استمع إلى الملخص
- يهدف القرار إلى معالجة العجز المالي المتزايد، لكن الخبراء يرون أن الفارق السعري لن يحل التحديات المالية أو يحد من تهريب الوقود، مع تأثير اقتصادي محدود وزيادة محتملة في التضخم على المدى القصير.
- أثار القرار مخاوف من موجة غلاء جديدة، ورفض من بعض التيارات المحافظة في البرلمان، مع دعوات لمراجعة رواتب العمال والموظفين.
بعد سنوات من التردّد خشية التداعيات الاجتماعية وسط أزمة اقتصادية متفاقمة في البلد، أقرّ مجلس الوزراء الإيراني، الثلاثاء، زيادة في سعر البنزين، على أن يبدأ تطبيقها اعتباراً من السادس من الشهر المقبل، تضاف إلى سعرين للبنزين المدعوم بكميات محددة. ووفق القرار، سيُباع البنزين بالسعر الجديد البالغ 50 ألف ريال نحو 0.044 دولار لليتر، حسب سعر الصرف الموازي (الدولار يوازي مليوناً و120 ألف ريال).
وتأتي هذه الزيادة بعد ست سنوات من آخر تعديل لسعر البنزين في البلاد، وهو التعديل الذي أثار في حينه احتجاجات واسعة. وبموجب القرار الجديد، لن يكون السعر الثالث ثابتاً، بل عائماً، إذ أُلزمت وزارة النفط بإعادة النظر فيه كل فصل بصورة تدريجية. أمّا السعران، الأول والثاني، فسيبقيان ضمن منظومة الدعم من دون تغيير في الوقت الراهن.
ويبلغ مجموع الحصّة الشهرية المدعومة 160 ليتراً؛ 60 ليتراً منها تُباع بسعر 15000 ريال، ما يقارب 0.0134 دولار لليتر، و100 ليتر بسعر 30000 ريال يناهز 0.0267 دولار لليتر. أمّا من يرغب في التزود بأكثر من 160 ليتراً شهرياً، فسيلزم بدفع السعر الجديد. وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة النفط إلغاء حصص البنزين المدعوم لعدد من فئات السيارات.
قوبلت زيادة الأسعار برفض من بعض أوساط التيار المحافظ في إيران. وقال البرلماني المحافظ، مالك شريعتي، إن قرار رفع سعر البنزين "غير قانوني" وسيُرفض في "هيئة مطابقة القوانين" في البرلمان
وقال وزير النفط الإيراني، محسن باكنجاد، للتلفزيون الرسمي، إنّ السيارات الحديثة التي تخرج من المصانع، وتلك المستوردة من الخارج، إضافة إلى سيارات المناطق الحرّة والسيارات الحكومية، باستثناء سيارات الإسعاف، لن تستفيد بعد الآن من بطاقات الدعم الحكومي ولا من الحصص المدعومة، وستتزود بالوقود حصراً بالسعر الثالث البالغ 0.044 دولار لليتر.
قال الخبير الاقتصادي الإيراني، إيرج يوسفي، في تصريح لـ"العربي الجديد" إن امتناع الحكومات المتعاقبة عن رفع سعر البنزين خلال السنوات الماضية كان نتيجة خشية رسمية من تبعات القرار اجتماعياً، مشيراً إلى أن هذا الحذر لا يزال قائماً. وأوضح أن السلطات تحاول اليوم تجاوز هذا الإرث النفسي وتهيئة الشارع لتقبّل سياسة تعديل الأسعار، مؤكداً أن الزيادة الأخيرة ليست سوى بداية مسار تصاعدي لزيادات جديدة لأسعار البنزين وسائر حوامل الطاقة في المستقبل.
ورأى يوسفي أن الدافع الأساسي للخطوة الراهنة نفسي وسياسي أكثر منه اقتصادياً، مستنداً إلى تجربة احتجاجات عام 2019 على رفع أسعار البنزين، وأن الحكومة تسعى لتوجيه رسالة مفادها أن أي رفع للأسعار لن يفضي إلى اضطراب اجتماعي كبير لتبني عليه خطواتها المقبلة في زيادة السعر. لكنه شدد على أن الأثر الفعلي سيظهر في ارتفاع أسعار السلع والخدمات نتيجة ارتباط قطاع النقل المباشر بسعر الوقود.
