الأردن ينظر إلى الصين بوصفها شريكاً استراتيجياً لدعم التحول الصناعي والاقتصادي

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:27 (توقيت القدس)
العاصمة الأردنية عمّان، 23 أكتوبر 2025 (Getty)

يسعى الأردن إلى تعزيز شراكاته الاقتصادية على المستوى الدولي، خصوصاً مع الصين، لفتح مزيد من آفاق التعاون في مختلف المجالات، ولا سيّما الاقتصادية منها، وترويج المنتج المحلي في المحافل الدولية، وجذب الاستثمارات من خلال توقيع اتفاقيات وشراكات استراتيجية تفتح الباب أمام تدفق رؤوس الأموال الأجنبية إلى المملكة، سيّما أن الأردن يملك عدة مشاريع ضخمة مثل الناقل الوطني للمياه وسكة الحديد، والصين تُعد من أكبر المستثمرين عالمياً.

وتكتسب زيارة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية غداً الاثنين أهمية اقتصادية واستثمارية كبيرة، في ظل ما تمثله الصين من ثقل عالمي في مجالات التجارة والصناعة والتكنولوجيا والاستثمار، وما يمكن أن تتيحه الزيارة من فرص لتعزيز حضور المنتجات الأردنية في السوق الصينية، واستقطاب استثمارات نوعية إلى المملكة، وبناء شراكات صناعية وتجارية جديدة بين القطاع الخاص في البلدين.

وأكد تجاريون وصناعيون في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأردن يرتبط بشبكة واسعة من اتفاقيات التجارة الحرة تتيح الوصول إلى أكثر من 50 سوقاً حول العالم، فضلاً عن كفاءات بشرية مؤهلة، وبنية تحتية ولوجستية ورقمية متطورة، ما يجعله منصة إقليمية مثالية للاستثمارات الموجهة نحو أسواق المنطقة والعالم.

وأعربوا عن تطلعهم للارتقاء بالشراكة الاقتصادية مع الصين إلى مستويات أوسع وأكثر تنوعاً، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم التنمية المستدامة في البلدين، مشيرين إلى أن ما يوفره الأردن من بيئة استثمارية تنافسية، وموقع استراتيجي، وتشريعات حديثة، يجعله شريكاً موثوقاً ومنصة إقليمية للشركات الصينية الراغبة في التوسع نحو أسواق المنطقة.

ودعوا الشركات الأردنية إلى دراسة السوق الصينية ومتطلباتها بصورة أكثر عمقاً، وتطوير المنتجات والتسويق وقنوات التوزيع، وبناء علاقات مباشرة ومستدامة مع المستوردين والموزعين والشركاء الصينيين، ومتابعة مخرجات الزيارة المرتقبة، وربط مجتمع الأعمال الأردني بنظيره الصيني، وتحديد الفرص ذات الأولوية ومتابعتها حتى تتحول إلى مشاريع وعقود فعلية.

وبحسب إحصائيات غرفة صناعة وتجارة الأردن، بلغت الصادرات الأردنية إلى الصين نحو 379 مليون دولار في عام 2025، بنمو يقدَّر بـ17%، فيما تُقدَّر الفرص التصديرية غير المستغلة في السوق الصينية بنحو 362 مليون دولار، تتركز أجزاء مهمة منها في الأسمدة والصناعات الكيماوية والدوائية، ما يؤكد وجود مساحة واسعة لزيادة حضور المنتج الأردني في السوق الصينية. وتشير الإحصائيات ذاتها إلى أن التجارة المتبادلة بين الأردن والصين بلغت نحو 5.37 مليارات دولار في عام 2025، ويُعد التكامل بين اقتصادَي البلدين ومختلف الصناعات أحد المحركات الأساسية لهذه العلاقة المتنامية.

بدوره، أكد وزير الاستثمار الأردني طارق أبو غزالة، في تصريحات صحافية، أن الأردن ينظر إلى الصين بوصفها شريكاً استراتيجياً في دعم التحول الصناعي والاقتصادي، وتعزيز التعاون الاستثماري القائم على المصالح المشتركة بين البلدين، وأضاف أنه تمكّن خلال زيارته إلى الصين في يونيو/حزيران الماضي من الاطلاع على التجربة التنموية الصينية، والوقوف على الإمكانات التي تتيحها لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، لافتاً إلى أن الزيارة فتحت آفاقاً أوسع لتطوير الشراكة الأردنية-الصينية بما يخدم المصالح المشتركة، إذ شارك في معرض الصين الدولي لسلاسل التوريد، وعقد لقاءات مع مسؤولين ونخبة من الشركات الصينية الرائدة، إلى جانب زيارة منطقة شيونغآن الجديدة.

ولفت أبو غزالة إلى أنّ الشراكة بين المستثمرين الصينيين وشركة البوتاس العربية الأردنية تمثل نموذجاً للشراكات الاقتصادية الناجحة بين البلدين، كما أسهمت في تعزيز الطاقة الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وترسيخ مكانة الأردن كمورد عالمي للأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي، بما يدعم سلاسل الإمداد المرتبطة بالأمن الغذائي.

