إغلاق الحكومة الأميركية: التأثيرات وما تريده إدارة ترامب من ورائه
مبنى الكابيتول الأميركي خلال إغلاق الحكومة، 1 أكتوبر 2025 (سلوان جورج/ Getty)
منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، دخلت الولايات المتحدة في إغلاق الحكومة الفيدرالية مجدداً، وسرعان ما تجاوز كونه أزمة تمويلية عابرة ليتحوّل إلى صراع متعدد الأبعاد بين البيت الأبيض والكونغرس.
وفي حين كانت الإغلاقات السابقة مجرد أوراق ضغط تفاوضية، يتعامل الرئيس دونالد ترامب اليوم مع هذا الإغلاق بوصفه فرصة لإعادة صياغة دور الدولة الفيدرالية، تقليص جهازها الإداري، وإعادة رسم أولويات الإنفاق بما يخدم أجندته السياسية والاقتصادية. وبينما يواجه ذلك تحديات قانونية وضغوطاً من المعارضة الديمقراطية، فإن الأسواق المالية والمواطنين الأميركيين باتوا في صميم تداعيات هذا التعطيل.
وبحسب بلومبيرغ، شهدت الولايات المتحدة أكثر من 20 إغلاقاً حكومياً منذ سبعينيات القرن الماضي. لكن أبرزها في العقد الأخير كان عام 2013 عندما خاض الجمهوريون معركة ضد برنامج "أوباماكير"، وعام 2018 عندما دخلت البلاد في أطول إغلاق حكومي بتاريخها (35 يوماً) بسبب خلاف حول تمويل جدار ترامب الحدودي مع المكسيك.
وما يميز الإغلاق الحالي أنه لا يُستخدم فقط باعتباره ورقة تفاوضية، بل مشروعاً متكاملاً لإعادة هيكلة الدولة، عبر الدمج بين الإغلاق الإداري وإجراءات تسريح دائمة، مع ربط التمويل الفيدرالي بولاء الولايات أو تقاطعها مع سياسات ترامب.
إغلاق الحكومة وأبعاده السياسية والاجتماعية
سياسياً، يعزز الإغلاق خطاب ترامب القائم على مواجهة "الدولة العميقة" واتهام الديمقراطيين بعرقلة إصلاحاته. كما أنه يُستخدم سلاحاً انتخابياً لإظهار حزمه في ضبط الإنفاق، رغم الكلفة الاجتماعية.
أما اجتماعياً، فمئات آلاف الموظفين الفيدراليين يعيشون حالة عدم يقين مالي، بينما تتعطل الخدمات العامة، من إصدار جوازات السفر إلى متابعة القضايا القضائية. هذه الضغوط قد تزيد الاحتقان الشعبي وتؤثر على نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة، خصوصاً في الولايات المتأرجحة.
سندات الخزانة الأميركية تعكس قلق الأسواق
في هذا الصدد، تقول شركة دبل لاين كابيتال (DoubleLine Capital) إن واحداً من أكثر رهانات المستثمرين شعبية هذا العام، أو ما يعرف بـ"انحدار المنحنى" (Curve Steepener)، يجد دعماً إضافياً من الإغلاق الحكومي. الفكرة تقوم على أن العوائد طويلة الأجل سترتفع أسرع من العوائد القصيرة، بسبب تضخم العجز المالي وتراجع ثقة المستثمرين باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي.
ومنذ سبتمبر/أيلول المنصرم، فقد هذا الرهان زخمه بعض الشيء، لكن الإغلاق الأخير أنعشه مجدداً، خصوصاً مع تأجيل نشر بيانات حيوية مثل تقرير الوظائف الشهري. النتيجة المباشرة: مزيد من التقلب في سوق السندات، ومخاوف من ارتفاع تكلفة الاقتراض الحكومي في وقت يتضخم الدين العام الأميركي.
إغلاق الحكومة يهدّد الموظفين الفيدراليين
وعلى عكس الإغلاقات السابقة التي اكتفت بوضع الموظفين في إجازة مؤقتة غير مدفوعة، يدفع البيت الأبيض هذه المرة باتجاه تسريحات دائمة عبر ما يُعرف بالتخفيضات في القوة العاملة (RIFs). مدير الميزانية راسل فوت بعث مذكرات للوكالات الفيدرالية تحثها على استخدام الإغلاق كفرصة لإعادة هيكلة مؤسساتها.
لكن هذه الخطوة أثارت نزاعاً قضائياً واسعاً؛ فقد رفعت النقابات العمالية دعاوى أمام المحاكم، معتبرة أن انقطاع التمويل لا يبرر المساس ببنية جهاز الدولة على نحو دائم. الخلاف القانوني يتركز حول ما إذا كان يحق للرئيس أن يستغل ثغرات في قانون "أنتيديفيشنسي أكت" (Antideficiency Act) الذي يحدد مهام الموظفين أثناء الإغلاقات، لتمرير خطة تقليص جهاز الدولة.
وتُظهر خطة الطوارئ للإغلاق الحالي فارقاً جوهرياً عن خطط سابقة. ففي إغلاق 2018 مثلاً، تم تسريح نحو 61% من موظفي البيت الأبيض مؤقتاً، بينما انخفضت النسبة الآن إلى 32% فقط. اللافت أن إدارة ترامب أبقت على 45 موظفاً في "وزارة كفاءة الحكومة" (DOGE) التي أسسها إيلون ماسك، رغم مغادرته المشهد، ما يعكس أولوية الحفاظ على البرامج المرتبطة بخفض الإنفاق وإعادة الهيكلة.
وفي الوقت نفسه، تضاعف عدد العاملين في المقر الرئاسي مقارنة بإغلاق 2018، مع تخصيص تمويل طويل الأجل لبعض المكاتب. هذه الانتقائية في تعريف من هو "أساسي" ومن هو "غير أساسي" تثير انتقادات حول تسخير الإغلاق لخدمة أجندة سياسية محددة.
إغلاق الحكومة يجمّد المليارات لمشاريع البنى التحتية والطاقة
لم تقتصر تداعيات الإغلاق على الإدارة الفيدرالية، بل طاولت مشاريع كبرى في ولايات ديمقراطية. أبرز الأمثلة ما حصل في شيكاغو حيث أعلن البيت الأبيض تعليق تمويل بقيمة 2.1 مليار دولار لمشاريع النقل، تشمل تمديد خط المترو الأحمر وتجديد البنية التحتية لخطوط حيوية. وفي نيويورك، جُمّد أكثر من 18 مليار دولار لمشاريع البنية التحتية، إضافة إلى ثمانية مليارات للطاقة النظيفة في ولايات ديمقراطية أخرى.
وبررت وزارة النقل ذلك بمراجعة العقود التي اعتبرتها "تمييزية أو غير قانونية"، لكن خصوم ترامب يرون أنها أداة لمعاقبة الولايات المعارضة، وإعادة توجيه التمويل نحو أولويات البيت الأبيض.