الأمم المتحدة.. الذكاء الاصطناعي يعمّق فجوة الأغنياء والفقراء

02 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:30 (توقيت القدس)
الذكاء الاصطناعي في ألمانيا، هانوفر في 31 مارس 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن الذكاء الاصطناعي قد يزيد الفجوة الاقتصادية بين الدول المتقدمة والنامية، حيث تتمتع الدول المتقدمة بمزايا في البحث العلمي والبنية التحتية الرقمية.

- يشير التقرير إلى أن الأتمتة قد تهدد فرص العمل في الدول النامية، مما يزيد من الفقر والبطالة، حيث قد يتأثر نحو 40% من الوظائف عالمياً.

- يمكن للذكاء الاصطناعي تقليص الفجوة التكنولوجية إذا استثمرت الدول النامية في التعليم والتدريب التقني، مع التركيز على التعاون الدولي ونقل التكنولوجيا.

حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في تقرير جديد صدر، اليوم الثلاثاء، من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اتساع الفجوة الاقتصادية والتنموية بين الدول المتقدمة والنامية، داعياً إلى تبني سياسات عاجلة للحد من آثار هذه التكنولوجيا على عدم المساواة العالمية. وقال فيليب شيلكينز، كبير الخبراء الاقتصاديين في المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لآسيا والمحيط الهادئ، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، إن "الذكاء الاصطناعي يبشر بعصر جديد من التفاوت المتزايد بين الدول، بعد نصف قرن من التقارب في مستويات التنمية"، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز".

ويحمل التقرير عنوان "الفجوة الكبرى القادمة: لماذا قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى توسيع فجوة التفاوت بين البلدان"، ويشير إلى أن التجارة والتكنولوجيا والتنمية ساهمت خلال العقود الماضية في تقليص الفوارق في الدخل والصحة والتعليم بين الدول، لكن هذه المكاسب مهددة بالتآكل نتيجة التفاوت في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأوضح التقرير أن الدول المتقدمة تمتلك مزايا هائلة في مجالات البحث العلمي والاستثمار والبنية التحتية الرقمية، ما يمكنها من استغلال الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية وتحسين الخدمات العامة، بينما تواجه الدول النامية تحديات كبيرة تتعلق بضعف القدرات التقنية، وهجرة الكفاءات، ونقص الأطر التنظيمية اللازمة لتطبيق التكنولوجيا بشكل عادل وفعال.

وأضاف شيلكينز: "في نهاية المطاف، حتى الدول الغنية ستعاني إذا تخلفت الدول الفقيرة عن الركب في مجال الذكاء الاصطناعي، لأن استمرار التفاوت ستكون له انعكاسات خطيرة على الأمن الدولي والهجرة غير النظامية". ويحذر التقرير من أن الأتمتة قد تهدد فرص العمل في الاقتصادات النامية التي تعتمد كثيراً على العمالة منخفضة المهارة، ما قد يؤدي إلى تفاقم الفقر وزيادة معدلات البطالة والهجرة.

ويشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة للحد من التفاوت إذا استثمرت الدول النامية في التعليم والتدريب التقني وتوسيع البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تبني سياسات تنظيمية شاملة تضمن توزيعاً عادلاً لفوائد التكنولوجيا. ويؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن بناء القدرات البشرية والتعاون الدولي في مجال نقل التكنولوجيا يمثلان السبيل الأمثل لتجنب ما وصفه بـ"الانقسام التكنولوجي العالمي الجديد" الذي قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد والتنمية خلال العقود المقبلة.

خطر الأتمتة على الوظائف

ويحذر التقرير من أن الأتمتة Automation قد تهدد فرص العمل في الاقتصادات النامية التي تعتمد كثيراً على العمالة منخفضة المهارة، ما قد يؤدي إلى تفاقم الفقر وزيادة معدلات البطالة والهجرة. وتؤكد دراسات لصندوق النقد الدولي أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد يؤثران بنحو 40% من الوظائف حول العالم، مع تفاوت كبير بين الدول المتقدمة والنامية في القدرة على التكيف مع هذا التحول، بحسب مدونة صندوق النقد الدولي، ديسمبر/ كانون الأول 2020.

في المقابل، يشير تقرير الأمم المتحدة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة للحد من التفاوت إذا استثمرت الدول النامية في التعليم والتدريب التقني وتوسيع البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تبني سياسات تنظيمية شاملة تضمن توزيعاً عادلاً لفوائد التكنولوجيا. ويرى التقرير أن بناء القدرات البشرية والتعاون الدولي في مجال نقل التكنولوجيا يمثلان السبيل الأمثل لتجنب ما وصفه بـ"الانقسام التكنولوجي العالمي الجديد" الذي قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد والتنمية خلال العقود المقبلة. 