وأضاف أن الوقود لا يزال السلعة الوحيدة في السوق الإيرانية التي تباع دون سعرها الحقيقي، وأن الزيادة الحالية، بهامشها المحدود، لن تحقق إيرادات مؤثرة لسد العجز المالي. وبيّن يوسفي أن الفارق بين سعر البنزين المدعوم وغير المدعوم غير كافٍ لمعالجة التحديات المالية التي تواجهها الحكومة، فيما ارتفعت تكاليف الإنتاج بنسب كبيرة. وأشار إلى أنه إذا احتُسِب السعر الحقيقي للبنزين وفق وتيرة ارتفاع سعر الصرف منذ عام 2019، حيث ارتفع الدولار نحو خمسة أضعاف، لكان من المفترض أن ترتفع أسعار الوقود بالنسبة نفسها لتغطية كلفتها الفعلية. يذكر أن العجز في الموازنة يشكل أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجهها الحكومة الإيرانية حالياً، إذ أخلّ بالتوازنات المالية، وقيّد قدرة الحكومة على إدارة السياسات الاقتصادية.
ويعود هذا العجز بالأساس إلى الاعتماد المفرط على إيرادات النفط، وتضخم الجهاز الحكومي، والعقوبات الدولية، وضعف كفاءة السياسات الاقتصادية. ووفق صحيفة "دنياي اقتصاد" الاقتصادية التابعة للقطاع الخاص، يبلغ العجز المعلن 800 ألف مليار تومان، أي ما يقارب 21 مليار دولار على أساس سعر 38 ألفاً و500 تومان للدولار في وثيقة الموازنة.
وغالباً ما تلجأ الحكومات إلى الاقتراض من البنك المركزي وتمويل النفقات عبر طباعة النقود، ما أسهم في استمرار التضخم المزمن وزيادة الضغوط على الشرائح الضعيفة. أما إذا ما كانت الخطوة الحكومية ستحد من تهريب الوقود، فأوضح يوسفي أن الفجوة السعرية بين إيران ودول الجوار لا تزال كبيرة، وأن أي زيادة، حتى لو تضاعفت مرات عدة، لن تغيّر المعادلة بسبب ارتباط الأسعار بسعر الدولار الذي صعد محلياً نحو 500 في المئة منذ عام 2019.
تظهر البيانات الرسمية أن المشتقات النفطية تمثل النسبة الأكبر من التهريب بقيمة سنوية تقارب 5.2 مليارات دولار، بينما تشير التقديرات الأخيرة إلى تهريب يومي يناهز 21 مليون ليتر
وأكد أن رفع السعر حتى إلى 150 ألف ريال لليتر لن يحد من التهريب، لأن اقتصاداً يعاني مشكلات عميقة ويتأثر بالدولار في معظم قطاعاته لن يتفاعل إيجاباً مع هذا النوع من القرارات حسب قوله. وأشار يوسفي إلى أن تهريب نحو عشرين مليون ليتر يومياً، وفق ما أعلنه الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، يعكس وجود شبكات منظمة تستفيد من الفارق السعري، معتبراً أن الأثر الاقتصادي للزيادة الجديدة لا يكاد يتجاوز نسبة واحد إلى اثنين في المئة، وهو تأثير محدود جداً في الحد من التهريب.
وتظهر البيانات الرسمية أن المشتقات النفطية تمثل النسبة الأكبر من التهريب بقيمة سنوية تقارب 5.2 مليارات دولار، بينما تشير التقديرات الأخيرة إلى تهريب يومي يناهز 21 مليون ليتر تتجاوز قيمته ألف مليار تومان، أي ما يعادل نحو عشرة ملايين دولار وفق سعر الصرف الموازي.
تبعات القرار
قال الخبير الاقتصادي الإيراني، مرتضى ميري لـ"العربي الجديد"، إنّ رفع سعر البنزين، أو بالأحرى تحريره، سيؤدي في المدى القصير إلى ارتفاع الأسعار، موضحاً أنّ كلفة النقل وأسعار عدد من السلع "سترتفع بلا شك". وفي المقابل، أكد ميري أن تحرير سعر البنزين على المدى الطويل ستكون له آثار مضادة للتضخم، موضحاً أن الدعم الحكومي الكبير المقدر بنحو 8 مليارات دولار "سيخفض أو يُلغى تدريجياً، الأمر الذي سيقلل من عجز الموازنة ومن الضغوط التضخمية الناجمة عن طباعة النقود"، أو يرفع القاعدة النقدية. وأضاف أن ارتفاع السعر سيقود أيضاً إلى ترشيد الاستهلاك، وهو ما يعزز، بحسب قوله، الآثار الانكماشية طويلة الأجل.
