تشهد مناطق شمال سورية وشرقها ارتفاعاً متجدداً في منسوب نهر الفرات بالتزامن مع زيادة ملحوظة في كميات المياه الواردة من الجانب التركي، الأمر الذي دفع السلطات السورية إلى اتخاذ إجراءات تشغيلية واحترازية تهدف إلى استيعاب التدفقات الإضافية، والحفاظ على سعة تخزينية احتياطية في السدود، بالتوازي مع تحذير السكان والمزارعين والمنشآت القريبة من مجرى النهر من مخاطر ارتفاع المنسوب وتسارع الجريان.
يأتي هذا التطور بعد موجة فيضانات واسعة شهدتها مناطق من الرقة ودير الزور خلال الربيع وبداية الصيف، وأدت إلى غمر مساحات من الأراضي الزراعية وإلحاق أضرار بممتلكات ومنشآت قريبة من مجرى الفرات. وتزيد هذه الخلفية من حساسية التعامل مع الارتفاع الحالي، لا سيما أن أي زيادة إضافية في الواردات المائية تتطلب إدارة دقيقة للتصريف ومراقبة مستمرة لمناسيب النهر والسدود.
ورأى المهندس وفيق الحسن، المتابع لهذا الملف، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المعطيات الحالية لا تشير إلى أن الوضع وصل إلى مستوى الفيضان السابق، كما أن السدود السورية لا تزال تمتلك قدرة على استيعاب كميات إضافية من المياه، لكن مصدر القلق الأساسي يتمثل في استمرار التدفقات المرتفعة لفترة طويلة، وليس فقط في قيمة التدفق الحالية. وأوضح أن وصول الواردات إلى أكثر من 1200 متر مكعب في الثانية واستمرارها لأيام متتالية يجعلان إدارة المخزون في البحيرات مسألة أساسية للحفاظ على هامش أمان تشغيلي، ولذلك يجري رفع التصريف تدريجياً، بالتوازي مع مراقبة مستوى التدفق، بدلاً من السماح بتراكم المياه داخل البحيرات من دون سعة احتياطية كافية.
ولفت إلى أن ارتفاع المنسوب قد يؤثر في الجسور والمنشآت المؤقتة المقامة على النهر، وهي نقطة حساسة بصورة خاصة في دير الزور، حيث يعتمد السكان على هذه المنشآت في التنقل بين ضفتي النهر. ورجّح الحسن استمرار التمرير عند حدود 800 متر مكعب في الثانية في المرحلة الحالية، مع إمكانية زيادة التصريف إذا طرأت تغيّرات على الواردات المائية، مشيراً إلى أنه جرى تدعيم بعض المنشآت الترابية في دير الزور، بالتوازي مع التحذيرات الموجّهة إلى السكان والمزارعين وأصحاب المعدات والمنشآت القريبة من النهر.
ووصف الوضع الحالي لنهر الفرات في سورية بأنه ارتفاع مائي تحت المراقبة والسيطرة التشغيلية، لكنه يحمل مخاطر تستدعي الحذر، خصوصاً في ظل استمرار التدفقات المرتفعة القادمة من الجانب التركي. وتكتسب التدابير الاحترازية المتخذة أهمية خاصة بالنظر إلى تجربة الفيضان السابقة، التي أظهرت أن الارتفاع المفاجئ أو المستمر في تدفقات الفرات يمكن أن يتحول سريعاً من مشكلة تشغيلية إلى أزمة إنسانية وزراعية، لا سيما في المناطق المنخفضة والملاصقة لمجرى النهر.
ووفق المعطيات المتاحة، تجاوزت كميات المياه الواردة عبر نهر الفرات من الجانب التركي 1200 متر مكعب في الثانية بصورة متواصلة لنحو عشرة أيام، مع توقع استمرار مستويات الواردات المرتفعة حتى نهاية أغسطس/ آب الحالي. وفي تصريحات لوسائل إعلام محلية، توقع مسؤولون سوريون وصول التدفقات إلى نحو 1300 متر مكعب في الثانية.
وفي مواجهة هذه الزيادة، باشرت المؤسسة العامة لسد الفرات، يوم السبت الماضي، رفع كميات المياه الممررة من سد كديران تدريجياً من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية، وفق المعطيات المائية والتشغيلية ومراقبة مناسيب المياه على امتداد مجرى النهر. كما جرى فتح إحدى بوابات المفيض جزئياً لتمرير كمية إضافية تقدر بنحو 100 متر مكعب في الثانية. وتأتي هذه الخطوة ضمن سياسة الرفع التدريجي للتصريف، بدلاً من إجراء زيادة مفاجئة في كميات المياه المارة في مجرى النهر.
