إنفاق المستهلكين والذكاء الاصطناعي يدعمان وتيرة نمو الاقتصاد الأميركي

30 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:18 (توقيت القدس)
أميركية في متجر ملابس بولاية فلوريدا، 10 سبتمبر 2023 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- استقرار النمو الاقتصادي الأمريكي في الربع الثاني مدعومًا بزيادة الإنفاق الاستهلاكي واستثمار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع تعزيز مستردات الضرائب لقدرة المستهلكين على مواجهة ارتفاع أسعار البنزين.

- تحديات الحرب مع إيران قد تهدد النمو في النصف الثاني من العام، حيث أظهرت البيانات انكماشًا في عجز تجارة السلع وثباتًا في مخزونات التجزئة، مما دفع بعض المؤسسات لخفض توقعاتها للنمو.

- تسارع الإنفاق الاستهلاكي بفضل مستردات الضرائب، بينما يستمر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بالنمو، مع انكماش في القطاعات التقليدية وتوقعات بارتفاع أسعار الفائدة للحد من التضخم.

من المرجح أن يكون الاقتصاد الأميركي قد حافظ على وتيرة نمو مستقرة خلال الربع الثاني من العام الجاري، مدعوماً بزيادة الإنفاق الاستهلاكي واستمرار الاستثمار التجاري القوي في المعدات المرتبطة ببناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن يُظهر تقرير الناتج المحلي الإجمالي الأولي، الذي تصدره وزارة التجارة، اليوم الخميس، أن الاقتصاد تجاوز إلى حد كبير تداعيات الحرب في المنطقة ويعود ذلك جزئياً إلى ارتفاع مستردات الضرائب هذا العام، التي شكّلت حاجزاً وقائياً للمستهلكين في مواجهة ارتفاع أسعار البنزين الناتج عن الحرب.

في المقابل، حذّر الاقتصاديون من أن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، والتي دخلت شهرها السادس، تمثّل خطرًا يهدد وتيرة النمو خلال النصف الثاني من العام. وقال جيمس نايتلي، كبير الاقتصاديين الدوليين في "آي إن جي": "كانت الولايات المتحدة أكثر عزلًا عن التداعيات الاقتصادية للصراع في الشرق الأوسط مقارنة بمناطق أخرى من العالم. فالمستهلك لا يزال ينفق، ولا تزال دورة الاستثمار التكنولوجي المحمومة التي نشهدها مستمرة."

وتوقّع استطلاع أجرته "رويترز" بين الاقتصاديين أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي قدره 2.1% خلال الربع الماضي، بما يتماشى مع وتيرة الربع الأول من العام (يناير/كانون الثاني-مارس/آذار)، فيما راوحت التقديرات بين حد أدنى 0.8% وحد أقصى 2.9%. غير أن هذا الاستطلاع أُجري قبل صدور تقرير المؤشرات الاقتصادية المتقدمة لشهر يونيو/حزيران، الذي أظهر انكماشاً معتدلاً في عجز تجارة السلع، وثباتاً في مخزونات التجزئة.

ترامب خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا 16/6/2026 (رويترز)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

وعلى إثر ذلك، خفض اقتصاديو "جي بي مورغان" توقعاتهم لنمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.5%، بعد أن كانوا يتوقعون سابقًا 2.0%. وقدّر الاقتصاديون أن التجارة الخارجية قد تخفض ما يصل إلى نقطة مئوية كاملة من نمو الناتج المحلي الإجمالي، فيما جاءت بيانات المخزونات مفاجئة وغير متوقعة.

نمو قوي في الطلب المحلي

من المتوقع أن يتسارع الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي الأميركي، بعد أن تباطأ بشكل مفاجئ إلى معدل 0.5% في الربع الأول. ويُعزى هذا التسارع، إضافة إلى مستردات الضرائب السخية الناتجة عن "مشروع القانون الجميل الكبير" الذي تقدم به الرئيس دونالد ترامب، إلى الإنفاق المتزايد من الأسر ذات الدخل المرتفع التي تستفيد من النمو القوي في أسعار الأصول. كما ساهمت بطولة كأس العالم التي اختُتمت مؤخراً في تحفيز الإنفاق، إلى جانب إنفاق المنظمات غير الربحية المرتبط بانتخابات منتصف الولاية. ومع ذلك، يتوقع الاقتصاديون تباطؤًا في الإنفاق الاستهلاكي مع تلاشي هذه العوامل الداعمة تدريجيًّا.

