إيطاليا تنافس على إعادة إعمار غزة... منافسة دولية محتدمة
استمع إلى الملخص
- تواجه إيطاليا منافسة شديدة من شركات دولية، وتسعى لضمان مكانة مؤثرة عبر دمج الدبلوماسية والتنمية والشراكة الصناعية، مع تقدير حصة محتملة بين 8 و10 مليارات دولار.
- التحديات تشمل هشاشة الوضع الأمني وغياب آلية واضحة لإدارة التمويل، لكن المشاريع تمثل فرصة لتعزيز النفوذ الاقتصادي لإيطاليا وربط مصالحها بمشاريع السلام الإقليمي.
مع تصاعد النقاشات الدولية حول خطة إعادة إعمار غزة عقب شهور من الدمار الذي خلفه العدوان الإسرائيلي، بدأت إيطاليا تحدد ملامح مشاركتها المحتملة في هذا المشروع الضخم الذي تقدر الأمم المتحدة والبنك الدولي تكلفته بما بين 70 و80 مليار دولار. وتسعى الحكومة الإيطالية، عبر وزارة الخارجية والتعاون الدولي، إلى أن تكون جزءاً من هذا الجهد الدولي من خلال دعم سياسي وإنساني واقتصادي متكامل، يفتح المجال أمام شركاتها للمساهمة في بناء البنية التحتية والمرافق الحيوية في القطاع. وقال المنسق العلمي لمرصد البحر المتوسط في معهد القديس بيوس الخامس للدراسات السياسية بروما، فرنشيسكو أنغيلوني، إن الهدنة التي تم التوصل إليها في قطاع غزة خطوة ضرورية بعد عامين من الصراع، لكنها ما زالت هشة للغاية.
وأضاف في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الخلافات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والدور غير المحدد بعد لحركة حماس، والغموض المحيط بحوكمة أموال الدعم الدولي، كلها عوامل تجعل المشهد السياسي والاقتصادي في القطاع شديد التقلب، محذراً من أن غياب التنسيق قد يحول عملية الإعمار إلى مبادرات متفرقة تقوض أهداف الاستقرار والتنمية المستدامة. وأوضح أن إيطاليا أعربت عن استعدادها للمساهمة في مرحلة ما بعد الحرب، مستفيدة من خبراتها الصناعية في قطاعات البنية التحتية والطاقة والزراعة. وأشار إلى أن شركات مثل وي بيلد قد تساهم في إعادة تأهيل شبكات المياه والنقل، بينما يمكن لشركة إيتالفير، التابعة لمجموعة السكك الحديدية الإيطالية، دعم التخطيط المتكامل للأنظمة اللوجستية. أما تيرنا، المشغلة لشبكة الكهرباء الوطنية، فلديها خبرة واسعة في تحديث شبكات الطاقة، في حين تمتلك بونيفيكه فيراريزي القدرة على المساهمة في تأهيل الأراضي الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي.
منافسة دولية محتدمة
وأشار أنغيلوني إلى أن المنافسة ستكون حادة مع دخول شركات تركية مثل ليماك وتيكفين وإنكا، ومصرية مثل المقاولون العرب وأوراسكوم، وخليجية مدعومة برؤوس أموال سيادية سعودية وقطرية وإماراتية. وأضاف أن الشركات الأوروبية والأميركية، مثل فينشي وبويجيس وهوختيف وبيكتل وفلور، تستعد هي الأخرى لاقتناص جزء من العقود في القطاعات الاستراتيجية. ويرى أن إيطاليا لن تضمن مكانة مؤثرة إلا إذا أدمجت بين الدبلوماسية والتنمية والشراكة الصناعية، في إطار أوروبي منسق. وأوضح المحلل الإيطالي أن الدور الذي لعبته تركيا ومصر وقطر في مفاوضات اتفاق شرم الشيخ يمنح هذه الدول أفضلية في تحديد مستقبل الإعمار، لكنه أكد أن الشركات الإيطالية تمتلك خبرات تقنية ودعماً حكومياً عبر خطة ماتي، التي تهدف إلى إعادة إطلاق الدور السياسي والاقتصادي لإيطاليا في أفريقيا وحوض المتوسط. وتقدر مصادر اقتصادية أن حصة إيطاليا المحتملة من عقود إعادة الإعمار تراوح بين 8 و10 مليارات دولار، بشرط تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الأمني وضمان الشفافية المالية.
خريطة الفرص
وكان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني من أوائل المسؤولين الأوروبيين الذين أعلنوا استعداد بلادهم للمشاركة. وقال في تصريح لصحيفة إل سولي فنتي كواترو أوري إن روما مستعدة لتعبئة خبراتها في مجالات البنية التحتية والطاقة والبيئة. وكشفت الصحيفة أن وزارة الخارجية الإيطالية عقدت اجتماعات أولية مع كبريات الشركات لبحث فرص المشاركة فور توافر الظروف الأمنية والسياسية الملائمة. وتعد وي بيلد أبرز المرشحين لمشروعات البنية التحتية، إذ تملك خبرة في بناء الجسور والطرق ومحطات المياه. وعبر مديرها التنفيذي بيترو ساليني عن الاهتمام بالمشاركة في أي مبادرة دولية لإعادة بناء غزة عند تحسن الوضع الميداني.
وفي قطاع مواد البناء، تبرز تشيمينتير وبوتسي أونيتشيم بصفة موردين رئيسيين للإسمنت، مع ارتفاع أسهم الأولى بنسبة 50% منذ بداية العام مدفوعة بتوقعات زيادة الطلب في غزة وأوكرانيا. أما في الطاقة والغاز، فتملك إيني وسايبم خبرة في شرق المتوسط، وتشير مصادر اقتصادية إلى أن إيني تتابع عن قرب خطط تطوير حقل غزة مارين البحري، الذي قد يوفر جزءاً من احتياجات الطاقة الفلسطينية مستقبلاً. وفي الطاقة المستدامة وتحلية المياه، تبرز إينيل جرين باور وإيتالتيرم بخبراتهما في مشاريع الطاقة الشمسية والمياه، بدعم محتمل من الاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي للاستثمار.
عوائق التنفيذ
تشير دراسة نشرتها مجلة بانوراما الإيطالية في 22 أكتوبر/تشرين الأول الجاري إلى أن الحصة المحتملة لإيطاليا في مشاريع الإعمار قد تبلغ 10 مليارات يورو، موزعة على قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والإسكان. لكنها تحذر من تحديات كبيرة، أبرزها هشاشة الوضع الأمني، وغياب آلية واضحة لإدارة التمويل بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وصعوبات العبور عبر المعابر الإسرائيلية.
كما تواجه الشركات الإيطالية منافسة تركية وقطرية وصينية قوية، إلى جانب غموض الموقف الأوروبي بشأن التمويل وآليات الرقابة، ما قد يبطئ انخراطها العملي في المشروعات الأولى. ويرى خبراء أن الدور الإيطالي في غزة سيكون اختباراً لمصداقية خطة ماتي، ولقدرة إيطاليا على إعادة التموضع في محيطها المتوسطي بوصفه محركاً للاستثمار والتنمية، لا مجرد تابع للمبادرات الأوروبية. وفي حال تحقق استقرار نسبي، فإن مساهمة الشركات الإيطالية في إعادة إعمار غزة قد تمثل فرصة استراتيجية نادرة لتعزيز النفوذ الاقتصادي لروما في الشرق الأوسط، وربط مصالحها بمشاريع السلام الإقليمي عبر مسار اقتصادي وإنساني متوازن.