اقتصاد إيران أمام ضربة موجعة بعد قطع الإمارات تجارتها
يواجه اقتصاد إيران ضربة اقتصادية جديدة قد تكون أكثر إيلاماً من بعض العقوبات الغربية، بعدما أعلنت الإمارات وقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع الجمهورية الإسلامية، مهددة بذلك أحد أهم شرايين الاقتصاد الإيراني في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأميركية وتزداد تداعيات الحرب على حركة التجارة والملاحة. ويمثل القرار الإماراتي، حسب بلومبيرغ، تطوراً بالغ الحساسية لطهران، إذ لطالما شكلت الإمارات، وخصوصاً دبي، مركزاً رئيسياً للتجارة والتمويل بالنسبة إلى الإيرانيين، فيما أصبحت خلال السنوات الأخيرة أكبر شريك تجاري لإيران مع تدفق مليارات الدولارات من السلع عبر موانئها وأسواقها وشبكاتها التجارية.
وجاء الإعلان الإماراتي بعد ساعات من تلقي سكان دبي، مساء الثلاثاء، تحذيراً من خطر صاروخي، قالت وزارة الدفاع الإماراتية لاحقاً إنه نجم عن إطلاق صاروخين باليستيين من إيران باتجاه حركة الملاحة البحرية، فيما نفت طهران مسؤوليتها عن الهجوم. وبعد ساعات، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية وقف جميع التعاملات التجارية والمالية مع إيران، من دون أن تربط القرار صراحة بالهجوم الصاروخي، لكنها أشارت إلى أن "التصعيدات التي تقوض السلام والأمن الإقليمي والدولي" دفعت أبوظبي إلى اتخاذ هذه الخطوة.
ويحمل القرار مخاطر كبيرة على اقتصاد إيران، ليس فقط بسبب حجم التجارة المباشرة بين البلدين، وإنما لأن الشركات الإيرانية بنت على مدى عقود شبكات واسعة من العلاقات التجارية والمالية في الإمارات. ونسبت الوكالة إلى مؤسس ورئيس شركة "آرا إنتربرايز" الاستشارية في طهران سايروس رزاقي قوله إن الحظر التجاري الإماراتي قد يكون أكثر فاعلية وأشد ضرراً للاقتصاد الإيراني من العقوبات الأميركية والأوروبية.
وتأتي الخطوة الإماراتية فيما يواجه اقتصاد إيران ضغوطاً اقتصادية متزايدة منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط، بعدما استهدفت طهران حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، وكانت الإمارات في مقدمة الدول التي تعرضت لهجمات، ما تسبب في أضرار واسعة وهدد مكانة دبي التي تعتبر مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً. وكان البلدان قد سعيا خلال الأشهر الماضية إلى خفض مستوى التوتر، بما في ذلك عقد اجتماع بين مسؤولين أمنيين في يونيو/حزيران، إلا أن التصعيد الأخير يبدو أنه دفع أبوظبي إلى إعادة حساباتها بشأن استمرار العلاقات الاقتصادية مع طهران.
وقال الأكاديمي والمعلق السياسي المقيم في دبي عبد الخالق عبد الله إن الهجوم الأخير شكل خرقاً لأي تفاهمات سابقة، مضيفاً أن الإمارات تقول لطهران "كفى"، وأنها لم تعد بحاجة إلى التجارة أو تبادل الأموال معها. ويأتي القرار الإماراتي في وقت أعلنت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تحول في تركيزها من الضربات العسكرية إلى فرض أكبر قدر ممكن من الضغوط المالية على اقتصاد إيران المضغوط، فيما وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الأسبوع الماضي، إن واشنطن ستفرض على طهران ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة.
وتفرض الولايات المتحدة بالفعل قيوداً مشددة على حركة التجارة الإيرانية، فيما أدى الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية في الخليج وبحر عُمان إلى تعقيد صادرات النفط واستيراد السلع، وهما عنصران أساسيان للاقتصاد الإيراني. وتأتي هذه التطورات بينما تعاني البلاد من أزمة اقتصادية مزمنة تترافق مع ارتفاع التضخم واتساع رقعة الفقر. وتعد إيران من أكثر دول العالم تعرضاً للعقوبات، إذ تخضع منذ سنوات لآلاف العقوبات الأميركية التي عزلتها فعلياً عن النظام المصرفي الدولي وأجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي. ومع وقف التعاملات المالية والتجارية مع الإمارات، تواجه طهران احتمال فقدان منفذ بالغ الأهمية إلى الأسواق العالمية وشبكات التمويل والتجارة.
ولا تزال التداعيات الفعلية للقرار الإماراتي على حجم التجارة بين البلدين غير واضحة، خصوصاً بعدما أدى اندلاع الحرب والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى اضطراب حركة الشحن في أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة والسلع في العالم. وكانت وكالة "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية، المقربة من الحرس الثوري، قد نشرت في مايو/أيار تقريراً عن العلاقات التجارية مع الإمارات، حذرت فيه من أن اعتماد إيران على الإمارات في تأمين الواردات يمثل "خطراً على الأمن الاقتصادي والغذائي".
وبينما تبدو الخطوة الإماراتية ضربة مباشرة لشبكات التجارة الإيرانية، فإن الجغرافية تفرض في الوقت ذاته على دول الخليج وإيران البحث في نهاية المطاف عن صيغة عملية للتعامل، نظراً إلى الترابط الاقتصادي والجغرافي بين ضفتي الخليج. وحسب الوكالة، يرى الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية آرون ديفيد ميلر أن دول الخليج ستضطر في نهاية المطاف إلى إيجاد طريقة عملية للمضي قدماً، في إشارة إلى صعوبة الفصل الكامل والدائم بين اقتصاديات المنطقة رغم التصعيد السياسي والعسكري.