اقتصاد إيران على صفيح ساخن: سباق بين تدهور قيمة الريال وغلاء المعيشة

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:54 (توقيت القدس)
إيرانيون يتجهون إلى أسواق الذهب، طهران 25 سبتمبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد إيران أزمة اقتصادية حادة مع ارتفاع أسعار العملات الأجنبية والذهب، مما يزيد من المخاوف الشعبية بشأن القدرة الشرائية والمعيشة، وتزامن ذلك مع زيادة أسعار البنزين وتدخل السلطة القضائية للتحقيق في تدهور العملة الوطنية.

- يعاني المواطنون من صعوبات معيشية متزايدة، حيث أشار النائب الأول للرئيس إلى ضرورة الاعتذار للشعب، وأكد الخبير الاقتصادي محسن جندقي أن الحلول تتطلب تحفيز الصادرات وزيادة الإنتاج المحلي.

- تتفاقم معاناة الأسر الإيرانية مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات، حيث يعجز الكثيرون عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، ويطالب المسؤولون باتخاذ تدابير عاجلة لمعالجة ارتفاع الأسعار.

تشهد أسعار العملات الأجنبية في إيران، ومعها أسعار الذهب، ارتفاعاً غير مسبوق، في الوقت الذي جاءت فيه زيادةُ أسعارِ البنزين لتُفاقم المخاوفَ الشعبية بشأن تقلّص القدرة الشرائية وضيق المعيشة. هذا التزامن بين اضطراب سوق الصرف وغلاء الوقود عمّقَ الأزمةَ الاقتصادية والمعيشية في البلاد، ودفع السلطة القضائية إلى التدخل ومطالبة منظمة التفتيش العام بالتحقيق في أسباب تدهور العملة الوطنية، ومتابعة الجهات المسؤولة عن ضبط سوق الصرف وكشف أي تقصير أو مخالفة محتملة في إدارتها. وبلغ سعر الدولار، يوم الاثنين الماضي، مليوناً و270 ألف ريال، قبل أن يتراجع، الثلاثاء، قليلاً إلى نحو مليون و250 ألف ريال. فيما يتراوح سعر الصرف في السوق الحكومي بين 367,800 و700 ألف ريال.

في السياق، أشار النائب الأول للرئيس الإيراني، محمد رضا عارف، اليوم الثلاثاء، إلى الصعوبات المعيشية للمواطنين الإيرانيين، قائلاً إنّه "يجب علينا أن نعتذر للشعب لأنّنا لم نتمكن من أداء واجبنا كما ينبغي"، ومضيفاً: "أود أن أؤكد لأبناء هذا الشعب العزيز أنّ أبناءهم في الحكومة يحملون هم حل المشاكل المعيشية ويولون اهتماماً خاصاً بالفئات الضعيفة". وأعرب عن أمله وفق وكالة "إرنا" الإيرانية الحكومية، في أن تتمكن الحكومة من خلال التعاضد والوحدة والنظرة الخيّرة من تجاوز الشعور بالتقصير أمام المواطنين، وتقديم استجابة تليق بتطلّعاتهم في المعيشة والتنمية الوطنية.

وقال الخبير الاقتصادي والمالي الإيراني، محسن جندقي، لـ"العربي الجديد" إن العوامل الأساسية التي تحدد سعر الصرف وقيمة العملة الوطنية تتمثل في التوقعات التضخمية ومعدلات التضخم والاستثمارات الأجنبية والتعاملات الدولية، موضحاً أن تراجع قيمة الريال الإيراني في الآونة الأخيرة يرجع إلى مجموعة من هذه العوامل مجتمعة.

وأضاف أن البلاد ما زالت متأثرة بتداعيات الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يوماً في يونيو/ حزيران الماضي، والتطورات والتقلبات الإقليمية خلقت توقعات تضخمية طبيعية، مشيراً إلى أن معدل التضخم الحالي يقترب من 50%، وذلك في ظل انعدام شبه تام للاستثمارات الأجنبية، وارتفاع أسعار السلع بنسب تجاوزت أحياناً 100%، مؤكداً أن استمرار ارتفاع الدولار مرتبط بهذه التوقعات، وأن الحكومة إذا لم تنجح في السيطرة عليها فستواجه زيادات جديدة في الأسعار.

