيمة الحقيقية (بعد استبعاد أثر التضخّم) بين عاميّ 1920 و1938، قد حدث أغلبه في عشرينيات القرن العشرين بمتوسط نمو سنوي 14%، وليس في الثلاثينيات التي شهدت صعود تلك الأنظمة، بينما لم تنم الثروات فيها سوى بمتوسط 1% سنويًا، بل كانت المرحلتان الأسرع نموًا في عاميّ 1921-1922 والفترة 1925-1927 التاليتين مباشرةً على بدء فرنسا رفع معدلات الشرائح العُليا بضرائبها.
ثم يحلّل النمو في الملاذات الجديدة بأوروبا وآسيا ومنطقة الكاريبي منذ الثمانينيات، مُوضّحًا أن الأمر لا يعدو توزيع الأدوار بالتخصص في المراحل والأشكال المختلفة من إدارة الثروة؛ بما يحقّق الغرض الأساسي منها جميعًا، وهو تعزيز الغموض والسرية حول تلك الثروات ومن وراءها، ما يتأكّد بحقيقة أن عددًا كبيرًا من البنوك العاملة بسنغافورة وجزر الكايمان وجزر الباهاما وغيرها ليست سوى مجرد فروع لمؤسسات سويسرية، تتحرّك الأموال بينها جميعًا بمجرد توقيعات بسيطة بحسب اتجاهات الهجمات الحكومية على السرية المصرفية وما توقّعه سويسرا من معاهدات في هذا الصدد.
الأصل التاريخي لقوانين السّرية المصرفية ونمو الصيرفة السويسرية هو تحوّلها لموئل لأموال اليهود الهاربين من النازية والمواطنين الفارين من الأنظمة الديكتاتورية، الأمر الذي كذّبته الدراسات التاريخية المختلفة
حلول فاشلة أم تواطؤ سياسي؟!
في الفصل الثالث يتناول المؤلف ما تبنّته الحكومات من حلول لمواجهة تلك الملاذات، بدءًا من قانون 1901، الذي استحدث مبدأ التبادل التلقائي للمعلومات بين البنوك والسلطات الضريبية، ومشروع قانون 1908 الذي لم يُقّر برلمانيًا لكن طُبقت بعض جوانبه كمعاهدة، لمنع الاحتيال في ضرائب الميراث عبر البنوك الأجنبية بين فرنسا وبريطانيا. ويأسى المؤلف لمرور قرن كامل بعد ذلك الوقت دون تبنّ كامل لذلك المبدأ الضروري، لصالح شكل ضعيف من تبادل المعلومات حسب الطلب، لم يفعل شيئًا مع نمو الثروات الهاربة بالملاذات الضريبية بحوالي 25% بين عاميّ 2009 و2015، بل أتى بنتائج عكسية أيضًا، بذهاب الثروات إلى الملاذات الأقل تعاونًا، فاكتسبت سنغافورة ما يعادل 4% من إجمالي ودائع الأوفشور عالميًا، وهونغ كونغ 5%، بينما خسرت جيرسي 4%، والتي يؤكّد المؤلف أن كلها مجرد انتقالات صورية بين فروع لنفس مجموعات إدارة الثروات متعددة الجنسيات، مُستنتجًا من ذلك النتائج السلبية للمكافحة الجزئية للملاذات الضريبية؛ كونها تُزيد حوافز الملاذات الضريبية غير المتعاونة لمزيد من عدم التعاون.
ثم يتناول قانون الالتزام الضريبي للحسابات الأجنبية، أو قانون فاتكا الأميركي الصادر عام 2010، الذي فرض عقوبات على عدم التبادل التلقائي للمعلومات بخصوص تعاملات المواطنين الأميركيين مع أي بنوك أجنبية، بخصم ضرائب من المنبع على أيّ دخول لتلك البنوك من توزيعات الأسهم والفوائد المدفوعة من داخل الولايات المتحدة. وهو ما آتى أكله بقدر معتبر من الالتزام الذي لم يخل من ثغرات، لكنه أكّد ما اعتبره المؤلف درسًا إضافيًا بإمكانية إجبار الملاذات الضريبية على التعاون حال هُدّدت بعقوبات كبيرة بما يكفي.