وتتمثل إحدى الغايات الأساسية لهذه الإجراءات في خفض منسوب البحيرات، والإبقاء على سعة تخزينية احتياطية داخل السدود، تحسّباً لاستمرار ارتفاع الواردات، أو حدوث زيادة جديدة في التدفقات. ووفق المعطيات الواردة، فإن بحيرة سد الفرات لا تزال قادرة على استيعاب كميات إضافية من المياه، ما يمنح المؤسسة هامشاً للتعامل مع الزيادة الحالية من خلال عمليات التمرير التدريجي. ولا تشير المعطيات الحالية إلى ضرورة فتح واسع لبوابات سد الفرات، إذ يُنظر إلى الزيادة من 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية باعتبارها إجراءً محدوداً يمكن التحكّم به، مع إبقاء إمكانية زيادة التصريف عند الحاجة، وفق تطورات الواردات والمناسيب.
وانعكست زيادة التصريف على منسوب مياه الفرات في محافظة دير الزور، حيث أفادت مديرية الموارد المائية بارتفاع المنسوب بنحو 70 سنتيمتراً، كما أشارت تقديرات محلية إلى احتمال ارتفاع إضافي خلال الساعات الأربع والعشرين التالية بنحو 30 سنتيمتراً. وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في دير الزور، بسبب اعتماد السكان على منشآت عبور مؤقتة، من بينها الجسور الترابية والعبارات، والتي يمكن أن تتأثر بارتفاع المياه وتسارع الجريان. وسبق أن أدى ارتفاع منسوب الفرات إلى تعليق حركة المرور على أحد الجسور الترابية في المحافظة في إجراء احترازي، ما يعكس حساسية البنية التحتية المؤقتة أمام أي ارتفاع إضافي في المياه.
تحذيرات للسكان والمزارعين بسبب الفرات
بالتزامن مع الزيادة التدريجية في التصريف، وجّهت وزارة الطاقة تحذيرات إلى سكان محافظتي الرقة ودير الزور، ولا سيما القاطنين بالقرب من مجرى الفرات، بضرورة الابتعاد عن النهر وضفافه وعدم السباحة فيه، بسبب احتمال ارتفاع المناسيب وزيادة سرعة الجريان. كما شملت الإجراءات الوقائية دعوة المزارعين وأصحاب المسامك والمنشآت الواقعة قرب النهر إلى نقل المحركات والمعدات والآليات إلى أماكن أكثر أماناً، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المضخات والممتلكات.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية أكبر في المناطق التي توجد فيها أراضٍ زراعية ومنشآت قريبة من السرير النهري، إذ إن ارتفاع المياه لا يمثل خطراً على السكان فحسب، وإنما قد يؤدي أيضاً إلى أضرار في المعدات الزراعية والبنى التحتية والجسور المؤقتة. ويأتي الارتفاع الحالي في أعقاب موجة فيضانات قوية شهدتها مناطق شمال سورية وشرقها خلال الربيع وبداية الصيف، وُصفت بأنها من أسوأ موجات الفيضان التي شهدتها المنطقة خلال عقود.
وكانت الأزمة قد ارتبطت بارتفاع مستويات المياه في السدود التركية على نهر الفرات، ولا سيما سد أتاتورك، الذي اقترب مخزونه من مستويات مرتفعة جداً، ما دفع السلطات التركية إلى فتح بوابات تصريف للمساعدة في إدارة المخزون المائي. كما أظهرت المعطيات فتح بوابات في سدود تركية أخرى على مجرى الفرات قبل دخوله الأراضي السورية.
ومع وصول تدفقات كبيرة إلى الأراضي السورية، اضطرت المؤسسة العامة لسد الفرات إلى استخدام بوابات المفيض للتعامل مع الكميات الواردة، في خطوة أشارت المعطيات إلى أنها لم تحدث منذ سنوات طويلة. وأدت التدفقات الكبيرة إلى غمر مساحات من الأراضي الزراعية في الرقة ودير الزور، مع تسجيل أضرار في مناطق ملاصقة لمجرى النهر. وقد جعلت هذه التجربة السلطات أكثر حذراً في التعامل مع الارتفاع الحالي، خصوصاً أن استمرار الواردات المرتفعة لفترة طويلة قد يقلل تدريجياً القدرة الاستيعابية للسدود، ويجعل الحاجة إلى زيادة التصريف أكثر احتمالاً إذا استمرت التدفقات القادمة من الجانب التركي بالارتفاع.