اشترِ الآن وادفع لاحقاً... متعة فورية ثم رواتب تتآكل

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 20:21 (توقيت القدس)
إنفاق الدول العربية في خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" عام 2024 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" (BNPL) تقدم تسهيلات مالية بتقسيط المشتريات، مما قد يؤدي إلى تراكم الديون عند تكرار استخدامها. في قطر، بدأت الخدمة مع "باي ليتر" بالتعاون مع بنوك محلية، مع فرض غرامات على التأخير.

- في الإمارات، انتشرت خدمات BNPL عبر شركات مثل "بوست باي" و"تابي"، حيث بلغت قيمة المدفوعات 2.84 مليار دولار في 2025، مع مخاوف من تأثير التأخر في السداد على السجل الائتماني.

- في السعودية ومصر، توسعت خدمات BNPL بشكل ملحوظ، مع توقعات بإنفاق 1.48 مليار دولار في السعودية و1.67 مليار دولار في مصر بحلول 2025، وسط انتقادات لتأثيرها السلبي على المستهلكين.

"اشترِ الآن وادفع لاحقاً" (BNPL) خدمة تقسيط قصيرة تجزئ ثمن الهاتف أو تذكرة الحفل أو أثاث البيت إلى أربع دفعات صغيرة، فتبدو الكلفة أخف من حقيقتها، لكن حين تتكرر التجربة عبر تطبيقات مختلفة، يتحول التقويم إلى سلسلة استحقاقات متقاربة ومتعبة للحساب البنكي.

قد يكون الدافع في البداية توزيع الكلفة والقدرة على الشراء أصلاً، وما إن تتزاحم خطط دفع قصيرة على دخل محدود، يتأخر سداد الرسوم في موعدها وتظهر المخاطر، فتلك الراحة المؤقتة في الدفع التي كانت هدفاً للترويح عن الراتب تحولت إلى سجل ائتماني مقلق، وعواقبه وخيمة.

قطر

في قطر، بدأت القصة يوم 27 مارس/آذار 2025 حين منح مصرف قطر المركزي أول رخصة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" لشركة "باي ليتر" (PayLater)، وهي شركة تقنية مالية قطرية للدفع اللاحق، ثم أعلن مصرف قطر الإسلامي شراكة معها في 31 يوليو/تموز 2025. وفي 3 أغسطس/ آب وُقِّعَت اتفاقية استراتيجية مع مصرف الريان.
وأعلنت "باي ليتر" أن حدها الائتماني يبدأ من 200 ريال، ويمكن أن يصل إلى 25,000 ريال، ومع استمرار العميل في سداد الدفعات في المواعيد المحددة، سيزداد الحد الائتماني الخاص به تدريجياً بمرور الوقت، لكن عند التأخر في السداد سيترتب على العميل غرامة قدرها 50 ريالاً (13.7 دولاراً) مع التنبيه إلى أن التعثر قد يؤثر في السجل الائتماني.
على الأرض، يظهر في مجموعة "r/Qatar" على منصة ريديت جدل عملي حول الحدود المنخفضة وسلاسة التشغيل، فكتب أحد المستخدمين الذي رمز إلى اسمه بـ"Tay": "سأحذف حسابي، حد الإنفاق أصبح 200 ريال، ما جدواه؟"، ويعلّق "wiqas": "الحد الأدنى للشراء 300 ريال من متاجر لولو وحدِّي 200 ريال، ماذا أشتري إذن؟"، بينما أشار المستخدم "Gloomy" إلى مشكلة عدم وصول رمز OTP (رمز المرور) لبدء الاستخدام، فيما سخر "TojiLemon" من "200 ريال تُقسط 4 أشهر، غير منطقي".
لكن القصة ليست هنا، بل تكمن في أولئك الذين استسهلوا العملية، شراء هاتف بقسط شهري 1620 ريالاً (444 دولاراً) لمدة أربعة أشهر، ثم تغيير بعض أثاث البيت بقسط يصل إلى 1300 ريال (356 دولاراً)، وقبل نهاية الشهر يضيف إليها قسط رحلة إلى بانكوك للراحة بعد عام متعب، بقسط يفوق 2000 ريال (548 دولاراً)، مع تجديد اشتراك في باقة تلفزيونية بـ 325 ريالاً (90 دولاراً)، وفي نهاية الشهر يجد نصف الراتب تبخّر والعوَض بعد نهاية الشهر الرابع. إنه القرض الذي يراه سهلاً في أول العملية ومتعباً في آخر الشهر. والرابح في الأخير هو التاجر، فبيانات شركة "باي ليتر" في موقعها الرسمي تشير إلى أن الباعة الذين انضموا إلى برنامج الشركة حققوا نمواً بـ33% مع تسجيل ارتفاع يصل إلى 40% في معدلات الشراء المتكرر.

