إغلاق الحكومة الأميركية: صدام حول الرعاية الصحية يهدد الاقتصاد
استمع إلى الملخص
- الإغلاق يؤثر على 750,000 موظف حكومي يوميًا، مع خسائر تقدر بـ 400 مليون دولار يوميًا، وقد يؤدي إلى ارتفاع البطالة وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي.
- توقفت بعض الخدمات الحكومية الأساسية، بينما تستمر الأنشطة الحيوية، ويجب على الكونغرس إيجاد حل لإقرار قانون إنفاق جديد.
استفاق الأميركيون فجر الأربعاء على شلل حكومي واسع النطاق، بعد أن توقفت مئات آلاف الوظائف وتعطلت خدمات عامة أساسية، إثر دخول إغلاق الحكومة الأميركية حيّز التنفيذ عند الساعة 12:01 صباحاً. هذا الإغلاق هو الخامس عشر منذ عام 1981، والثالث خلال ولايتي الرئيس دونالد ترامب، ويبدو أنه مرشّح لأن يكون من بين الأطول، مع تعمّق الانقسام بين الديمقراطيين والجمهوريين بشأن أولويات التمويل. يقوم الكونغرس في العادة بإقرار مشاريع الإنفاق السنوية، وتنتهي صلاحيتها مع نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر/أيلول.
وفي حال لم يتم التوصل إلى قانون تمويل جديد أو إلى تمديد مؤقت، تُحظر على الوكالات الفيدرالية أي نفقات إضافية، ما يضطرها إلى إغلاق أبوابها وتعليق أعمالها حتى صدور قانون جديد. الأزمة الحالية اندلعت بعد رفض مجلس الشيوخ مقترحاً جمهورياً للإنفاق قصير الأجل، كان من شأنه إبقاء الحكومة مفتوحة حتى 21 نوفمبر/تشرين الثاني.
ومع أن الجمهوريين يسيطرون على مجلسي الكونغرس والبيت الأبيض، إلا أنهم بحاجة إلى أصوات الديمقراطيين في مجلس الشيوخ لكسر الجمود الإجرائي. جوهر الخلاف هذه المرة يتمحور حول تمويل الرعاية الصحية. الديمقراطيون رفضوا مقترح إنفاق قصير الأجل بسبب رفض الجمهوريين تمديد فترة استحقاقات الرعاية الصحية لملايين الأميركيين، والتي تنتهي بنهاية العام. إذ في حال لم يتم اتخاذ أي إجراء، ستسقط الإعفاءات الضريبية التي تخفّض أقساط التأمين بموجب "أوباما كير" بحلول 31 ديسمبر/كانون الأول، ما يعني زيادات حادة في كلفة التأمين لنحو 20 مليون حامل بوليصة.
أما الجمهوريون، فيرون أن هذا الملف يجب التعامل معه بشكل منفصل عن قانون التمويل الحكومي. الخلاف الراهن يتعلّق بتخصيص 1.7 تريليون دولار لتمويل عمليات الهيئات الحكومية، أي ما يقارب ربع الميزانية الفيدرالية البالغة سبعة تريليونات دولار. الجزء الأكبر من الموازنة يُوجَّه لبرامج الرعاية الصحية والتقاعد، إضافة إلى خدمة الدين العام المتفاقم الذي وصل إلى 37.5 تريليون دولار.
منذ اللحظة الأولى لدخول الإغلاق حيّز التنفيذ، تبادل الطرفان المسؤولية. البيت الأبيض نشر على موقعه الإلكتروني عبارة: "الديمقراطيون أغلقوا الحكومة"، بينما أصدر زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشارلز شومر بياناً قال فيه إن "ترامب والجمهوريين أغلقوا الحكومة الفيدرالية لأنهم لا يريدون حماية الرعاية الصحية للشعب الأميركي". هذا التصعيد سبقته لقاءات بين شومر وزعيم الأقلية في مجلس النواب الديمقراطي حكيم جيفريز مع ترامب، طالبا خلالها بتمديد إعانات التأمين الصحي والتراجع عن التخفيضات التي طاولت شبكة الأمان الاجتماعي ضمن ما وصفه ترامب بـ"مشروع القانون الكبير الجميل" للبيت الأبيض.
