إنفيديا في مرمى الجميع: سباق شرائح الذكاء الاصطناعي يشتعل
استمع إلى الملخص
- بدأت شركات مثل أوبن إيه آي وميتا ومايكروسوفت في تطوير شرائح مخصصة، مما يغير ديناميكيات السوق، بينما تستثمر غوغل وأمازون في شرائح الذكاء الاصطناعي لتقديم حلول أكثر كفاءة.
- رغم مكانتها القوية، تواجه إنفيديا تحديات في تنوع الموردين والمنافسة، بالإضافة إلى قيود في السوق الصينية، لكنها تواصل الابتكار بإطلاق منتجات جديدة مثل "غريس بلاكويل".
حافظت شركة إنفيديا طيلة عقد كامل تقريبا على قبضة شبه كاملة على تجارة بيع الرقائق الحاسوبية المتقدمة التي تشغل التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي. مسلّحة بأكثر التصاميم تقدما لوحدات معالجة الرسوميات (GPUs)، ومستفيدة من وتيرة الابتكار السريعة في شركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية (Taiwan Semiconductor Manufacturing) التي تنتج 90% من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة في العالم، لتصبح إنفيديا مرادفا تقريبا لمعالجات الذكاء الاصطناعي.
ويتوقع معظم مراقبي القطاع في حديثهم لصحيفة وول ستريت جورنال اليوم السبت أن تفقد إنفيديا موقعها المهيمن في السوق مع ارتفاع الطلب، لكن الشركة تؤكد دوما أن أنظمتها الحاسوبية أكثر مرونة وتتمتع باستخدامات أوسع من الشرائح المخصّصة. لكن مع ارتفاع الطلب بوتيرة سريعة، لم تعد إنفيديا اللاعب الوحيد في الساحة.
وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لمح مؤسس شركة الاستشارات في بنية الذكاء الاصطناعي "سيمي أناليسس" ديلان باتيل، إلى أن الشعبية المتزايدة لرقائق غوغل قد تعني "نهاية هيمنة إنفيديا".
بداية تقليص الهيمنة
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال أن عملاء إنفيديا بدؤوا بالفعل يقلّصون هيمنتها عبر تطوير دوائر متكاملة مخصصة للتطبيق، وهي فئة من الرقائق تصمم بالتعاون بين شركات الذكاء الاصطناعي وشركات الشرائح الكبرى، وتُحسن أداء مهام حوسبة محددة بدقة.
وفي هذا الصدد أبرمت كل من "أوبن إيه آي" و"برودكوم" في أكتوبر/تشرين الأول 2025 شراكة بمليارات الدولارات لتطوير شرائح مخصصة تُلبي احتياجات الحوسبة لدى الشركة المطوِّرة لـ "تشات جي بي تي". وفي 30 سبتمبر/أيلول، أعلنت ميتا أنها ستستحوذ على شركة الشرائح الناشئة في تصميم الرقائق "ريفوس" (Rivos) لتعزيز جهودها في تطوير شرائح تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي داخل الشركة.
وقال كبير مسؤولي التكنولوجيا في مايكروسوفت، كيفن سكوت في أكتوبر/تشرين الأول خلال جلسة حوارية في فعالية "أسبوع التكنولوجيا الإيطالي" في إيطاليا، إن الشركة تخطط للاعتماد بشكل أكبر على شرائح التسريع المخصّصة التي تطورها بنفسها ضمن نشاط مراكز البيانات.
وفي 18 يوليو/تموز الماضي نشرت شركة الذكاء الاصطناعي التي أسسها إيلون ماسك "إكس إيه آي" (xAI) إعلانات توظيف لمهندسي شرائح للمساعدة في "تصميم وصقل هياكل عتادية جديدة" لدعم تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على صفحة الوظائف الرسمية للشركة.
تغير قواعد اللعبة
وأضحت هيمنة إنفيديا على السوق وضعا قابلا للتغير في أي لحظة، إذ نقلت وسائل إعلام أميركية دخول وافدين جدد إلى سوق تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي، من بينهم غوغل وأمازون اللتان بدأتا تتحدثان عن بيع أحدث شرائحهما التي تضاهي وحدات إنفيديا من حيث القوة والكفاءة لمجموعة واسعة من العملاء الخارجيين. فضلا عن دخول منافسين أصغر حجما مثل الشركة الأميركية لتصميم المعالجات "أدفانسد مايكرو ديفايسز" (Advanced Micro Devices - AMD)، والشركة الأميركية لشرائح الاتصالات ومعالجات الهواتف "كوالكوم" (Qualcomm) والشركة الأميركية المتخصصة في أشباه الموصلات وحلول الشبكات "برودكوم" (Broadcom)، هذه الشركات بدأت في طرح منتجات جديدة تتيح لها التركيز بشكل أكبر على حوسبة الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات. وحتى بعض أكبر عملاء إنفيديا، مثل شركة "أوبن إيه آي" (OpenAI) وميتا بدؤوا في تصميم شرائح مخصصة بهم، في تحد جديد لانتشار إنفيديا وهيمنتها.