تحذيرات دولية من فجوة رقمية جديدة

ويأتي هذا التحذير في ظل نقاش عالمي متسارع حول أثر الذكاء الاصطناعي على التوازن الاقتصادي الدولي. ففي تحليل لمركز التنمية العالمية (Center for Global Development) نُشر في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، حذّر خبراء من أن البلدان الغنية أكثر قدرة على تسخير الذكاء الاصطناعي لزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات، بينما تظل البلدان الفقيرة أقل استعداداً للتعامل مع صدمات سوق العمل الناتجة من التحول التكنولوجي، خصوصاً في غياب شبكات أمان اجتماعي قوية وأنظمة تعليم مرنة.

أما تقرير التنمية البشرية 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تحت عنوان الذكاء الاصطناعي: مسألة خيارات، فيؤكد أن آثار التكنولوجيا الجديدة على التنمية ليست قدراً محتوماً، بل يمكن إدارتها عبر اختيارات سياسية ذكية تستثمر في التعليم والمهارات الرقمية والبنية التحتية التنظيمية لتصبح التكنولوجيا أداة لتوسيع الفرص، لا لتقليصها.

ومضمون تقرير الأمم المتحدة يحمل أبعاداً استراتيجية على بنية الاقتصاد العالمي، إذ من المرجح أن يشهد العقد المقبل إعادة تموضع كبرى للشركات والاستثمارات باتجاه الدول التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن سياساتها الإنتاجية والتعليمية. وفي المقابل، قد تتسع الفجوة بين الاقتصادات المبتكرة وتلك المعتمدة على العمالة التقليدية، ما ينذر بمرحلة جديدة من عدم التوازن في تدفقات الاستثمار والتجارة الدولية. 

وشهد الاقتصاد العالمي خلال العقود الخمسة الماضية ما يُعرف بمرحلة التقارب الاقتصادي، إذ تمكنت دول نامية عديدة من تقليص الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة بفضل العولمة، وتوسع التجارة، ونقل التكنولوجيا، وتحرير الأسواق. ووفق بيانات البنك الدولي، ارتفع متوسط دخل الفرد في الاقتصادات الصاعدة بين عامي 1990 و2020 بأكثر من 160%، مدفوعاً بالاستثمار الأجنبي والتقدم في سلاسل الإنتاج العالمية.

انعكاسات اقتصادية عالمية

إلا أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي والأتمتة قد يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فبحسب منتدى الاقتصاد العالمي (WEF)، قد يؤدي تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد، مع انتقال مراكز الإنتاج إلى دول تمتلك رأسمال تكنولوجياً ومهارات رقمية متقدمة، ما يقلل اعتماد الشركات على العمالة منخفضة التكلفة في الدول النامية. وهذا التحول يعني أن ميزة الأجور المنخفضة التي شكّلت أساس النمو الصناعي في آسيا وأفريقيا قد تفقد قيمتها تدريجياً.

في المقابل، تتزايد الفجوة في الإنفاق على البحث والتطوير (R&D) بين الدول المتقدمة والنامية. فوفق تقرير اليونسكو للعلوم 2024، تستحوذ عشر دول فقط على أكثر من 80% من الإنفاق العالمي على البحث العلمي والتطوير التكنولوجي، معظمها في أميركا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا. هذه الهيمنة البحثية تمنح الاقتصادات الكبرى تفوقاً تراكمياً في تطوير الخوارزميات، والروبوتات، وتحليل البيانات الضخمة، وهي أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة.

كذلك، تُظهر دراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي في مطلع 2024 أن الاقتصادات التي تبنّت أنظمة ذكاء اصطناعي في القطاعين، المالي والخدمي، شهدت نمواً إنتاجياً أسرع بنحو 1.5 إلى 2 نقطة مئوية مقارنة بالاقتصادات التي لم تعتمد هذه التقنيات بعد، وهو ما يعزز توقعات بزيادة الفوارق في الناتج المحلي الإجمالي بين الدول. بالإضافة إلى أن تحقيق العدالة التكنولوجية يتطلب حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي تضمن انتقال المعرفة والبيانات والتقنيات إلى الدول النامية، ولا سيما في القطاعات الحيوية مثل الزراعة والصحة والتعليم، لتفادي تحوّل الثورة الرقمية إلى شكل جديد من التبعية الاقتصادية.

ومع تزايد النفوذ الاقتصادي للشركات التكنولوجية العملاقة، يبدو أن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة لن يكون في تطوير الذكاء الاصطناعي، بل في إدارة آثاره الاقتصادية والاجتماعية بشكل متوازن يحفظ مصالح الدول الفقيرة ويمنع عودة الانقسام العالمي على أسس تكنولوجية جديدة.

المساهمون