إنقاذ أميركي مريب للين المتهاوي: واشنطن تتدخل عقب إخفاق طوكيو في وقف نزيف العملة
- يُعتقد أن التدخل الأميركي يهدف إلى منع اليابان من بيع سندات الخزانة الأميركية، مما قد يرفع الفائدة على الديون الأميركية، بالإضافة إلى رغبة إدارة ترامب في إضعاف الدولار لدعم المصدرين الأميركيين.
- التدخل يُعتبر حلاً مؤقتاً لبنك اليابان لفرض سياسات نقدية، لكن هناك مخاوف من أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية قد يشجع على بيع سندات الخزانة الأميركية.
لا تزال الأسواق تحاول فهم تدخّل وزارة الخزانة الأميركية الأكثر غرابة في تاريخها في سوق الصرف الأجنبي، يوم الجمعة الماضي، لشراء كميات ضخمة من الين الياباني تقدر بالمليارات. وقد انعكس هذا الإجراء المشترك مع بنك اليابان المركزي ارتفاعاً حاداً في قيمة الين أمام الدولار، من حوالي 164 يناً وهو أضعف مستوى له منذ عام 1986، إلى حوالي 156 يناً.
ودعم الين من قبل الولايات المتحدة الأميركية ليس الأول ولن يكون الأخير أيضاً. ففي عام 2011 باعت الين لوقف نزيف العملة اليابانية، بالتعاون مع دول مجموعة السبع، وعادة تقوم بالتنسيق مع بنوك مركزية أخرى لتغطية تدخلاتها، لكن هذه المرة قامت بهذه الخطوة منفردة لأول مرة منذ عام 1998.
وعنصر الغرابة لا يتوقف هنا، إذ إن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تعلن مسبقاً عن هذا التدخّل الذي حصل الجمعة، بل انتظرت حتى يوم الأحد الماضي للإقرار بدعمها للين، بينما كان يجري إبلاغ متداولي العملات في التدخلات السابقة عن احتمالات القيام بهذا الإجراء مسبقاً لا لاحقاً، ليكونوا مستعدين للتداعيات.
وكان مصور وكالة "رويترز"، قد التقط خلال اجتماع مجلس وزراء ترامب يوم الجمعة الماضي في كامب ديفيد، صورة لمفكرة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كُتب عليها عبارة: "المهام" متبوعة بـ"شراء الين الياباني بقيمة 5-10 مليارات دولار".
مصور "رويترز"، التقط خلال اجتماع مجلس وزراء ترامب الجمعة، صورة لمفكرة وزير الخزانة سكوت بيسنت كُتب عليها عبارة: "المهام" متبوعة بـ"شراء الين الياباني بقيمة 5-10 مليارات دولار"
ووفق تحليل الكاتب جيمي ماكجيفر لـ"رويترز"، فإن بيسنت مدير سابق لصناديق التحوّط، أمضى عقوداً في تداول العملات وساعد الملياردير جورج سوروس في "إسقاط" بنك إنكلترا من خلال رهان ناجح ضد الجنيه الإسترليني عام 1992. ومن المستبعد جداً أن يحتاج إلى ملاحظة لتذكيره باتخاذ مثل هذه الخطوة السياسية النادرة والمهمة، ما يثير تساؤلات حول سبب كتابته هذه العبارة بهذا الشكل.
كذا، فإن مبلغاً يتراوح بين 5 و10 مليارات دولار يُعدّ ضئيلاً للغاية، بعدما أنفقت اليابان أكثر من 36 مليار دولار في التدخل المشترك يوم الجمعة. وربما باعت ما يقارب 60 مليار دولار لشراء الين في 30 يوليو، وأكثر من 70 مليار دولار في وقت سابق من هذا العام. وما يزيد من عنصر الغرابة هو تمويل وزارة الخزانة الأميركية عمليات شراء الين هذه بعملة ثالثة، وهي اليورو في هذه الحالة، بدلاً من الدولار الأميركي.
في بيان صدر صباح الاثنين الماضي، قالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إن الإجراء جرى اتخاذه "عملاً بالبيان المشترك لوزيري المالية الأميركي والياباني الصادر في سبتمبر 2025، ولمواجهة التقلبات المفرطة والتحركات غير المنظمة في الين الياباني في الأشهر الأخيرة". وأكدت أن البلدين "لن يترددا في القيام بمزيد من التدخل المشترك".
ويقول ستيفن إنجلاندر، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية لمجموعة العشر في بنك ستاندرد تشارترد، لـ"رويترز"، إنه من الصعب فهم دوافع وزارة الخزانة الأميركية للتدخل الآن، خاصة بعد امتناع بنك اليابان عن رفع أسعار الفائدة في وقت سابق من يوم الجمعة. ولا يُعدّ الين، رغم ضعفه الشديد، القضية التجارية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للولايات المتحدة.
