إيرادات الذكاء الاصطناعي تتسارع لكن عوائد الاستثمار ما زالت تتعثر
- رغم الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، استقرت معدلات استخدامه في الشركات، حيث يستخدمه حوالي 20% من الشركات الأمريكية ونحو الثلث في بريطانيا، مما يشير إلى تشبع مؤقت في الحماس الأولي.
- تعتمد العديد من الشركات على أدوات ذكاء اصطناعي مجانية أو منخفضة التكلفة، مما يضع ضغوطاً على تحقيق عائد اقتصادي، مع تركيز المنافسة على جذب المستخدمين بدلاً من توسيع السوق.
يعيش قطاع الذكاء الاصطناعي مفارقة غير مسبوقة، إذ بينما تتدفق مئات المليارات من الدولارات لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتوسيع البنية التحتية، لا تزال الإيرادات المتحققة أقل بكثير من المستوى الذي يطمئن المستثمرين. وتشير التقديرات إلى أن عمالقة التكنولوجيا الأميركيين، وفي مقدمتهم أمازون وغوغل ومايكروسوفت، أنفقوا نحو 450 مليار دولار على البنية التحتية العام الماضي، لكن ذلك لم يكن سوى البداية. فالإنفاق الرأسمالي مرشح للارتفاع إلى نحو 900 مليار دولار خلال العام الحالي، قبل أن يقفز إلى 1.4 تريليون دولار في عام 2027، فيما تجاوزت قيمة الاقتراض لتمويل هذه الطفرة 400 مليار دولار خلال العام الجاري وحده.
ورغم ضخامة هذه الأرقام، بدأت الأسواق تشكك في قدرة الشركات على تحويل هذا الإنفاق إلى أرباح مستدامة. فمنذ بلوغ أسهم شركات الذكاء الاصطناعي ذروتها في يونيو/حزيران، فقدت نحو 15% من قيمتها، مع تصاعد المخاوف من أن الإيرادات لا تنمو بالوتيرة الكافية لتغطية الاستثمارات الهائلة. وزادت هذه المخاوف بعد تراجع سهم الشركة الأم لـ"غوغل" بنسبة 7% عقب إعلان نتائجها الفصلية، بينما يترقب المستثمرون نتائج مايكروسوفت وميتا وأمازون بحثاً عن مؤشرات أكثر وضوحاً، بحسب تقرير أوردته إيكونوميست اليوم الثلاثاء.
وتكمن المشكلة، وفق تقديرات اقتصادية، في أن تغطية الإنفاق الحالي على الذكاء الاصطناعي تتطلب تحقيق إيرادات سنوية تقارب 2.5 تريليون دولار، وهو رقم يتجاوز إجمالي إيرادات شركات التكنولوجيا الكبرى مجتمعة في الوقت الراهن. ويعود ذلك إلى أن المستهلكين لا يُقبلون على الاشتراكات المدفوعة في خدمات الذكاء الاصطناعي بالقدر المتوقع، ما يجعل الرهان الأساسي منصباً على الشركات والمؤسسات، التي يفترض أن تنفق مليارات الدولارات لتوظيف هذه التقنيات في مجالات مثل التحليل المالي والتعليم والإدارة والتصنيع، غير أن هذه السوق لا تزال بعيدة عن تحقيق الإيرادات المطلوبة.
ورغم الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي، فإن وتيرة التوسع تبدو وكأنها بدأت تفقد زخمها. ففي الولايات المتحدة يستخدم نحو 20% من الشركات الذكاء الاصطناعي في بعض وظائفها، بينما تبلغ النسبة نحو الثلث في بريطانيا، إلا أن دراسات حديثة تشير إلى استقرار معدلات الاستخدام خلال الأشهر الأخيرة، بعدما كانت تنمو بوتيرة متسارعة. كما أظهرت استطلاعات أن نسبة العاملين الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي في أعمالهم تراجعت من ذروة بلغت 46% في منتصف عام 2025 إلى نحو 33% حالياً، في إشارة إلى أن الحماس الأولي قد يكون بلغ مرحلة من التشبع المؤقت.
وتشير البيانات أيضاً إلى أن معظم الشركات لا تعتمد الذكاء الاصطناعي بصورة عميقة داخل عملياتها. ففي منطقة اليورو، لا تستخدم سوى شركة واحدة من كل عشر شركات تعتمد هذه التقنيات بشكل مكثف، بينما توصلت دراسات في ألمانيا إلى أن نصف الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي توظفه في أقل من 5% من ساعات العمل. أما في الشركات الأميركية، فيبلغ متوسط استخدام المديرين التنفيذيين للذكاء الاصطناعي نحو 1.7 ساعة أسبوعياً فقط، وهو ما يكفي لإعداد عرض تقديمي أو تنفيذ مهام محدودة، لكنه لا يعكس تحولاً جذرياً في أساليب العمل.
ويزيد من الضغوط أن كثيراً من المؤسسات تعتمد النسخ المجانية أو منخفضة التكلفة من أدوات الذكاء الاصطناعي. ففي بريطانيا، تستخدم قرابة نصف الشركات التي تعتمد هذه التقنيات خدمات مجانية، بينما لا يتجاوز متوسط إنفاق الشركة الواحدة على الذكاء الاصطناعي 10.66 دولارات شهرياً لكل موظف، وهو رقم متواضع مقارنة بحجم الاستثمارات التي تضخها الشركات المطورة لهذه النماذج. وتتفاوت التقديرات بشأن حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي، إلا أن معظمها يضع الإيرادات السنوية الحالية بين 150 و220 مليار دولار، وهو مستوى يعكس نمواً استثنائياً، لكنه يبقى بعيداً جداً عن تريليونات الدولارات المطلوبة لتحقيق عائد اقتصادي يبرر الإنفاق الرأسمالي المتسارع.
ويرى خبراء أن جزءاً من المشكلة يتمثل في أن المنافسة بين الشركات أصبحت تتركز على جذب المستخدمين من المنافسين أكثر من توسيع السوق نفسها، ما يعني أن قسماً من الإنفاق يتحول إلى سباق صفري لا يضيف قيمة اقتصادية جديدة. وتشير بعض الدراسات إلى أن ما يصل إلى ثلث الاستثمارات الحالية قد لا يحقق عائداً مرضياً للمساهمين.
ومع ذلك، لا يزال الرهان قائماً على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً مختلفاً إذا نجحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في رفع إنتاجية الشركات بصورة ملموسة، وأجبرتها على إعادة هيكلة أعمالها بالكامل، بما يشمل تنظيم البيانات وتطوير المهارات وإعادة تصميم العمليات الداخلية. لكن المؤشرات الحالية لا تعكس بعد هذا التحول. فالاستثمارات في ما يعرف بـ"رأس المال غير الملموس"، مثل تطوير العمليات التنظيمية وإدارة البيانات وإعادة هيكلة المؤسسات، لا تزال محدودة، كما أن سوق العمل الأميركية لا تظهر تغيرات واسعة توحي بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يعيد تشكيل الاقتصاد الحقيقي.