اختبار للاتفاق التنموي الليبي الموحد ووقف ازدواجية الإنفاق العام
يواجه الاتفاق التنموي الموحد في ليبيا اختباراً جديداً مع تحرك مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة لتشكيل لجنة فنية مشتركة، في محاولة لدعم مصرف ليبيا المركزي وترشيد الإنفاق العام، بعدما أخفقت التفاهمات السياسية حتى الآن في وقف التوسع في الإنفاق الحكومي. وقال عضو اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة، على السويح، لـ"العربي الجديد" إن اللجنة الفنية المشتركة ستقدم الدعم والمساندة اللازمة لمصرف ليبيا المركزي، وستساهم في ترشيد الإنفاق، موضحاً أن اختيار أعضائها سيتم من قبل هيئتي رئاسة المجلسين بصورة عشوائية.
ويأتي ذلك فيما لا يزال الاتفاق التنموي الموحد، الذي أبرمته الأطراف السياسية في 2025، يواجه صعوبات في الانتقال من إطار للتوافق السياسي إلى آلية ملزمة لإدارة الإنفاق العام. ووقّع الاتفاق في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 في طرابلس، برعاية مصرف ليبيا المركزي، بهدف وضع إطار موحد للإنفاق التنموي والحد من ازدواجية المشروعات والإنفاق بين المؤسسات والسلطات المتنافسة.
وفي إبريل/ نيسان 2026، وقّع ممثلو مجلسي النواب والدولة ملحقاً للاتفاق تضمن جداول الإنفاق العام، قبل أن يعلن مصرف ليبيا المركزي في مايو/ أيار بدء التنفيذ الفعلي للترتيبات المتفق عليها. لكن التطورات اللاحقة أظهرت استمرار الخلافات بشأن آليات التنفيذ، في وقت واصلت فيه الحكومتان والجهات التابعة لهما الإنفاق وإبرام الالتزامات المالية، ما أضعف قدرة الاتفاق على تحقيق هدفه الأساسي المتمثل بضبط الإنفاق ووضع سقوف موحدة للمصروفات.
ويرى السويح أن الاتفاق يفتقر إلى الغطاء التشريعي، لعدم عرضه والتصويت عليه من قبل مجلس النواب، معتبراً أن غياب الأساس القانوني كان أحد العوامل التي أضعفت قدرة الاتفاق على فرض نفسه على المؤسسات التنفيذية.
ويقول اقتصاديون إن أهمية الاتفاق لا تقاس بمجرد توقيعه أو إعلان بدء تنفيذه، بل بقدرته على وقف الإنفاق خارج السقف المتفق عليه وإخضاع جميع الجهات التنفيذية لقواعد مالية موحدة. ويرى المحلل الاقتصادي محمد الشيباني أن توحيد الموازنة يمكن أن يساهم في تخفيف الضغوط المالية والنقدية إذا التزمت الأطراف بالسقوف المحددة، محذراً من أن استمرار الإنفاق الموازي سيبقي الضغوط على سعر صرف الدينار قائمة.
ويضيف الشيباني لـ"العربي الجديد" أن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يحتاج إلى آليات إلزام ورقابة واضحة، خصوصاً أن استمرار الإنفاق الحكومي المرتفع قد يؤدي إلى زيادة السيولة والطلب على العملة الأجنبية في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.
أما المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيث، فيرى خلال حديثه لـ"العربي الجديد" أن الاتفاق يمكن أن يساهم في الحد من تراكم التزامات مالية جديدة، لكنه يشدد على أن نجاحه مرتبط بقدرة مصرف ليبيا المركزي والأجهزة الرقابية على فرض قواعد موحدة على الجهات المنفذة، ومنع تجاوز السقوف المالية المعتمدة.
ويرى جمعة المنتصر، المختص في التمويل والمصارف، أنّ وصف الاتفاق بأنه فشل بالكامل سيكون مبالغاً فيه، خصوصاً أن مصرف ليبيا المركزي أعلن بدء تنفيذه، وأنه حظي بدعم دولي. لكن المنتصر يشير لـ"العربي الجديد" إلى أن الاتفاق لم ينجح حتى الآن في إنهاء الخلافات حول الإنفاق أو منع استمرار الالتزامات المالية خارج إطاره، وهو ما يحد من أثره الاقتصادي.
ويقول إن جوهر المشكلة لا يكمن في غياب التفاهمات، بل في غياب آلية قادرة على إلزام جميع الأطراف بتنفيذها، معتبراً أن الاتفاق يحتاج إلى أدوات واضحة للمتابعة والرقابة والمساءلة. يمثل اتفاق إبريل 2026 التطور الأهم في المسار، إذ وصفه مصرف ليبيا المركزي بأنه أول توافق على إطار إنفاق موحد على مستوى البلاد منذ أكثر من 13 عاماً.
وتبلغ قيمة الموازنة الموحدة نحو 190 مليار دينار (سعر الصرف 6.4 دنانير للدولار) موزعة على 73 مليار دينار للمرتبات، و40 ملياراً لمشروعات التنمية، و37 ملياراً للدعم، و18 ملياراً للعلاوات والمنح الأسرية، و12 ملياراً للمؤسسة الوطنية للنفط، و10 مليارات للنفقات التشغيلية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الليبي ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع الإنفاق العام والاعتماد الكبير على إيرادات النفط مصدراً رئيسياً لتمويل الدولة.
وقال صندوق النقد الدولي في ختام مشاوراته لعام 2026 إن المسار المالي الحالي غير مستدام، مشيراً إلى أن العجز المالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، وأن الدين العام اقترب من 146% من الناتج، بينما أدى التوسع المالي إلى زيادة الضغوط على سعر الصرف والاحتياطيات والتضخم.