لكنه شدد على أنّ الأسعار سترتفع حتماً في المدى القصير، متسائلاً عمّا إذا كانت لدى الحكومة خطة لتخفيف تبعات هذه المرحلة، قبل أن يجيب: "للأسف، لا أظن أنّ هناك برنامجاً واضحاً في هذا الصدد".
وأشار ميري إلى أنّ الحكومة الإيرانية لم تكن راغبة أساساً في تحرير أسعار البنزين ومصادر الطاقة بسبب المخاوف من موجات التضخم، "ولأنها لا تملك برنامجاً لمواجهتها"، على حد تعبيره. وأضاف أنّ استمرار تقديم الدعم الضخم "أصبح غير قابل للاستمرار"، وأنّ الحكومة "تخشى أن يؤدي التحرير المفاجئ إلى اضطرابات اجتماعية، ولذلك تلجأ حالياً إلى رفع الأسعار تدريجياً مع مراقبة ردود الفعل".
وأوضح ميري أن تقليص الدعم المخصص للمحروقات بات ضرورة لا مفر منها، مشيراً إلى أن الخطط التنموية كانت تتضمن أصلاً رفع الأسعار تدريجياً لتجنب الصدمات التضخمية، "لكن الحكومات المتعاقبة افتقرت إلى الجرأة لتنفيذ ذلك، حتى وصلنا إلى الوضع الذي نشهده اليوم".
شارع قلق
أدّى إعلان رفع سعر البنزين في إيران إلى تصاعد المخاوف في الشارع الإيراني، حيث تتركز هواجس المواطنين، ليس على سعر الوقود بحد ذاته، بل على موجة الغلاء الجديدة التي يُخشى أن تعقب هذا القرار، وهي موجة أثبتت التجارب السابقة أنها غالباً ما تبدأ من الوقود ثم تمتد إلى معظم السلع الأساسية والخدمات اليومية.
وفي رصد ميداني لـ"العربي الجديد" شمل عدداً من سكان العاصمة من شرائح مهنية واجتماعية مختلفة، عبّر الجميع عن قلق مشترك يتمثل بالخوف من أثر الدومينو لارتفاع الأسعار. مريم، البالغة من العمر 43 عاماً، وتعمل موظفة في شركة خاصة بالقرب من ميدان انقلاب (الثورة) وسط طهران، قالت لـ"العربي الجديد" إن البنزين في إيران فعلاً أرخص من كثير من الدول، وهي لا تنكر ذلك، لكنها شددت على أن المشكلة ليست في السعر نفسه، بل في غياب أي ضمان بأن يقتصر الارتفاع على البنزين وحده.
وأضافت أن التجربة في عام 2019 وما سبقها كانت واضحة، فكلما ارتفع سعر البنزين، ارتفعت معه خلال أسبوع أو أسبوعين أسعار النقل والمواد الغذائية، وحتى الخدمات البسيطة، بينما تبقى رواتب الموظفين ثابتة.
أمير، البالغ من العمر 41 عاماً ويعمل سائق سيارة أجرة عبر التطبيقات الذكية في حيّ جنت آباد غربي طهران، قال لـ"العربي الجديد" إن هناك من يعتبر البنزين في إيران رخيصاً، وهذا صحيح فقط عند مقارنته بالدولار.
لكنه أوضح أن أحداً لا يتحدث عن مستوى دخل الناس. وأضاف أنه بكونه سائقاً، تتراجع مداخيله مباشرة مع كل زيادة في سعر البنزين، وأن رفع التعرفة يؤدي إلى انخفاض عدد الزبائن وتوجههم نحو استخدام النقل العام، مشيراً إلى أن ارتفاع سعر الوقود يرفع أيضاً كلفة صيانة السيارة من الإطارات إلى الزيت والقطع، وأن السائقين أول من يتعرضون للضرر، بينما لا يوضح أحد ما إذا كان الهدف من هذه الزيادة تنظيم الاستهلاك أو تحقيق العدالة أو مجرد زيادة العبء على الناس.