الجمهوريون رفضوا الطلب، بل ذهب نائب الرئيس جي دي فانس إلى اتهام الديمقراطيين باحتجاز الحكومة "رهينة" لتحقيق مكاسب في ملف الرعاية الصحية. وصعّد ترامب من لهجته قائلاً: "يمكننا أن نفعل أشياء أثناء الإغلاق لا رجعة فيها، مثل استبعاد أعداد كبيرة من الموظفين، وتقليص الخدمات والبرامج التي يحبها الديمقراطيون".
وأضاف: "بفضل الإغلاق يمكننا إنجاز إصلاحات طبية وخفض رواتب أعداد كبيرة من الناس. لا نريد ذلك، لكننا لا نريد الاحتيال والإهدار". هذه التهديدات، بحسب محللين مستقلين، قد تطيل أمد الإغلاق مقارنة بالإغلاقات السابقة، إذ توحي بأن الإدارة تنوي استخدام الأزمة وسيلةً لتسريح المزيد من الموظفين إضافة إلى نحو 150 ألف عامل يغادرون الخدمة اعتباراً من الأول من أكتوبر ضمن برامج الاستقالة المؤجلة في مبادرة إيلون ماسك "DOGE".
تداعيات إغلاق الحكومة الأميركية
ومع موجات التقاعد المبكر والتسريح السابقة، يُخشى أن يؤدي ذلك إلى ركود اقتصادي في مناطق تعتمد بشكل أساسي على الإنفاق الفيدرالي. رداً على خطط الإدارة، رفعت نقابتان تمثلان عمال الحكومة دعاوى قضائية ضد ترامب، معتبرتين أن عمليات التسريح الجماعي أثناء الإغلاق "غير قانونية".
يرجّح محللو الاقتصاد أن الإغلاق الحالي سيترك انعكاسات مباشرة على سوق العمل والقطاعات الاقتصادية، وذلك وفق ما تم تسجيله من تداعيات خلال فترات الإغلاق السابقة، منها ثلاثة في عهد ترامب، الأول كان في يناير 2018 بسبب خلاف حول تمويل برنامج متعلق بحماية الشباب الذين دخلوا الولايات المتحدة أطفالا من الترحيل، وإغلاق قصير في فبراير 2018 بسبب الخلاف حول الإنفاق الدفاعي وبعض البرامج الاجتماعية ومنها الرعاية الصحية، ثم الإغلاق الطويل بين ديسمبر 2018 ويناير 2019 لمدة 34 يوماً، وهو الأطول في تاريخ الولايات المتحدة، بسبب الخلاف حول تمويل بناء الجدار الحدودي مع المكسيك.
وفق تقديرات "بلومبيرغ إيكونوميكس"، فإن استمرار الإغلاق لثلاثة أسابيع قد يرفع معدل البطالة من 4.3% المسجل في أغسطس/آب إلى ما بين 4.6% و4.7%، إذ يُحتسب الموظفون المسرَّحون مؤقتاً ضمن العاطلين عن العمل. ومن المتوقع أن يقلل كل أسبوع من الإغلاق معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي بنسبة حوالي 0.1%. وبالنظر إلى متوسط النمو 1.8% في النصف الأول من 2025، قد يؤدي استمرار الإغلاق لثلاثة أسابيع إلى خسارة تراكمية تتراوح بين 0.3% و0.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق تحليلات أي بي سي نيوز.