وقد ارتفعت أسعار البنزين إلى ما فوق 4 دولارات للغالون في المتوسط، وسط تجدد الأعمال التوترات في المنطقة. وفي ظل تآكل الأجور أمام التضخم، لجأت الأسر إلى استنزاف مدخراتها وتقليص ادخارها للحفاظ على مستوى إنفاقها، وهو وضع وصفه الاقتصاديون بأنه غير قابل للاستمرار على المدى الطويل، إذ اقترب معدل الادخار من أدنى مستوى له في أربع سنوات، مسجلاً 3.0%.

وقال جوزيف بريغز، الاقتصادي في "غولدمان ساكس": "بينما يبدو أن الزيادة الناتجة عن ارتفاع المستردات الضريبية وانخفاض المدفوعات الضريبية قد وفّرت دفعة بقيمة 140 مليار دولار لدخل الأسر خلال موسم تقديم الضرائب لعام 2026، نتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تآكل قوة الإنفاق الأسري خلال بقية العام، ولا سيما لدى الأسر ذات الدخل المنخفض التي تخصص حصة أكبر من ميزانيتها للطاقة." وتوقع بريغز أن يرتفع معدل الادخار إلى 3.5% بحلول نهاية العام، مدفوعًا بـ"دافع احترازي أقوى نحو الادخار."

من جهة أخرى، من المتوقع أن يسجَّل ربع آخر من النمو المزدوج في الإنفاق التجاري على المعدات، إذ لم تُظهر طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أي مؤشرات على التباطؤ، رغم مخاوف المستثمرين من أن تقييمات العديد من شركات التكنولوجيا باتت مرتفعة بشكل مجهد. وفي المقابل، يخفي هذا النمو السريع في الذكاء الاصطناعي ضعفًا في الاستثمار التجاري بالهياكل الإنشائية كالمصانع، والتي يُتوقع أن تكون قد انكمشت للربع العاشر على التوالي.

ومع ذلك، من المرجح أن تكون قوة الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الحكومي للأعمال قد رفعت مستوى الطلب المحلي خلال الربع الماضي، إذ ارتفعت المبيعات النهائية للمشترين المحليين من القطاع الخاص، التي تستثني الإنفاق الحكومي والتجارة الخارجية والمخزونات،  بمعدل 1.7% في الربع الأول.

ويراقب مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي هذا المؤشر من كثب، بعد أن خفض البنك المركزي الأميركي يوم الأربعاء سعر الفائدة القياسي الليلي إلى نطاق 3.50%-3.75%، فيما عارض ثلاثة أعضاء من لجنة وضع السياسات هذا القرار، مفضلين رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية. ويتوقع الاقتصاديون أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في أقرب وقت ممكن خلال سبتمبر/أيلول للجم التضخم، وهو ما ينعكس أيضًا على توقعاتهم بتباطؤ النمو خلال النصف الثاني من العام.

وقال براين بيثون، أستاذ الاقتصاد في كلية بوسطن: "سيصبح الاحتياطي الفيدرالي أكثر نفاد صبر تجاه التضخم بفعل هذه الحرب. لقد شهدنا بالفعل تشديداً فعلياً في السياسة النقدية بسبب تصاعد منحنى عائد سندات الخزانة، وارتفعت معدلات الرهن العقاري بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية منذ اندلاع الحرب.

ومن المتوقع أن يكون الاستثمار السكني، الذي يشمل بناء المنازل وبيعها، قد تقلص إلى الربع السادس على التوالي، فيما لم يُسجَّل ارتفاع في الإنفاق الحكومي المرتبط بالحرب، إذ ظلت نفقات الدفاع مستقرة نسبياً. وقال صموئيل تومبس، كبير الاقتصاديين الأميركيين في "بانثيون ماكرو إيكونوميكس": "استندت العمليات ضد إيران في معظمها إلى الأفراد والأصول العسكرية القائمة، وإلى استهلاك مخزونات الذخيرة السابقة، بدلًا من حملة تجنيد واسعة النطاق أو استثمار مكثف في معدات جديدة. وقد كان تأثير حرب الخليج 1990-1991 ملحوظًا بصعوبة في الحسابات الوطنية، رغم أنها كانت عملية عسكرية أكبر بكثير".

يرسم هذا المشهد صورة اقتصاد أميركي يسير على خطين متوازيين متباعدين: من جهة، طلب استهلاكي صامد ودورة استثمار محمومة في الذكاء الاصطناعي تمنحان الاقتصاد مناعة مؤقتة أمام تداعيات الحرب على إيران وارتفاع أسعار الطاقة؛ ومن جهة أخرى، مؤشرات تحذيرية متراكمة، من تآكل معدلات الادخار إلى تباطؤ متوقع في الإنفاق الأسري مع تلاشي الحوافز الضريبية، مروراً باستمرار انكماش الاستثمار في القطاعات التقليدية كالمصانع والعقارات السكنية.

(رويترز، العربي الجديد)