وأوضح جندقي أن الحكومة والبنك المركزي يمكنهما التأثير في سعر الصرف لكن بشكل مؤقت ومحدود، مشيراً إلى أن تجربة توحيد أسعار الصرف في عهد حكومة حسن روحاني (2013 - 2017) كانت "فاشلة" لأنها أدت إلى انخفاض الاحتياطات وزيادة الطلب على الدولار.

وبيّن الخبير المالي الإيراني في حديثه مع "العربي الجديد" أن تأثير السلطات في السوق يكون "آنيّاً"، وأن الحكومة تواجه صعوبة في ضبط الأسعار وتوفير العملة، لا سيما أن شركات البتروكيماويات، وهي من أهم مصادر العملة الصعبة، قللت صادراتها بسبب الفارق الكبير بين سعر السوق الرسمي وغير الرسمي وتقوم ببيع منتجاتها في الداخل.

وأضاف جندقي أن الحل الحقيقي يبدأ من تحفيز الصادرات وزيادة الإنتاج المحلي ورفع الناتج المحلي الإجمالي عبر تحسين العلاقات الدولية والدبلوماسية الاقتصادية، لافتاً إلى أن معالجة أزمة العملة تحتاج إلى إصلاحات كلية لا إلى ضخّ مؤقت للعملة في السوق الحر، إذ إن تأثير هذه الإجراءات محدود ولا يدوم.

السلطة القضائية تتدخل

في هذا السياق، طلب رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلام حسين محسني إجئي، أمس الاثنين، من رئيس هيئة التفتيش العامة أن يطرح موضوع العملة الأجنبية في اجتماع طارئ للمجلس التنسيقي للأجهزة الرقابية، وأن يُعقد اجتماع خاص لمناقشة هذه القضية.

ووفقاً لوكالة "ميزان" التابعة للسلطة القضائية، قال محسني إجئي، الاثنين، في اجتماع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، حول مسألة سعر الصرف: "خلال الأيام الأخيرة طرح بعض الناشطين الاقتصاديين في جلسات مختلفة قضايا تتعلق بسوق العملة، وفي اجتماعنا الأخير بمدينة زنجان، ادعى أحد المشاركين أنّ الوضع القائم في سوق الصرف ليس أمراً طبيعياً، بل أمراً مصطنعاً".

وأضاف محسني إيجئي أنه أوعز إلى رئيس هيئة التفتيش أن يعرض هذا الموضوع في اجتماعٍ طارئ للمجلس التنسيقي للأجهزة الرقابية، وأن يُعقد بشأنه اجتماع استثنائي يُدعى إليه أيضاً عدد من الاقتصاديين ومسؤولي البنك المركزي للاستفادة من آرائهم.

وأوضح إجئي أن البنك المركزي يتحمّل المسؤولية في هذه القضية، مؤكداً أنّه إذا ثبت وقوع تقصير أو مخالفة من قبل بعض الأفراد، فيجب الكشف عن أسمائهم، مشدداً على أن سعر العملة مرتبط ارتباطاً مباشراً بقيمة العملة الوطنية، وأن تقلبات الصرف قد تؤثر حتى في أسعار السلع والخدمات التي لا ترتبط أصلاً بالدولار أو العملات الأجنبية بصورة مباشرة.

تفاقم معاناة الأسر

في ظل الارتفاع المتسارع لأسعار السلع والخدمات في إيران، تزداد معاناة الأسر محدودة الدخل يوماً بعد يوم، فيما يعجز كثير من العاملين عن مواكبة الإيقاع الجنوني للأسعار. وبين ضجيج الأسواق وتقلّب العملة، تتجلّى مخاوف الناس من تدبير متطلّبات المعيشة.