ورغم أنه من غير المرجّح أن تواجه إنفيديا هجرة جماعية لعملائها، فإن سعي شركات الذكاء الاصطناعي لتنويع مورّديها قد يجعل من الأصعب على الشركة المتصدرة تحقيق معدلات النمو الفائقة في المبيعات التي اعتاد عليها المستثمرون. فخريطة السوق حاليا تتغير بسرعة كبيرة، فكل أسبوع يمر يكاد يشهد صفقة بنية تحتية تكنولوجية ضخمة جديدة أو إطلاق جيل جديد من رقائق الذكاء الاصطناعي القوية.
العمالقة الدخلاء
وفي الأسابيع الأخيرة، اشتدت المنافسة أكثر، فبفضل الجبال من السيولة التي تدرّها أنشطة أخرى، ضخّت وحدة غوغل التابعة لشركة ألفابت وذراع الحوسبة السحابية التابعة لأمازون، "أمازون ويب سيرفيسز" استثمارات كبيرة في رقائق الذكاء الاصطناعي، وتشهدان طلبا متزايدا عليها من العملاء الخارجيين.
وعلى مدى أكثر من عقد، صممت غوغل واستخدمت داخليا شرائح تعرف بوحدات "معالجة الموتر" (Tensor Processing Units)، وقد أتاحت الشركة هذه الشرائح للاستخدام من أطراف ثالثة لأول مرة عام 2018، لكن لسنوات لم تُطرح بشكل واسع أمام العملاء الكبار. واليوم عمالقة مثل ميتا و"أنثروبيك" و"آبل" يشترون أو يتفاوضون لشراء إمكانية الوصول إلى وحدات المعالجة هذه لتدريب وتشغيل نماذجهم.
أما أمازون فتوسّع حاليا "عنقودا" من مراكز البيانات لصالح "أنثروبيك" سيضم في النهاية أكثر من مليون شريحة "تراينيوم" من تصميم أمازون، كما أطلقت منصة "إيه دبليو إس" (AWS) مؤخرا بيعا أوسع لشرائح تقول إنها أسرع وتستهلك طاقة أقل بكثير من نظيراتها لدى إنفيديا.
المنافسون في الطريق
وأقدمت الشركة الأميركية لتصميم المعالجات "أدفانسد مايكرو ديفايسز" قبل ثلاث سنوات على تغيير مسار حاسم، لتدخل في تحد كلاسيكي ضد إنفيديا. ومع اتضاح أن الطلب على معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة يتجه للانفجار، قالت الرئيسة التنفيذية لـ"إيه إم دي" ليزا سو، لمجلس إدارتها إنها تخطط لإعادة توجيه الشركة بأكملها نحو الذكاء الاصطناعي، متوقعة أن يستمر "الطلب غير المشبع على القدرة الحاسوبية". وقد أثمرت هذه المغامرة حتى الآن بشكل كبير، إذ تضاعفت القيمة السوقية لـ"إيه إم دي" تقريبا أربع مرات لتتجاوز 350 مليار دولار، وأبرمت الشركة مؤخرا صفقات كبيرة لتزويد "أوبن إيه آي" وأوراكل بالشرائح.
ويرز مصمم شرائح آخر، هو "برودكوم" الذي كان في الماضي قسما من شركة الحواسيب والأجهزة الأميركية "هيوليت - باكارد" بدوره كمنافس قوي، إذ توسّعت "برودكوم" لتصبح وحشا بقيمة 1.8 تريليون دولار من خلال سلسلة من صفقات الاندماج الضخمة، وتنتج اليوم شرائح مخصصة تُعرف باسم "إكس بي يو أس" (XPUs)، تصمم لمهام حوسبة محددة، إضافة إلى عتاد شبكي يساعد مراكز البيانات على ربط أرفف الخوادم الضخمة بعضها بالبعض الآخر.
وواجهت شركة "إنتل" وهي من عمالقة وادي السيليكون الأوائل، فترة صعبة، إذ فوتت إلى حد كبير موجة الذكاء الاصطناعي نتيجة سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية، لكنها استثمرت مؤخرا بكثافة في نشاطي التصميم والتصنيع لديها، وتسعى الآن لاستقطاب عملاء لمعالجاتها المتقدمة لمراكز البيانات.
في ذات السياق شهد سهم شركة "كوالكوم" المعروفة أساسا بتصميم الشرائح للأجهزة المحمولة والسيارات، ارتفاعا بنسبة 20% بعد إعلانها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عن إطلاق شريحتي تسريع جديدتين للذكاء الاصطناعي، وقالت الشركة إن الشريحتين الجديدتين "AI200" و"AI250" تتميزان بقدرات ذاكرة عالية جدًا وكفاءة كبيرة في استهلاك الطاقة.