أما علي أحمدي، البالغ 52 عاماً ويعمل بائع أدوات منزلية في جنوب طهران، فيقول لـ"العربي الجديد" إن أي زيادة ولو محدودة في سعر البنزين تكون ملموسة فوراً بالنسبة إلى أصحاب المتاجر، موضحاً أن دورة انتقال البضائع تعتمد بالكامل على النقل، وأن ارتفاع أجرة الشاحنات يؤدي مباشرة إلى رفع أسعار السلع، وهو ما ينعكس على حركة السوق بانخفاض عدد الزبائن وضعف المبيعات، ثم دخول السوق في حالة ركود. وبيّن أحمدي أن البعض يعتقد أن التجار يرفعون الأسعار من تلقاء أنفسهم، بينما الحقيقة أن كل شيء مرتبط بسعر البنزين، وأن الزيادات التي تبدو بسيطة على الورق تغيّر حياة الناس في الواقع.
وفي شرق العاصمة، قالت ندا تهراني، وهي طالبة جامعية من حارة تهرانپارس، إن كثيرين لا يملكون سيارات مثلها، لكنهم الأكثر تعرضاً للضغط. وأوضحت أن ارتفاع سعر البنزين يرفع عملياً أجرة سيارات الأجرة، حتى إن لم تُرفع رسمياً، كذلك يرفع أسعار المنتجات في المتاجر والمخابز وسائر الأماكن، ما يجعل الحياة اليومية أغلى من دون أي زيادة في الدخل. وأكدت أنها تعيش بميزانية شهرية ثابتة تقدر بنحو 200 دولار، وأن ارتفاع سعر البنزين يعني التخلي عن بعض الاحتياجات، غالباً على حساب جودة الطعام أو شراء الكتب والملابس.
أما آرش رحيمياني، العامل الإيراني في منطقة ونك شمالي طهران، فقال إن الارتفاع الطفيف في سعر البنزين ينعكس على كل شيء بالنسبة إلى العمال. وأوضح أنه يعيش براتب يقدَّر بـ250 دولاراً، وأن ارتفاع سعر الوقود يرفع كلفة الخبز والأرز والعلاج، وأن العبء في النهاية يقع على الفئات الفقيرة. وأعرب عن قلقه من أن هذه الزيادات لا سقف لها، ولا يُعرف من أين ستُغطى.
محافظون معارضون
وقد قوبلت زيادة الأسعار برفض من بعض أوساط التيار المحافظ في إيران. وقال البرلماني المحافظ، مالك شريعتي، للتلفزيون الإيراني، إن قرار رفع سعر البنزين "غير قانوني" وسيُرفض في "هيئة مطابقة القوانين" في البرلمان، حسب زعمه. وأضاف أن القرار "مخالف للعدالة ومخالف للقانون وناقص"، مؤكداً معارضة كتلته له.
وأوضح شريعتي، وهو عضو لجنة الطاقة البرلمانية أيضاً، أنّهم يفضّلون خيارات أخرى غير زيادة السعر لمعالجة مشكلات سوق الوقود، قائلاً إنّ هذه الآلية الجديدة "لا تقلّص التهريب". واعتبر أنّ الحكومات عادةً "تلجأ إلى أسهل الطرق لسدّ عجز الموازنة"، وهو رفع سعر البنزين. وختم بالقول إن الحكومة استبقت الإنفاق على إيرادات تعديل السعر، وإنّ التضخم الناجم عن هذا القرار سيمتصّ تلك الإيرادات ويجعلها بلا أثر فعلي.
انتقد المتحدث باسم الحكومة الإيرانية المحافظة السابقة، علي بهادري جهرمي، بشدة قرار الحكومة الحالي المتعلق بتعديل أسعار البنزين
كذلك انتقد المتحدث باسم الحكومة الإيرانية المحافظة السابقة، علي بهادري جهرمي، بشدة قرار الحكومة الحالي المتعلق بتعديل أسعار البنزين، قائلاً في تعليق نشره على منصة إكس إنه إذا كانت هناك إمكانية لرفع سعر البنزين بشكل فصلي، فإنّ على الحكومة أن تعيد بدورها النظر في رواتب العمّال والموظفين بصورة فصلية وبما يتناسب مع معدلات التضخم.
وأضاف جهرمي أن "سعر البنزين الحر حدد مؤقتاً لهذا الفصل عند نحو 50 ألف ريال لليتر"، واصفاً باقي بنود القرار بأنّها "معيبة وتنطوي على تمييز"، معتبراً أن إلغاء حصص البنزين للسيارات الجديدة إجراء "غير منصف ويتعارض مع الدستور".