كنّا نشتري من قبل علبتين من الجبن أسبوعياً، أمّا الآن فنشتري واحدة بالكاد. لم نعد نشتري اللبن والحليب كل يوم، وابنتي الصغيرة كانت تعشق شراب الشوكولا بالحليب، والآن لا نشتريه لها إلا في عطلة نهاية الأسبوع

قالت ناهيد مرادياني، البالغة من العمر 45 عاماً والمعلمة المقيمة في منطقة نوّاب بطهران، إنّها تعمل في مجال التدريس منذ 23 عاماً، وتتقاضى حالياً راتباً شهرياً يبلغ نحو 30 مليون تومان (نحو 250 دولاراً). وأضافت في حديث مع "العربي الجديد" أنّ "كل شيء يرتفع يومياً مع الارتفاع الجنوني في سعر الدولار"، موضحة: "كنّا نشتري من قبل علبتين من الجبن أسبوعياً، أمّا الآن فنشتري واحدة بالكاد. لم نعد نشتري اللبن والحليب كل يوم، وابنتي الصغيرة كانت تعشق شراب الشوكولا بالحليب، والآن لا نشتريه لها إلا في عطلة نهاية الأسبوع".

وأكّدت أنّ "المشكلة لا تقتصر على المواد الغذائية فقط، ففواتير الكهرباء والغاز تضاعفت، وأصبح سعر الكيلوغرام من الأرز الإيراني 350 ألف تومان (نحو 3 دولارات) بعدما كان العام الماضي 200 ألف تومان".

وقالت إلهام سادات حيدري ‌نيا، البالغة من العمر 30 عاماً، وهي موظفة في شركة خاصة وتقيم في طهران‌ بارس، شرقي العاصمة الإيرانية، إنّها تعمل من الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً، ثم تمارس عملها الثاني في المساء مترجمة مستقلّة. وأضافت "على الرغم من كل ذلك، لا أستطيع تلبية حاجات الحياة، فارتفع إيجار بيتي من 6 ملايين تومان العام الماضي إلى 13 مليوناً. صاحب المنزل يقول إنّ مصروفاته زادت، لكن راتبي أنا لم يرتفع سوى 20% غير أن الأسعار تتجاوز 100%". وتوضح لـ"العربي الجديد" أنّ "الرواتب تُراجع سنوياً، لكن الأسعار ترتفع يومياً وتكاليف النقل، ورسوم المبنى، وحتى خدمة الإنترنت أصبحت أغلى. لا شيء يبقى ثابتاً".

أما مهدي طاهروند، البالغ من العمر 38 عاماً، وهو سائق سيارة أجرة عبر تطبيق إلكتروني ويقطن إسلام‌ شهر، جنوب غربي العاصمة الإيرانية، فقال لـ"العربي الجديد" إنّ سيارته من طراز "تيبا" إيرانية الصنع، وإنّ تكلفة تغيير زيت المحرك تضاعفت خلال أشهر قليلة، بينما ارتفع سعر الإطارات من ثلاثة ملايين إلى ما بين ثمانية وتسعة ملايين تومان للزوج. وأضاف أن "أجور النقل لم ترتفع كثيراً لأنّ الناس لا تستطيع الدفع"، مشيراً إلى أن الطبقة العاملة وأصحاب المهن الحرّة يتحمّلون أكبر ضغط؛ فتكاليف السيارات أصبحت خيالية، والدخل الفعلي لا يلبي حاجات الحياة.

كما اشتكى حميد رضا‌فر، البالغ من العمر 62 عاماً، وهو موظف متقاعد يسكن في منطقة نارمك، شرق طهران، من وضعه المعيشي، قائلاً إنّه بعد ثلاثين عاماً من الخدمة في البنك يتقاضى اليوم معاشاً شهرياً يقارب 35 مليون تومان، (نحو 300 دولار) لكنّه لا يغطي نفقات معيشة أسرته المكونة من أربعة أشخاص. وأوضح لـ"العربي الجديد" أنّه يضطر كل شهر إلى الاقتراض من الأصدقاء والمعارف لسدّ حاجاته الأساسية. وأضاف: "زوجتي مصابة بالسكري، وأسعار أدويتها ارتفعت وبعضها لا يُوجد إلا في السوق الحرّ بأضعاف مضاعفة. راتبي يُنفق تقريباً على الدواء والطبيب".