 

الصورة
 خدمة "اشتر الآن وادفع لاحقا" لغاية فبراير 2025  في الدول العربية (العربي الجديد)
خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" لغاية فبراير 2025 في الدول العربية (العربي الجديد)

الإمارات

في الإمارات، تسلسل ظهور مزوّدي خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" على النحو الآتي: "بوست باي" (شركة تقنية مالية للدفع بالتقسيط) ظهرت في السوق عام 2019، ثم "تابي" (Tabby) الشركة التقنية المالية للدفع بالتقسيط تأسست في دبي عام 2019 وبرزت إقليمياً منذ 2020. وأخيراً "كاشو" (شركة تقنية مالية للدفع بالتقسيط تعمل في الإمارات والسعودية) التي أعلنت انطلاقها في سبتمبر/ أيلول 2020، وحسب "باي إن إكس تي 360" (شركة أبحاث واستشارات استراتيجية تقدم معلومات استخباراتية عن البطاقات المدفوعة مسبقاً والمحافظ الإلكترونية واتجاهات الدفع المبتكرة الناشئة) في تقريرها الصادر بتاريخ 27 أغسطس/ آب 2024، فإن قيمة مدفوعات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" في الإمارات بلغت نحو 2.45 مليار دولار في 2024، على أن ترتفع بحسب تحديث للتقرير نفسه الصادر في 20 فبراير/ شباط 2025 إلى 2.84 مليار دولار في 2025.
كذلك أظهرت جداول "باي إن إكس تي 360" انتشار الخدمة في فئات الموضة والإلكترونيات والجمال والمنتجات المنزلية وغيرها. أما على صعيد الانتشار بين المتاجر والمستخدمين، فقد أظهر تقرير Store Leads (منصة بيانات التجارة الإلكترونية) الصادر في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 أن "تابي" مثبّتة على 2668 متجراً إلكترونياً داخل الإمارات، بينما "بوست باي" مثبّتة على 113 متجراً. وبخصوص الرسوم عند التعثر في السداد، تفرض "تابي" رسوم تحصيل تطبق عند التأخر، بينما تنص شروط "كاشو" على رسـم شهري 2%، وبحد أدنى 20 درهماً على المبالغ المتأخرة.
وعلى مستوى النقاشات المحلية، في منصة ريديت، كتب مستخدم باسم "System_4591" في مجموعة "r/dubai" عن متأخرات قدرها 2100 درهم (572 دولاراً)، فوصله الإشعار من شركة التحصيل "التزام"، فسأل عن احتمال صدور "منع من السفر في حقه"، ورد عليه "Ill-Government" بأن الأمر مُستبعد ما دام المبلغ صغيراً، لكن حذّره من حفض درجته الائتمانية، ما يعني وضعه في القائمة السوداء مستقبلاً، إن أراد قرضاً في مجال آخر.

السعودية

في السعودية منح البنك المركزي السعودي في 25 يوليو/ تموز 2023 تصريحاً لـ"تابي" لمزاولة نشاط المدفوعات المؤجّلة، وفي 3 مارس/ آذار 2025 رخص المركزي لشركة تمارا (Tamara) الشركة المالية السعودية للتمويل الاستهلاكي بالرياض لتقديم التمويل الاستهلاكي وخدمات. ورغم أن تابي أعلنت في 16 ديسمبر/كانون الأول 2023 إلغاء رسوم التأخير والتحصيل في السعودية على الخدمة، إلا أن صفحات المساندة أشارت إلى أن تكرار التأخر قد يؤثر سلباً في درجة الائتمان، فيما نقلت "تمارا" أن التأخر المتكرر في السداد يحدّ من الأهلية لمنتجات تمويلية أخرى. أما "سمة" الحساب الرسمي للشركة السعودية للمعلومات الائتمانية، فحذّرت عبر حسابها في منصة إكس من أن التأخر عن سداد المستحقات لأكثر من 30 يوماً سيُظهر العميل متأخراً، وإذا تجاوز 180 يوماً دون سداد مبلغ يتجاوز 500 ريال (134 دولاراً)، سيظهر ضمن قسم المنتجات المتعثرة. وعند السداد ستُغيَّر حالة التعثر إلى مدفوع جزئي أو مدفوع كامل حسب الحالة.