ومن المتوقع أن يتأثر حوالي 750,000 موظف حكومي يوميًا بالتسريح المؤقت، ما يؤدي إلى خسارة تقدر بـ 400 مليون دولار يوميًا من الأجور. وعلى الرغم من إلزام الحكومة بدفع الأجور لاحقًا، فإن هذا الفقدان الفوري يؤثر على دخول الأسر وإنفاق المستهلكين. كما حذرت رابطة السفر الأميركية من أن الإغلاق قد يكلف قطاع السفر نحو مليار دولار أسبوعيًا بسبب تعطّل رحلات الطيران والقطارات وإغلاق الحدائق الوطنية والمتاحف.
وقد كلف الإغلاق الكبير الأخير في الفترة 2018-2019 الاقتصاد 11 مليار دولار، منها 3 مليارات دولار خسائر دائمة. وهذا العام، أصبح الاقتصاد أكثر هشاشة، مما يزيد من خطورة آثار الإغلاق.
تأثر عمل الوزارات والإدارات
وستبقى السفارات والقنصليات الأميركية مفتوحة، لكن المنح الجديدة والسفر والفعاليات العامة ومعظم الأنشطة السياسية ستتوقف. وزارة العدل ستواصل العمل عبر نحو 90% من موظفيها البالغ عددهم 115 ألفاً، بينما ستتوقف إدارات أخرى مثل مكافحة المخدرات ومكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات عن جزء من مهامها.
أما وزارة التجارة، فستستمر في تحقيقاتها المرتبطة بالرسوم الجمركية لدوافع الأمن القومي، في حين يتوقف مكتب الإحصاء ومكتب التحليل الاقتصادي عن جمع البيانات، ما يعني تعليق تقارير أساسية حول الناتج المحلي الإجمالي والتضخم وتدفقات التجارة. وزارة الصحة والخدمات الإنسانية بدورها ستسرّح أكثر من 32 ألف موظف، وتتوقف مراكز "ميديكيد" عن معالجة طلبات المرضى، فيما تعلق إدارة الغذاء والدواء قبول طلبات الأدوية الجديدة. وفي وزارة التعليم، التي استهدفتها محاولات ترامب السابقة للإغلاق الكامل، سيُسرّح نحو 87% من موظفيها، وسيتوقف مكتب الحقوق المدنية عن التحقيقات المتعلقة بالجامعات والمدارس.
وفي القطاع الزراعي، ستُعطل معظم قروض المزارع والمنح الريفية، باستثناء عمليات تفتيش سلامة الأغذية التي ستستمر. أما إدارة معلومات الطاقة، فستوقف إصدار بياناتها، في حين تعلّق هيئة تنظيم الطاقة النووية تراخيصها وعمليات التفتيش، مع استمرار الإدارة الوطنية للأمن النووي في أنشطة المفاعلات والأسلحة. وستستمر بعض البرامج مثل قروض الكوارث وإعفاءات "برنامج حماية الرواتب"، لكن قروض الشركات الصغيرة الجديدة، والتدريب على ريادة الأعمال، وبرامج التصدير ستتوقف. وكالة "ناسا" ستسرّح نحو 80% من موظفيها، وستعلّق برامج التوعية وزيارات الجمهور.
هيئة الأوراق المالية والبورصات ستُبقي أقل من 400 موظف فقط يركزون على إنفاذ القوانين العاجلة، مع وقف مراجعة الاكتتابات العامة وإقرارات الشركات، فيما ستعمل لجنة تداول السلع الآجلة بعدد قليل من الموظفين للإشراف الأساسي على الأسواق، مع تعليق معظم أنشطتها الأخرى. وبخلاف هذه المؤسسات، يبقى الاحتياطي الفيدرالي بمنأى عن الأزمة كونه يُموَّل من الرسوم المصرفية لا من الضرائب.
في المقابل، يستمر أعضاء الكونغرس في تقاضي رواتبهم بموجب الدستور، بينما يتعين عليهم إيجاد صيغة لإقرار قانون إنفاق جديد لإعادة فتح الحكومة. أما السلطة القضائية، فيمكنها الاستمرار حتى 3 أكتوبر/تشرين الأول باستخدام احتياطيات الرسوم، قبل أن تُقلص أعمالها إلى المهام الدستورية والطارئة.