استرضاء الحلفاء الأعداء: تركيا تجدّد عقدَي الغاز الروسي وتتوسع أميركياً
استمع إلى الملخص
- تعمل تركيا على تقليل اعتمادها على الغاز الروسي بتوقيع صفقات مع شركات دولية، وتخطط لتعزيز قدراتها التخزينية بوحدات عائمة لنقل الغاز إلى بلغاريا وجنوب شرق أوروبا.
- تسعى تركيا لتعزيز قدراتها النووية بالتعاون مع شركات دولية، وتخطط لدعوة مستثمرين ماليين للمشاركة في مشاريع الطاقة النووية.
حسمت تركيا التكهنات، وجدّدت عقدَي الغاز مع روسيا، بعد تحليلات طالت أسابيع حول إمكانية انسحاب تركيا من الشراكة الطاقوية مع روسيا، حفزتها العقوبات الأميركية الصارمة ضد موسكو ونفطها. حاولت أنقرة موازنة الضغوط الأميركية بالحاجة إلى الغاز الروسي زهيد الثمن، عبر الإعلان عن مشاريع استيرادية وإنتاجية واسعة مع الولايات المتحدة.
وفي التفاصيل، أعلن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار، أنّ بلاده أكملت إجراءات تمديد عقدَين لاستيراد الغاز من روسيا بإجمالي 22 مليار متر مكعب وتدرس الاستثمار في إنتاج الغاز الأميركي، وسط مساعيها لتنويع مصادر الطاقة. ومن المقرر أن ينتهي أجل عقدي الاستيراد مع "غازبروم" التي تتعرض لعقوبات أميركية قاسية، في نهاية العام. وتعمل تركيا، وهي آخر سوق رئيسية للغاز الطبيعي الروسي في أوروبا، على خفض حصة الغاز الروسي في مزيج الغاز لديها بشكل مطرد والتي تقل حاليا عن 40%.
وقال بيرقدار في مؤتمر صحافي، عقد أول من أمس الأربعاء، وسُمح بنشر أخبار عنه أمس الخميس، إنّ "شركة بوتاش وضعت اللمسات النهائية على العقد" مع روسيا، في إشارة إلى شركة استيراد الغاز الحكومية التركية. وأضاف: "سيستمر التوريد من غازبروم العام المقبل. لكننا نركز على الأمد القصير، مثل عام واحد".
في غضون ذلك، وقّعت تركيا عدداً من الصفقات طويلة الأمد لشراء الغاز الطبيعي المسال، وجزء كبير منه من الولايات المتحدة، مستفيدة من الوفرة العالمية المتوقعة لهذا المنتج خلال السنوات القليلة المقبلة. وكشف بيرقدار عن مباحثات تجري حالياً، بين شركتي شيفرون (Chevron) وإكسون موبيل (Exxon Mobil) وشركات أميركية كبرى أخرى للاستحواذ على حصص في أصول إنتاجية بمرحلة المنبع، كجزء من خطة أنقرة للتوسع انطلاقاً من اعتمادها المتزايد على الغاز الطبيعي المسال وتسريع عملية إعادة هيكلة شاملة لمحفظتها من الطاقة التي ارتكزت حتى الآن على الغاز الطبيعي المسال الأميركي. ولفت خلال قمة الغاز الطبيعي المسال العالمية في إسطنبول، الأربعاء، إلى أنّ "الإعلان قد يصدر في وقت مبكر من الشهر المقبل".
ومن المتوقع استقبال تركيا نحو 1500 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الأعوام العشرة إلى الخمسة عشر المقبلة، على أن يرتبط معظمها بتسعير مركز "هنري هَب" الأميركي.
وكانت شركة الغاز التركية المملوكة للدولة "بوتاش" قد وقعت بعد زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان البيت الأبيض في أكتوبر الماضي، اتفاقاً مدته 20 عاماً لاستيراد الغاز الطبيعي المسال مع شركة التجارة السويسرية "ميركوريا إنرجي غروب" ليبدأ توريد نحو 4 مليارات متر مكعب سنوياً، اعتباراً من مطلع عام 2026، ما يمثل نحو 8% من إجمالي الطلب السنوي على الغاز في تركيا.
ونقلت وكالة بلومبيرغ أنّ تركيا، في الوقت الذي تسعى من خلاله لضمان الحصول على الوقود اللازم لتشغيل اقتصادها المتعطش للطاقة والبالغة قيمته 1.4 تريليون دولار، وتنويع مصادر الإمدادات بعيداً عن روسيا وأذربيجان، توقع صفقات مع شركات من بينها "ميركوريا إنرجي غروب" و"وودسايد إنرجي غروب" لتوريد الغاز الطبيعي المسال، يأتي معظمه من منشآت داخل الولايات المتحدة.