وقدرت تقارير research and markets (شركة أبحاث السوق) و"باي إن إكس تي 360" أن إنفاق "ادفع لاحقاً" في السعودية يصل إلى 1.48 مليار دولار في 2025 بنمو سنوي يقدَّر بـ13.5%.

وداخل مجموعة r/saudiarabia على منصة ريديت حذرت تعليقات مثل "AB-X" من أثر التعثر، قائلة: "لا سجن… لكن الحكم قد يقتطع مباشرة وسيؤثر في سجلك الائتماني"، ويضيف "kiyoshimfs": "القائمة السوداء قد تعطل قروض المستقبل"، فيما يشرح "btw" أن "التأخر يزيد المخاطر".

على منصة إكس أشار عبد الله الخميس، مؤسس أكاديمية نمو المختصة في الأسهم والاستثمار، إلى أنه بسبب خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" زاد متوسط قيمة الطلبات 40% لدى محلات إيكيا، ومعظمها من النساء، وانخفض معدل الاسترجاع 18%. وأشار إلى أن "تمارا" تقدم خدمات عبر 1642 متجراً، بينما تابي عبر 1936 متجراً، ويتقاضون رسوماً ما بين 5 و13%.

مصر

في مصر بدأ الانتشار مبكراً عبر فاليو (valU)، الشركة التقنية المالية للتمويل الاستهلاكي، وهي تابعة لـ"إي إف جي هولدينغ"، ثم ظهرت شاهري (Shahry)، الشركة التقنية المالية للإقراض الرقمي في 2020، وتلتها "سِمْبل" (Sympl) بإطلاقها في أكتوبر/ تشرين الأول 2021.

وعلى مستوى الإنفاق، أشار تقرير Research and Markets الصادر في فبراير/شباط الماضي أن قيمة مدفوعات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" في مصر ستبلغ نحو 1.67 مليار دولار في 2025، مع نمو سنوي قوي يُواصل الدفع حتى 2030. أما على المشهد التنافسي، فيضم اليوم ما لا يقلّ عن ثمانية مزوّدين محليين نشطين بين حلول "ادفع لاحقاً" عند نقاط البيع أو داخل التطبيقات.

وتفيد بيانات الشركات بأن "فاليو" وصلت إلى نحو 800 ألف عميل نشط بحلول يونيو/حزيران 2025، مع أكثر من 9.2 ملايين معاملة، بمعدل نحو 16 ألف معاملة يومياً في الربع الأول 2025. كذلك تشير إفصاحات الأم إلى حصة سوقية تقارب 25% في سوق التمويل الاستهلاكي. أما "لاكي"، فتذكر أن لديها أكثر من 8 ملايين مستخدم، وتوفّر ضمن خدماتها خيار "ادفع لاحقاً".

الصورة
أكبر شركات "اشتر الآن وادفع لاحقا" في العالم (العربي الجديد)
أكبر شركات "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" في العالم (العربي الجديد)

وتوقع الرئيس التنفيذي لشركة "فاليو"، وليد حسونة، في حديثه لوسائل إعلام محلية، أن يتجاوز عدد عملاء شركته حاجز المليون عميل بنهاية العام الجاري، مشيراً إلى أن حجم تمويلات الشركة بلغ نحو 15 مليار جنيه (315.35 مليون دولار) خلال عام 2024، موضحاً أن "فاليو" تستهدف تحقيق نمو بنسبة 50% في حجم التمويلات خلال العام الحالي.
لكن هذا النمو لم يكن في منأى عن الشكاوى من "الورطة"، فتكدّس الأقساط يؤرق المواطن الذي وجد نفسه رهينة غريزته الاستهلاكية. ففي مجموعة "r/PersonalFinanceEgypt" على منصة ريديت، كتب مستخدم "رسوم القسط 45% سنوياً… وغرامة تأخير 8%… هل أصلاً أستفيد من فاليو؟". كذلك يناقش مستخدمون الفرق بين "التقسيط بلا فوائد" وغرامات التأخير التي تجعل العقد مكلفاً عند التعثّر.
وفي منصة إكس حذر ماجد عبيدو من التورط في الخدمة، وكتب منبهاً: "إياك ثم إياك أن تستخدم أنظمة اشترِ الآن وادفع لاحقاً... لن يكون معك أموال لاحقاً، لهذا لا تورط نفسك الآن". هذه الأصوات تُظهر جانب المخاطر السلوكية حتى مع عروض "صفر فوائد".