إنفيديا المتصدّر
هيمنة إنفيديا في قوة حوسبة الذكاء الاصطناعي جعلتها الشركة الأعلى قيمة سوقية في العالم، ودفعت رئيسها التنفيذي صاحب السترة الجلدية الشهيرة، جنسن هوانغ، إلى مرتبة أشبه بالنجومية، لدرجة أن المستثمرين يقرؤون بعناية كل كلمة ينطق بها هوانغ، ويتابعون نتائج الشركة الفصلية بوصفها مؤشرا على الحالة العامة لفقاعة الذكاء الاصطناعي.
بينما تصف إنفيديا نشاطها بأنه يتجاوز مجرد بيع رقائق، وتفضل الحديث عن "حلول خوادم على مستوى الرف" وتسمي مراكز البيانات التي تستخدم هذه الحلول "مصانع ذكاء اصطناعي"، لكن المنتج الأساسي الذي تقدّمه إنفيديا المتمثل في الحوسبة المعجّلة هو بالضبط ما تسعى إليه كل شركات الذكاء الاصطناعي.
وباعت إنفيديا من فبراير/شباط وحتى أكتوبر/تشرين الأول الماضي رقائق وروابط شبكية ومكوّنات عتاد أخرى تدعم نمو الذكاء الاصطناعي المتفجر بقيمة 147.8 مليار دولار، مسجلة ارتفاعا من 91 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق. في وقت تجاوزت فيه القيمة السوقية لإنفيديا في يوليو/تموز الماضي 4 تريليونات دولار، لتصبح أول شركة على الكوكب تحقق هذا الإنجاز، ثم تخطّت لفترة وجيزة عتبة 5 تريليونات دولار بعد خمسة أشهر، قبل أن تجتاح مخاوف من فقاعة محتملة قطاع الذكاء الاصطناعي، فتراجع سعر سهم إنفيديا مثل أسهم معظم منافسيها قليلا إلى مستويات أقرب إلى الواقع. وحتى بعد هذا التصحيح، ما زالت قيمة إنفيديا تزيد بأكثر من الضعف عن أقرب منافسيها مثل الشركة الأميركية لأشباه الموصلات وحلول الشبكات "برودكوم" التي تُقدّر قيمتها بـ1.8 تريليون دولار.
العمل على البقاء في الصدارة
لم تكن انطلاقة إنفيديا فخمة، ففي ما أصبح اليوم جزءا من أساطير عالم الشركات، أسّس هوانغ وكيرتس برييم وكريس مالاشوفسكي ثلاثة أصدقاء (جميعهم مهندسو كهرباء) الشركة عام 1993 أثناء تناولهم وجبة فطور في مطعم دينيز في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا. وكان هدفهم الأصلي تطوير رقائق قادرة على إنتاج رسوميات ثلاثية الأبعاد أكثر واقعية لأجهزة الكمبيوتر الشخصية.
وعلى عكس وحدات المعالجة المركزية (CPUs) التي تشغل معظم الحواسيب، تملك وحدات معالجة الرسوميات القدرة على الحوسبة المتوازية، أي تنفيذ ملايين أو مليارات المهام البسيطة في الوقت نفسه، وقد استخدمت في البداية من قبل مطوري ألعاب الفيديو، ثم أدركت إنفيديا لاحقا أن وحداتها مثالية للتعلم العميق والذكاء الاصطناعي.
وأطلقت إنفيديا في عام 2006 مكتبة "كودا" (CUDA)، وهي مكتبة برمجية خاصة تسمح للمطورين ببناء تطبيقات تعمل على شرائح الشركة وتشغيلها بسرعة أعلى، ومع تنامي الإقبال على تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح آلاف المطورين مرتبطين بشدة بنظام إنفيديا البيئي، الذي يجمع بين العتاد والبرمجيات.
وسرّعت إنفيديا وتيرة إطلاق كل جيل جديد من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ففي أواخر العام الماضي بدأت شحن سلسلة خوادم "غريس بلاكويل" (Grace Blackwell)، وهي أقوى معالجاتها للذكاء الاصطناعي حتى الآن، وتعتمد أحدث شرائحها، ونفدت الكميات تقريبا فور طرحها.
وفي مؤتمر عُقد في واشنطن العاصمة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قال هوانغ إن الشركة باعت حتى الآن ستة ملايين شريحة "بلاكويل" في عام 2025، وتلقت طلبات على 14 مليون شريحة أخرى، تمثل في مجموعها مبيعات بقيمة نصف تريليون دولار.
مع ذلك، ما تزال هناك تحديات، فقد مُنعت إنفيديا فعليا من بيع شرائحها في الصين خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو أمر إشكالي لأن هوانغ يؤكد أن هذه القوة العظمى المنافسة تضم نصف مطوري الذكاء الاصطناعي في العالم. ومن دون المليارات من المبيعات التي تمثلها السوق الصينية، سيتقيّد نمو الشركة، كما أن قطاع التكنولوجيا في الصين سيرتاد على الأرجح شرائح محلية الصنع بدلا من منتجات إنفيديا.