التضخم في الأرقام

وكان مركز الإحصاء الإيراني قد نشر في وقتٍ سابق بيانات التضخّم للمستهلك، وجاء فيها أنّ تضخّم الشهر الإيراني السابق بلغ شهرياً 3.4%، ونقطةً بنقطة 49.4%، وسنوياً 40.4%. غير أنّ معدلات التضخّم في قطاع المواد الغذائية جاءت أعلى بكثير؛ إذ بلغ التضخم الشهري 4.7%، والنقطة إلى النقطة 66%، والسنوي 46.1%، بينما سجّلت مجموع السلع والخدمات معدلات 2.6% و41.2% و37.5% على التوالي.

وطالب نائب رئيس البرلمان الإيراني، حميد رضا حاجي بابايي، الاثنين، الحكومة باتخاذ تدابير عاجلة لمعالجة ارتفاع أسعار العملة والذهب، وغلاء السلع والمواد الأولية الحيوانية، وتقديم تقرير مفصل للبرلمان حول هذه القضايا.

من جهته، قال حبيب أسدالله‌ نجاد، المدير العام لاتحاد مزارع الدواجن اللاحمة الإيراني، لصحيفة "هم‌ميهن" الإصلاحية إنّ ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء دفع المواطنين إلى الإقبال على الدجاج الذي يعدّ سلعة بروتينية واسعة الانتشار ومنخفضة السعر نسبياً مقارنة بمصادر البروتين الأخرى. وأضاف أسدالله نجاد أنه بالرغم من التضخم خلال السنوات الأخيرة، لم يتراجع معدل استهلاك الدجاج، بل ارتفع من 24 كيلوغراماً في السنة قبل سبع سنوات إلى أكثر من 32 كيلوغراماً حالياً، مشيراً إلى أن السبب واضح، إذ إن الفارق السعري بين الدجاج وبقية البروتينات أصبح شاسعاً.

وتابع أنه بينما كان سعر اللحم الأحمر يعادل سابقاً أربعة أضعاف سعر الدجاج، تضاعف هذا الفارق اليوم، إذ يُباع الكيلوغرام من اللحم الأحمر بنحو مليون تومان (8 دولارات)، في حين يتراوح سعر الدجاج بين 150 و160 ألف تومان (1.28 دولار).

تراجع النمو الاقتصادي

ترتفع الأسعار في إيران فيما وفقاً لأحدث نتائج الحسابات القومية الفصلية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل النمو الاقتصادي في البلاد خلال النصف الأول من العام الإيراني الجاري (من 21 مارس الماضي) مع احتساب النفط 0.1%، في حين سجل انكماشاً قدره 0.5% بدون النفط. وتشير هذه الأرقام إلى أن المحرك الرئيس للاقتصاد الإيراني ما زال يعتمد على قطاع النفط، بينما شهدت القطاعات غير النفطية تراجعاً عاماً في أدائها.

وأوضح المركز أن قطاع الزراعة سجل في النصف الأول من العام انكماشاً نسبته 0.3%، إذ شهدت الأنشطة الفرعية مثل الزراعة والبستنة وتربية المواشي وصيد الأسماك اتجاهاً تنازلياً. أما قطاع الصناعة والتعدين فحقق نمواً قدره 0.3%، غير أن أداءه الداخلي جاء غير متوازن، إذ بلغ نمو استخراج النفط والغاز الطبيعي 1.8%، وسائر أنشطة التعدين 2.5%، في حين تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 1.1%، وتوزيع الغاز الطبيعي 1.4%، وإمدادات المياه والكهرباء 8.4%، وقطاع البناء 0.8ـ%. وسجل قطاع الخدمات نمواً بنسبة 0.5%، وهو ما يمثل تحسّناً مقارنة بالعام السابق. ويشمل هذا القطاع مجالات التجارة بالجملة والتجزئة، والنقل، والاتصالات، والأنشطة المالية، والعقارات، والتعليم، والصحة، وسائر الخدمات العامة.

المساهمون