في العالم

خارج العالم العربي، وبحسب استطلاع "ليندينغ ثري" الأميركية (سوق اقتراض إلكتروني) الذي أُجري عبر الإنترنت داخل الولايات المتحدة يومي 2 و3 إبريل/ نيسان 2025 على عيّنة وطنية من 2000 بالغ تراوح أعمارهم بين 18 و79 عاماً، ونشر في 10 سبتمبر/ أيلول الماضي، فإن 50% من الأميركيين فكروا في الحصول على قرض "اشترِ الآن وأدفع لاحقاً"، خلال الأشهر الستة القادمة، بزيادة قدرها 5% عن يوليو/تموز، مسجلة أعلى نسبة شهرية منذ أن بدأت الشركة استطلاعاتها في ديسمبر/ كانون الأول 2021. بالإضافة إلى ذلك، أفاد 41% من مستخدمي قروض "ادفع لاحقاً" الحاليين بتأخرهم في السداد في وقت ما خلال العام الماضي، مقابل 34% في الفترة نفسها من العام الماضي.

وأفادت "وورلدباي" عن تقرير المدفوعات العالمي 2025، بأن الدول الأكثر انتشاراً نسبياً لاستخدام "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" داخل التجارة الإلكترونية، تبقى دول الشمال وألمانيا وأستراليا، بينما تتصدر الولايات المتحدة "قيمة الإنفاق" بنحو 122.26 مليار دولار حسب تقارير "تاردينغ فيو" (Tarding View) الصادرة في فبراير/ شباط 2025، تليها أسواق كبيرة مثل ألمانيا (69.55 مليار دولار لغاية فبراير 2025) والمملكة المتحدة (38.47 مليار دولار).

الصورة
خدمة "اشتر الآن وادفع لاحقا" لغاية فبراير 2025 في العالم (العربي الجديد)
خدمة "اشترِ الآن وادفع لاحقاً" لغاية فبراير 2025 في العالم (العربي الجديد)

وأشار تقرير "الرفاه الاقتصادي للأسر 2024" الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي (الهيئة الإدارية الرئيسية لنظام الاحتياطي الفيدرالي) الصادر في مايو/ أيار 2025، إلى أن استخدام الخدمة وصل إلى 15% من البالغين، وسجل تأخر 24% من المستخدمين عن سداد قسط واحد على الأقل، و57% ممن تأخروا فرضت عليهم رسوم تأخير. هذه الأرقام وضعت إطاراً لجدل يومي حول الجدوى والكلفة والحقوق.

النهاية التعيسة

هكذا تبدأ الحكاية دائماً، ببساطة خادعة وراحة تُغري أكثر مما تطمئن. في لحظة من السكون، حين يخدر الإعلان الحواس ويلهب الرغبة، يمد المستهلك يده نحو الشراء الآني، مطمئناً إلى فكرة التقسيط، كمن يوقع هدنة مؤقتة مع الواقع. لا يفكر في محفظته، ولا في الغد، بل في تلك اللحظة التي تصله فيها السلعة سريعة، لامعة، تشعره بأنه امتلك العالم بثمن مؤجل.
ثم تمضي الأيام. تتراكم الأقساط كما تتراكم الهموم الصغيرة في زوايا الشهر، حتى يصبح الراتب ضيفاً عابراً لا يلبث أن يقتطع منه ما يقتطع، فيغدو الرجل أسيراً لراحة اشتراها بثمن قلق دائم. عندها فقط، حين يرنّ إشعار البنك كجرس إنذار متأخر، يدرك أن زمن الراحة انتهى، وأن وقت الحساب قد بدأ، ولا مناص من الدفع.

المساهمون