وحلّل بعدها التطوّر بالأمر التوجيهي بضريبة المدخرات، الذي وصفه بالمبادرة الألمع للاتحاد الأوروبي لمكافحة التهرّب الضريبي عبر الملاذات الضريبية، والذي فرض تبادل المعلومات، مع تطبيقه منذ أواسط 2005، بين بنوك الاتحاد الأوروبي، مع استمرار الخطأ بالسماح باستثناءات وإعفاءات للنمسا ولوكسمبورج، واقتصار التطبيق على الأشخاص الطبيعيين دون الاعتباريين، وعلى إيرادات الفوائد دون توزيعات الأسهم، رغم كون الأخيرين على رأس فئات التهرّب؛ كون حوالي ثلثي الثروات الخفية مُجسّدة في أسهم شركات وصناديق استثمار، وأغلبها عمومًا مختبئ في مؤسسات وشركات صورية وما شابه؛ ما يعني استبعاد أغلب الثروات الخفية من نطاق عمله، بما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى جدّية الحكومات الأوروبية في مطاردة تلك الثروات، ويُثير شبهات حول التواطؤ المُتعمَّد الذي تدعمه وقائع ضلوع كثير من المسؤولين الأوروبيين أنفسهم في تلك الممارسات، كقضية جيروك كاهوزاك وزير المالية الفرنسي عام 2012، الذي كان المسؤول تحديدًا عن ملف مكافحة التهرّب الضريبي على أعلى مستوى بالإدارة الفرنسية، ثم ثبت تورّطه شخصيًا بامتلاك حسابات غير مُعلَنة في سويسرا، ومحاولات للتخفّي بالانتقال إلى سنغافورة، ما كان فضيحةً انتهت باستقالته.
وفي الفصل الخامس، تناول زوكمان الثغرة الرئيسية بقانون ضرائب الشركات القائم، المُتمثّلة باستمرار غلبة إطاره الوطني في مواجهة الحركة العالمية للشركات، حيث الوهم بإمكانية حساب وتحديد الأرباح الوطنية الخاصة بكل فرع أو شركة تابعة لشركة متعددة الجنسيات، بينما تعمل تلك الشركات على ترحيل أرباحها إلى الملاذات الضريبية، أولاً من خلال القروض المتبادلة بين فروعها وشركاتها التابعة بطريقة تفرض الأعباء وتقلّل الأرباح في الدول عالية الضرائب، فيما تنقل العوائد وتزيد الأرباح في الملاذات كلوكسمبورج وبرمودا، وثانيًا بالتلاعب بأسعار التحويل، التي تتبادل بها المنتجات بين تلك الفروع بأسعار تنقل الأرباح من الأولى إلى الثانية كذلك.
حلول زوكمان:
بناءً على هذه الإشكالات، يقترح المؤلف عدة سياسات لمواجهة التهرّب الضريبي في الملاذات. السياسة الأولى هي عقوبات مالية وتجارية على الملاذات غير المتعاونة، كخطط تعرفات جمركية على تلك الدول التي تغلب عليها الأهمية الكبيرة للتجارة الخارجية في اقتصاداتها الصغيرة، وتركّز أغلب تجارتها في عدد محدود من الشركاء التجاريين؛ ما يسهّل فرض تلك العقوبات عليها، ويزيد احتمالية استجابتها لها بالإيجاب.
السياسة الثانية هي تنظيم سجل مالي عالمي يقوم على دمج كافة مراكز الإيداع الوطنية والإقليمية التي تضم بيانات الأسهم والسندات وأغلب الأصول المالية، كشركة ديبوزتري تراست الأميركية ويوروكلير الفرنسية وكليرستريم بلوكسمبورج وغيرها، ثم فرض ضريبة ثروة عالمية من المنبع بنسبة 0.1% فقط، مع إتاحة استنزالها وطنيًا حال أرادت السلطات الضريبية بالبلد الأم، بما يضمن الواقعية واحترام السيادة المالية للدول، ويوجّه ضربة قاضية للسرّية المصرفية في نفس الوقت؛ كونه يخلق مصلحة لأصحاب رؤوس الأموال أنفسهم في الإفصاح، والأهم كونه يقلّل استخدام الشركات الصورية والأسماء الوهمية وغيرها من تقنيات إخفاء الثروة.
وينتهي المؤلف بالقول إن ضريبة على رأس المال من المنبع هي السلاح النهائي ضد الغموض المالي؛ ما سيعيد للحكومات، خصوصًا مع توافر سجل مالي عالمي شامل، القدرة على فرض ضرائب ثروة، بقواعد ضريبية واسعة ومعدلات تصاعدية، والتي كانت قد تراجعت تحت ضربات العولمة والأمولة التي سهّلت التهرّب والتجنّب الضريبي.