وأشار إلى أن استثمارات الشركات الصينية في الأردن شهدت في السنوات الأخيرة توسعاً مطرداً في مجالات الطاقة المتجدّدة، والصناعة، والخدمات اللوجستية، ما أسهم في توفير فرص عمل، ودعم الموردين المحليين، وإدخال تقنيات إنتاج حديثة إلى السوق الأردني. وبيّن أبو غزالة أن المكانة التي وصلت إليها الصين كإحدى القوى الصناعية والتكنولوجية والتجارية في العالم، وما حققته من تطور مستمر في نموذجها التنموي، يجعلانها شريكاً مهماً للأردن في دعم مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، وتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والصناعة والتجارة.

وأوضح أن أولويات الخطة الخمسية الخامسة عشرة في الصين، المتمثلة في التصنيع المتقدم، والابتكار التكنولوجي، والتحول الرقمي، والتنمية الخضراء، تتقاطع إلى حد كبير مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، إذ تضع كلتاهما الابتكار وتطوير الصناعة والاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة في صميم مسارات النمو الاقتصادي المستدام.

وبيّن أن أهمية الشراكة الأردنية الصينية تتعزّز في ضوء ريادة الصين في عدد من القطاعات التي تمثل أولويات وطنية للأردن، وفي مقدمتها الصناعات المتقدمة، والإلكترونيات، والطاقة المتجدّدة، وتقنيات تخزين الطاقة، والتنقل الكهربائي، وأنظمة السكك الحديدية، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الزراعية، والصناعات الدوائية.

من جانبه، أكد رئيس غرفتَي صناعة عمّان والأردن فتحي الجغبير لـ"العربي الجديد"، أن الدبلوماسية الاقتصادية التي تقودها الدولة الأردنية شكّلت مظلة مهمة للقطاع الخاص الأردني، وأسهمت في فتح قنوات مباشرة مع الحكومات ومجتمعات الأعمال وكبرى الشركات والمستثمرين حول العالم، بما يعزز قدرة الأردن على بناء شراكات اقتصادية وتجارية واستثمارية طويلة الأمد.

ولفت إلى أنّ زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين غداً الاثنين تكتسب أهمية اقتصادية كبيرة، وتأتي امتداداً للجهود التي يقودها الأردن لفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد، وتعزيز علاقات الأردن مع الاقتصادات والأسواق العالمية الكبرى، وجذب الاستثمارات النوعية إلى المملكة، وفتح أسواق أوسع أمام الصادرات والمنتجات الأردنية.

وأضاف الجغبير أن الصين تكتسب أهمية خاصة باعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات والأسواق العالمية، وبما تمتلكه من قدرات استثمارية وصناعية وتكنولوجية كبيرة، ولذلك فإنّنا ننظر إلى الزيارة باعتبارها فرصة للانتقال بالعلاقات الاقتصادية الأردنية-الصينية إلى مستوى أكثر تقدماً، يقوم على زيادة التجارة والاستثمار وبناء شراكات صناعية وتكنولوجية جديدة.

وأوضح أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي يمكن أن تنتج عن الزيارة تشكل أرضية مهمة لترجمة هذا الزخم السياسي إلى تعاون اقتصادي عملي، سواء من خلال تسهيل حركة التجارة والاستثمار، أو تعزيز التعاون الصناعي والتكنولوجي، أو فتح قنوات إضافية أمام الشركات والمنتجات الأردنية للوصول إلى السوق الصينية، وفي المقابل تعريف الشركات الصينية بالفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة.

وقال الجغبير إنه من الممكن أن يشكل الأردن، بالنسبة للمستثمر الصيني، قاعدة صناعية وتصديرية تربط الصين بأسواق المنطقة والأسواق العالمية، خصوصاً في الصناعات ذات القيمة المضافة والقطاعات التي يمتلك فيها الأردن مزايا تنافسية وفرصاً للنمو، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل القيمة وزيادة المحتوى المحلي وتوفير فرص العمل.

حجم التجارة بين الأردن والصين (بالمليارات دولار)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وعلى الصعيد ذاته، أكد رئيس جمعية المصدرين الأردنيين العين أحمد الخضري، لـ"العربي الجديد"، أهمية العمل على استكمال الإجراءات المتعلقة بالبروتوكول التجاري بين الأردن والصين، بما يسهم في تسهيل دخول المنتجات الوطنية إلى السوق الصينية، ورفع حجم الصادرات الأردنية، إلى جانب تعزيز فرص استقطاب الاستثمارات الصناعية الصينية إلى الأردن.

وأوضح الخضري أن القطاع الخاص الأردني سيعمل خلال المرحلة المقبلة على البناء على نتائج الزيارة المرتقبة، من خلال تكثيف المشاركة في المعارض والمؤتمرات الاقتصادية والتجارية التي تقام في الصين، وتعريف المستوردين والمستهلكين الصينيين بالمنتجات الأردنية وقدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.

ولفت إلى أهمية مشاركة الصناعات الأردنية في معرض الاستيراد الدولي الصيني، الذي يقام سنوياً خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني، ويحظى باهتمام رسمي صيني كبير، باعتباره منصة مهمة لتعزيز الاستيراد وفتح الأسواق أمام المنتجات من مختلف دول العالم. وأكد الخضري أن جمعية المصدرين الأردنيين، وغرف الصناعة والتجارة، والمؤسسات المعنية بالتصدير، ستعمل على تعزيز حضور المنتجات الأردنية في السوق الصينية، والاستفادة من مختلف المعارض والفعاليات الاقتصادية التي تستضيفها الصين، باعتبارها بوابة مهمة للوصول إلى أسواق آسيوية وعالمية جديدة.

(الدينار = 1.41 دولار)