ويؤكد اقتصاديون أتراك أن تنامي العلاقات والاستثمار بقطاع الطاقة مع الولايات المتحدة لن ينسف علاقات تركيا مع شركائها التقليديين، خاصة روسيا، إذ يؤكد الاقتصادي التركي، أوزجان أويصال أن بلاده تحاول تنويع مصادر الطاقة، من دون أن تستغني عن الغاز والنفط الروسيين، وذلك لاعتبارين، الأول أنها تحصل عليهما من روسيا بأسعار تفضيلية والثاني حرص بلاده على العلاقات مع روسيا التي تسعى، بالوقت نفسه، لزيادة التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار.
ويضيف الاقتصادي التركي خلال حديث سابق لـ"العربي الجديد"، أن العقد مع الولايات المتحدة عبر الشركة السويسرية "ميركوريا إنجي غروب" سيبدأ مطلع العام المقبل ولمدة 20 سنة، وهو أمر مستقل عن الاستيراد من روسيا، كما وهو الأهم، لا تزيد كمية الغاز التي ستستوردها شركة "بوتاش" عن 4 مليارات متر مكعب من الغاز المسال، وهي كمية قليلة نظراً للاستهلاك التركي ولا تغطي أكثر من 8% من الاستهلاك المحلي. ويلفت الاقتصادي التركي إلى أن أنقرة تسعى على الدوام لتنويع مصادر الطاقة "إضافة للإنتاج المحلي الواعد الذي سيبدأ إدخاله بالاستهلاك تدريجياً"، مشيراً إلى العقد الذي وقعته شركة "بوتاش" مع شركة "وود إنرجي غروب" بدءاً من عام 2030 لاستيراد 5.8 مليارات متر مكعب سنوياً على مدى تسع سنوات.
وخلال هذا الأسبوع، وقّعت تركيا عقوداً تمتد لعشر سنوات مع شركتي "إيني" و "سي إي إف إي" الألمانية. وزادت كمية الغاز الطبيعي المسال الذي استوردته تركيا، عام 2025 لتصل إلى 5.2 ملايين طن في حين لم تزد الكمية العام الماضي عن 3.98 ملايين طن، ما يرجح، بحسب مراقبين، سعي تركيا لتحقيق الأرباح وتوريد الغاز للدول الأوروبية تحولها لمركز توزيع طاقة إقليمي. وتجري أنقرة حالياً محادثات منفصلة مع شركة كوريا للطاقة الكهربائية "كيبكو" وكذلك شركة أتكينز ريليس الكندية بشأن المحطتين النوويتين لإنتاج الطاقة في البلاد.
وقال بيرقدار إن شركة وستنغهاوس، ومقرها الولايات المتحدة، عبرت عن اهتمامها بالمشاركة في المحطة النووية الثانية إلى جانب شركة كيبكو الكورية الجنوبية. وذكر بيرقدار أنّ "وستنغهاوس قد تكون جزءاً من الخطة"، مضيفاً أن تركيا تدرس دعوة بعض المستثمرين الماليين إلى المشروع خلال الأشهر القليلة المقبلة، بما في ذلك مؤسسة الإمارات للطاقة النووية.
وتابع أن تركيا تتوسط أيضاً للمساعدة في الإفراج عن ملياري دولار من الأموال الروسية "العالقة" لدى بنك جيه.بي مورغان والتي ستُستخدم لاستكمال محطة أكويو للطاقة النووية التي أنشأتها شركة روس آتوم الروسية على الساحل الجنوبي لتركيا.
وحول الطاقة التخزينية بتركيا وقدرتها على استيعاب الغاز الجديد، يشير الوزير التركي إلى أن بلاده تعتزم إضافة وحدتين عائمتين للتخزين وإعادة التحويل إلى غاز، ما يرفع إجمالي الوحدات إلى خمس. كما تخطط لإرسال إحدى هذه الوحدات إلى مصر خلال أشهر الصيف لتغطية الفجوة الموسمية في احتياجات القاهرة من الغاز. إلى جانب إمكانية مضاعفة القدرة السنوية لنقل الغاز من تركيا إلى بلغاريا لتصل إلى ما بين 7 و10 مليارات متر مكعب، بشرط تنفيذ تحسينات بسيطة من الجانب البلغاري، الأمر الذي قد يفتح المجال أمام ضخ كميات إضافية إلى دول جنوب شرق أوروبا، وربما إلى أوكرانيا كذلك.