اقتصاد الظل الرقمي يتوسّع في ليبيا... استهلاك ضخم للكهرباء

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:15 (توقيت القدس)
المركزي الليبي يحظر العملات الرقمية (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في ظل الاضطراب النقدي والانقسام السياسي في ليبيا، ازدهر استخدام العملات الرقمية رغم حظرها القانوني، حيث توسع نشاط التعدين والتداول بسبب ضعف الإنفاذ القانوني وغياب التشريعات المكمّلة، مما أدى إلى تسجيل ليبيا نسبة 0.6% من إجمالي تعدين البتكوين عالمياً بين 2019 و2020.

- دفع تجميد الحسابات ونقص السيولة الشباب للبحث عن بدائل اقتصادية، وكانت العملات الرقمية الخيار الأسرع، رغم تسبب التعدين في ارتفاعات غير طبيعية في الأحمال الكهربائية، مما يثير قلق الشركة العامة للكهرباء.

- رغم قرارات مصرف ليبيا المركزي، لا يوجد قانون شامل ينظم الأصول الرقمية، مما خلق منطقة رمادية يستغلها العاملون في المجال، حيث يُقدر حجم التداول غير الرسمي للعملات المشفرة بما بين 1 و2 مليون دولار يومياً.

 

في بلد يعاني اضطراباً نقدياً وانقساماً مالياً وسياسياً، يزدهر استخدام العملات الرقمية في ليبيا على الرغم من حظرها القانوني وملاحقة الأنشطة المرتبطة بها، في مشهد يعكس تمدّد "اقتصاد موازٍ" يعمل خارج سلطة القطاع المصرفي.

ورغم إعلان مصرف ليبيا المركزي في عام 2018 أن العملات الرقمية "غير قانونية"، وأنه لن تُمنح أي حماية قانونية لمستخدميها أو المتعاملين بها، واعتبار أن هذه العملات تُستخدم في غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاتجار بالمخدرات والأسلحة وتزوير المستندات، توسّع نشاط التعدين والتداول في السنوات الأخيرة وسط ضعف الإنفاذ القانوني وغياب التشريعات المكمّلة.

تعدين العملات الرقمية

تكشف أحدث القضايا المحالة على القضاء حجم هذا الانتشار. فقد أقامت النيابة العامة دعوى ضد تسعة متهمين بتشغيل معدات لتعدين العملات الرقمية داخل مصنع حديد في زليتن. واعتبرت السلطات هذا النشاط "تعدّياً على منظومة الطاقة الكهربائية"، قبل أن تقضي محكمة استئناف طرابلس بسجن المتهمين ثلاث سنوات، مع إلزامهم برد المنافع المالية غير القانونية ومصادرة معدات التعدين.
وبحسب بيانات مركز جامعة كامبريدج للتمويل البديل، سجّلت ليبيا بين سبتمبر/ أيلول 2019 وإبريل/ نيسان 2020 ما متوسطه 0.6% من إجمالي تعدين البتكوين عالمياً، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بحجم الاقتصاد الليبي وتؤكد وجود شبكات تعدين واسعة تعمل خارج الرقابة.

ويقول الباحث المالي عبد الفتاح بوقصه لـ "العربي الجديد" إن "تجميد الحسابات ونقص السيولة وتعطّل الاعتمادات دفع بآلاف الشباب للبحث عن بدائل، وكانت العملات الرقمية الخيار الأسرع". ويضيف أن "الفارق الكبير بين سعر الدولار الرسمي ومعدل السوق السوداء جعل بيتكوين وسيلة لحفظ القيمة والتحويلات". ويرى أن "تكلفة التعدين في ليبيا من بين الأدنى عالمياً، فجهاز واحد يستهلك ما يعادل استهلاك منزل كامل".
وتشير تقارير دورية للشركة العامة للكهرباء إلى أن التعدين سبّبَ ارتفاعاتٍ غيرَ طبيعية بالأحمال، خصوصاً في المناطق الصناعية والزراعية. ويقول مسؤول في الكهرباء إن "مزرعة تضم 500 جهاز تعدين يمكن أن تستهلك طاقة حيّ سكني كامل".

بيئة غير مستقرة في ليبيا

وعلى الرغم من قرارات المركزي، لا يوجد في ليبيا قانون شامل ينظّم الأصول الرقمية، ما خلق منطقة رمادية يستغلها المشتغلون بالمجال. ويقول الباحث القانوني ياسين الصلابي إن "القضاء يعتمد حالياً على قوانين الجرائم الاقتصادية والإنترنت، لكن غياب قانون خاص يجعل الأحكام متفاوتة".
ويقدّر محلّلون رقميون حجم التداول غير الرسمي للعملات المشفّرة في ليبيا بما بين 1 و2 مليون دولار يومياً، تتمّ غالباً عبر وسطاء محليين أو شبكات تحويل خارج المصارف.
ويحذّر الخبير الاقتصادي محمد الرابطي من أن "البيئة غير المستقرة تجعل هذه العملات أداة لإخفاء التدفقات المالية المشبوهة، ما يعرّض ليبيا لمخاطر دولية

وعلى الرغم من الغموض الرسمي، تشير معطيات من العاملين في المجال إلى أن معامل التعدين تتوزع وفق نمط يرتبط بتوفّر الكهرباء والمساحات المفتوحة وصعوبة الرقابة. وتنتشر بشكل خاص في المناطق الصناعية، وفي مبانٍ مهجورة أو مصانع متوقّفة.

استهلاك ضخم للكهرباء

ويقول أحد العاملين في التعدين، عبد الرزاق الفيتوري (اسم مستعار) لـ "العربي الجديد": "نبحث دائماً عن أماكن فيها كهرباء مستقرة ومخازن واسعة. كثير من الأماكن تكون داخل مصانع مغلقة منذ سنوات أو مبانٍ قيد الإنشاء". ويضيف: "نستخدم أجهزة Antminer الحديثة، والجهاز الواحد ينتج ما بين 6 و10 دولارات يومياً. المشكلة الوحيدة هي الأحمال الكهربائية التي تثير الشبهات".
وفي زليتن يقول مشغّل لمعمل تعدين (فضّل عدم ذكر اسمه): "لا نرى أنفسنا مخالفين للقانون. الدولة لا توفر بدائل اقتصادية. لو كانت هناك قوانين واضحة أو رسوم محددة لالتزمنا بها، لكن المنع المطلق يدفع النشاط إلى الظل".
ويوضح لـ "العربي الجديد" أن "أكبر عمليات للتعدين ليست فردية، بل مملوكة لشركات غير معلنة ورجال أعمال. نحن مجرد مشغّلين. بعض المعامل تضم ألف جهاز وأكثر، وتستهلك طاقة تكفي منطقة كاملة".
وتؤكد تقارير شركة الكهرباء أن "أحياء كاملة انهارت فيها الأحمال بسبب عمليات التعدين الضخمة. الجهاز الواحد يستهلك ما يعادل منزلاً كاملاً... فما بالك بمزرعة فيها 800 جهاز؟".
أما المواطن الليبي طارق (رفض ذكر اسمه كاملا)، من منطقة غوط الشعال في العاصمة طرابلس، فيقول لـ "العربي الجديد": "فقدنا الثقة في البنوك، والسيولة غير موجودة، والدولار خارج متناول اليد. التعدين بالنسبة لنا كان وسيلة لحفظ رأس المال. نعرف أنه ممنوع، لكن لا توجد بدائل".

المساهمون