تواجه الشركات الفرنسية، لا سيما الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جدا، مرحلة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي غير المسبوق منذ إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الانتخابات التشريعية المبكرة في يونيو/ حزيران من العام الماضي. وأظهرت بيانات حديثة صدرت يوم 16 سبتمبر/أيلول عن دراسة أعدها المعمل البحثي التابع للبنك الفرنسي للاستثمار بالشراكة مع مؤسسة بحث وتحليل اقتصادي الفرنسية "ريكسدود"، أن المناخ السياسي المضطرب في فرنسا أثر بشكل ملموس على قرارات الاستثمار والتوظيف لدى المديرين.
كما ظلّت ثقة الأعمال في فرنسا مستقرة عند مستوى منخفض في سبتمبر/أيلول، وسط أزمة سياسية مطوّلة وحالة من عدم اليقين. ووفقا للدراسة، فإن نسبة رؤساء الشركات الذين ينوون الاستثمار خلال العام في فرنسا انخفضت إلى 46%، وأكثر من نصف المديرين (51%) وصفوا تأثير عدم اليقين السياسي على نشاط شركاتهم بأنه "قوي"، فيما رأى 34% أن الأثر "معتدل"، بينما لم يلاحظ 18% أي تأثير ملموس.
وعلى مستوى التنفيذ العملي للمشاريع، أظهرت الدراسة أن 44% من المشاريع الاستثمارية و51% من خطط التوظيف تم الإبقاء عليها رغم التوتر السياسي، فيما تم تأجيل 36% من الاستثمارات و28% من خطط التوظيف، فيما ألغيت نهائياً 20% و21% منها على التوالي، ما يعني أن الشركات تتبنى موقف الانتظار والمراقبة قبل اتخاذ قرارات جديدة، في انتظار وضوح السياسات المالية والضريبية للحكومة الجديدة.
ولم تفت الدراسة الإشارة إلى أوجه الشبه مع أزمة كوفيد عام 2020، حيث شهدت الشركات في خريف ذلك العام تراجعا مماثلا في الاستثمارات قبل أن يعقبه "طفرة نمو" مع الإعلان عن اللقاحات في مطلع 2021. وأكد خبراء في الدراسة أن المؤشرات الاقتصادية للشركات الصغيرة والمتوسطة كانت متراجعة منذ عدة فصول، أي قبل الأزمة السياسية الحالية، وهو ما يعكس تحديات بنيوية إلى جانب تأثير الأحداث السياسية. وبحسب الدراسة، فإنه من أبرز العقبات التي تواجه هذه الشركات حاليا: ضعف الطلب الداخلي وصعوبة التوظيف، اللذان أصبحا المشكلتين الرئيسيتين. كما تأثرت الاستثمارات البيئية بشكل واضح، إذ لم تعد سوى 36% من الشركات تضعها ضمن أولوياتها، بتراجع قدره 11 نقطة منذ بداية العام.
وتعكس بيانات الدراسة حجم
المخاطر الاقتصادية والسياسية التي تواجه الشركات الفرنسية، مع بقاء أمل في تحسن النشاط الاقتصادي إذا ما استقرت السياسات وتم تفعيل خطط الاستثمار بشكل واضح. ورغم ذلك، هناك نقطتا ضوء: فبحسب الخبير الاقتصادي ومدير الدراسات في بنك الاستثمارات العامة الفرنسي فيليب موتريسي، إن الأجور من المتوقع أن ترتفع بوتيرة أسرع من الأسعار، ما يحافظ على القدرة الشرائية للموظفين، كما أن مسار التضخم واصل انخفاضه، وهو ما قد يساهم في استقرار السوق تدريجياً.
وفي السياق نفسه، بقيت ثقة رجال الأعمال الفرنسيين مستقرة عند مستوى منخفض في سبتمبر/أيلول، بحسب مؤشرات المعهد الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية. وقال الاقتصادي في المعهد الفرنسي للإحصاء في وقت سابق من هذا الشهر لبلومبرغ، إن هناك الآن "نقصًا فريدًا في الثقة" في فرنسا. كما تراجعت ثقة المستهلك منذ أن أعلن ماكرون الانتخابات، وسجلت معدلات الادخار مستويات قياسية، وارتفعت المخاوف بشأن البطالة. وقد حذّر البنك المركزي في فرنسا من أن الاضطرابات السياسية ستؤثر على الناتج في السنوات القادمة.
وشهدت مدن عدة في فرنسا، أمس الخميس، إضرابات ومظاهرات واحتجاجات عارمة دعت إليها نقابات وجمعيات غير حكومية، شارك فيها نصف مليون مواطن حسب السلطات الفرنسية (مليون حسب النقابات)، للتنديد بالتدابير المالية التي وصفتها بـ "القاسية" والتي نص عليها مشروع ميزانية رئيس الحكومة السابق فرانسوا بايرو. وشلّت العديد من القطاعات الحيوية، إذ أغلقت تقريبا كل الصيدليات بنسبة تسع لكل عشر صيدليات وألغيت رحلات القطارات التي تربط المدن ببعضها وتم تعطيل شبطة المترو، وتأثر إنتاج الكهرباء النووي بنحو 1.1 غيغاواط في مفاعل "فلامانفيل 1".
وفي خضم هذه الأزمة، يسعى رئيس الحكومة الفرنسية سيبستيان ليكورنو لإقناع النواب بالموافقة على ميزانية قبل تشكيل حكومة كاملة، لكنه لم يُظهر حتى الآن أي مؤشرات عن التنازلات التي قد يقدمها. وفي الوقت نفسه، أدت الخلافات حول المالية العامة إلى احتجاجات في الشوارع مع قيادة النقابات العمالية لإضرابات ضد التقشف أمس الخميس.