يشرح إنجلاندر: "إنه أمر محير. وإذا كنت ترغب في التدخل، فلن تحتاج إلى تصميم الرقصات". تصدر سؤال "لماذا؟" عناوين غالبية التقارير الدولية التي طاولت موضوع التدخل الأميركي بالين، إن كان من حيث الشكل أو المضمون. وحاول الخبراء من كل حدب وصوب الإجابة عن هذا السؤال.
وتعتبر اليابان في المرتبة الأولى ضمن قائمة أكبر المشترين والدائنين الأجانب لأدوات الدين الحكومية الأميركية وتتفوق على الصين وبريطانيا ودول الخليج. ويصل حجم حيازة اليابان لسندات وأذون الخزينة الأميركية حوالي 1.14 تريليون دولار، وفق أحدث البيانات الرسمية لوزارة الخزانة الأميركية لشهر مايو/ أيار الماضي. دخل الين أزمة الهبوط الكبرى أمام الدولار، ما زاد من احتمال حصول ضغوط بيع كبيرة للسندات الأميركية، ما سيؤدي إلى ارتفاع الفائدة التي تدفعها وزارة الخزانة الأميركية على ديونها. وهنا لاحظ المستثمرون رغبة في منع اليابان من بيع سندات الخزانة كجزء من جهودها لدعم الين.
بحسب صحيفة فاينانشال تايمز، فإن سندات الخزانة تعتبر أصولاً سائلة تستخدمها البنوك المركزية لدعم عملاتها، لكن الولايات المتحدة حساسة لأي مؤشرات على انخفاض الطلب على ديونها
يتضافر ذلك مع رغبة إدارة ترامب بإضعاف الدولار لدعم المصدرين الأميركيين. وتقليص العجز التجاري الأميركي المزمن، ما يجعل الولايات المتحدة أكثر قدرة على المنافسة مجدداً. وبالتالي جرى اعتبار التدخّل لدعم الين بمثابة تحذير أميركي جديد للمضاربين من بيع العملة اليابانية، كما أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية يعني ارتفاع العوائد على السندات الأميركية أيضاً، وتقليل الضغط يعني خفض الضغوط على سندات الدولتين معاً.
وبحسب صحيفة فاينانشال تايمز، فإن سندات الخزانة تعتبر أصولاً سائلة تستخدمها البنوك المركزية لدعم عملاتها، لكن الولايات المتحدة حساسة لأي مؤشرات على انخفاض الطلب على ديونها، في وقت وصلت فيه تكاليف الاقتراض طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007. ففي بداية الحرب الإيرانية، خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة لدى "الاحتياط الفيدرالي" إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012.
وثمة قلق منفصل يتمثل في أن ارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية نتيجة عمليات بيع إضافية للسندات قد يشجع المستثمرين اليابانيين المحليين على بيع سندات الخزانة وإعادة الأموال إلى الوطن. فيما يجادل براد سيتسر، الذي شغل منصب كبير مستشاري الممثل التجاري الأميركي من عام 2021 إلى عام 2022، لمجلة "تايم" الأميركية بأن ضعف الين من شأنه أن "يشجّع الشركات على مستوى العالم على الاستثمار في اليابان، بدلاً من الاستثمار في الولايات المتحدة"، موضحاً الأسباب المالية المحتملة.
وقال كينيث روغوف، أستاذ جامعة هارفارد وكبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي لـ "فاينانشال تايمز": "كانت خطوة ذكية للغاية، تُذكّر بخطة بيسنت لإنقاذ الأرجنتين، والتي حققت نجاحاً كبيراً".
وأضاف: "ما لم تكن وزارة الخزانة الأميركية مستعدة للاحتفاظ بكميات هائلة من الين -وهو ما سيمثل قطيعة جذرية- فإن خطوتها هي حل مؤقت لكسب المزيد من الوقت لبنك اليابان".
أشار تقرير لمؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، إلى أن التدخل المنسق بين الولايات المتحدة واليابان من المرجح أن يكون له تأثير طويل الأمد مقارنة بالتدخلات الأحادية السابقة لليابان، لكنه توقع أنه لن يكون كافياً لعكس اتجاه ضعف الين
وأشار تقرير صادر عن مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، جرت مشاركته مع مجلة تايم، إلى أن التدخل المنسق بين الولايات المتحدة واليابان من المرجح أن يكون له تأثير طويل الأمد مقارنة بالتدخلات الأحادية السابقة لليابان، لكنه توقع أنه لن يكون كافياً لعكس اتجاه ضعف الين.
وكتبت ريبيكا باترسون، وهي زميلة بارزة في مجلس العلاقات الخارجية لـ"الغارديان": "ضع نفسك مكان وزير الخزانة سكوت بيسنت. من مصلحته أن يفعل ما بوسعه لمساعدة اليابان على استقرار الين عاجلاً وليس آجلاً". وبالتالي، أصبح أمام بنك اليابان مزيد من الوقت لفرض سياسات نقدية تعيد السيطرة على العملة المحلية من دون بيع السندات، لكن الخطر الفعلي قد يتحقق في حال فشل هذه الخطوة، واستمرت الضغوط النقدية على حالها.