استئناف الطيران المباشر بين موسكو ودمشق.. إشارة اقتصادية تتجاوز رمزية الحدث

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:54 (توقيت القدس)
مطار دوموديدوفو في روسيا، موسكو، 31 مارس 2025 (العربي الجديد)

بعد انقطاع دام نحو عام ونصف عام، استقبل مطار شيريميتيفو الدولي في موسكو، أمس الأحد، أول رحلة لشركة الخطوط الجوية السورية قادمة من دمشق، في خطوة وصفتها وزارة النقل الروسية بأنها تجعل سورية الدولة رقم 37 التي ترتبط مع روسيا برحلات جوية مباشرة.

وكانت وكالة النقل الجوي الفيدرالية الروسية "روسأفياتسيا" قد منحت الشركة السورية إذناً بتسيير رحلات منتظمة بين دمشق وموسكو بواقع رحلة واحدة أسبوعياً يوم الأحد، على متن طائرات من طراز "إيرباص A320"، إذ تصل الرحلة إلى موسكو في الساعة السابعة صباحاً وتغادر عائدة إلى دمشق في الساعة 8:10 صباحاً.

وفي دمشق، رأت السفارة الروسية أن استئناف الرحلات سيفتح فرصاً جديدة أمام التواصل بين رجال الأعمال والأوساط العلمية والثقافية في البلدين.

لكن خلف هذا الحدث اللوجستي، يرى مراقبون أن الخطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية أوسع. في هذا السياق، قال مدير برامج في المجلس الروسي للشؤون الدولية إيفان بوتشاروف لـ"العربي الجديد" إن "استئناف الطيران المباشر بين موسكو ودمشق له أبعاد عدة في آن واحد، سياسية ورمزية وعملية".

وأوضح أن هذا التطور يمثل أولاً إشارة إلى عودة تدريجية للاستقرار في سورية، واستعداد روسيا لمواصلة التعامل مع الدولة السورية في ظل ظروف سياسية جديدة.

وأضاف بوتشاروف: "يمكن اعتبار استئناف الطيران خطوة إضافية نحو بناء علاقات عمل مع السلطات الجديدة، تعبر موسكو من خلالها عن أن سورية تحتفظ بأهميتها الاستراتيجية بصرف النظر عن السلطة السياسية الموجودة في دمشق".

أما البعد العملي، فيتمثل، بحسب الخبير، في أن "الرحلات المباشرة تبسط التواصل بين دوائر الأعمال الروسية والسورية والمجتمعات العلمية". وقال: "على الرغم من استمرار المشكلات الأمنية والقيود الاقتصادية، فإن اهتمام الشركات الروسية بالعمل في سورية لم يتراجع. والآن أصبح تنظيم الرحلات والاتصالات التجارية أسهل".

وشدد بوتشاروف على أن "المنافسة الاقتصادية على سورية لم تبدأ بعد تغير السلطة في دمشق، بل كانت قائمة قبل ذلك، غير أنها انتقلت إلى مرحلة جديدة بعد وصول أحمد الشرع إلى الحكم، إذ تغيرت خريطة المصالح والإمكانات". وأوضح  أن "تركيا عززت مواقعها بشكل كبير، بما في ذلك في المجال الاقتصادي، بينما فقدت إيران قدراتها السابقة".

ولفت إلى أن المنافسة المقبلة ستتمحور حول المشاركة في إعادة إعمار البلاد، إذ "تحتاج سورية إلى موارد مالية واستثمارات ضخمة لترميم البنية التحتية المدنية والطاقة والنقل وغيرها من القطاعات الحيوية"، إضافة إلى استمرار الحاجة إلى المنتجات الزراعية والمواد الغذائية والمعدات والسلع الأخرى".

وفي السياق، يرى الخبير أن "استئناف الطيران المباشر لا ينبغي المبالغة في تقديره، لكن يمكن اعتباره إشارة صغيرة وملموسة إلى أن روسيا لا تنسحب من حلبة التنافس الاقتصادي على سورية، بل تحتفظ برغبتها في لعب دور اقتصادي معين والمشاركة في مشاريع واعدة والدفاع عن مصالحها".

وحول تأثير هذه الخطوة على علاقات روسيا بدول المنطقة أو على استراتيجيتها للنقل والخدمات اللوجستية عموماً، قال بوتشاروف: "لن أبالغ في تقدير تأثير هذا القرار. استئناف رحلة جوية مباشرة واحدة هو حدث مهم للعلاقات الروسية - السورية بالدرجة الأولى، أما من حيث الربط الإقليمي، فحجمه لا يزال متواضعاً نسبياً". لكنه أضاف أن "هذه الخطوة يمكن النظر إليها باعتبارها جزءاً من صورة أوسع، حيث تواصل روسيا تطوير علاقاتها الاقتصادية وعلاقات النقل مع دول الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن تحتل سورية مكاناً ملموساً في هذه المنظومة".

واختتم بالقول إن استئناف الطيران المباشر يظهر استعداد موسكو للإبقاء على قنوات عملية للتواصل مع دمشق، وعدم الخروج من المسارات المرتبطة بمستقبل التنمية الاقتصادية في سورية.