استمع إلى الملخص
- تواجه الحكومة تحديات اقتصادية كبيرة، منها تدهور البنية التحتية وأزمة نقدية حادة، بالإضافة إلى العقوبات الدولية التي تعقد الوضع وتؤخر عودة اللاجئين والاستثمارات، بينما يعاني السكان من الفقر والبطالة.
- تقترح الحكومة سياسات للتعافي الاقتصادي تشمل إصدار "سندات التعافي"، دعم القطاع الزراعي، وإصلاح البنية التحتية، مع التركيز على التعاون بين الحكومة والشعب لتحقيق الاستقرار والازدهار.
أنهى السوريون عيدهم الأول بعد سقوط النظام على وقع تشكيل الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تضم 23 وزيراً من مختلف المشارب والأطياف، وتهدف إلى قيادة البلاد خلال مرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات، تركز على إعادة بناء المؤسسات وتحقيق الاستقرار.
لا يختلف أحد على أن اقتصاد سورية اليوم في حالة شلل تام تقريباً، حيث تدهورت البنية التحتية، وانهارت القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والطاقة، كذلك انهارت القوة الشرائية وفقدت الليرة 99% من قيمتها، وتقدر الخسائر الاقتصادية الناتجة من الصراع بأكثر من 300 مليار دولار. هذا الدمار لم يقتصر على الماديات فقط، بل طاول رأس المال البشري، مع هجرة ملايين السوريين وتدهور مستوى المعيشة، حيث يعيش 80% من السكان تحت خط الفقر، وفوق هذا كله هناك العقوبات الغربية الأقسى التي تحيط بسورية من كل جانب.
في ظل هذا الواقع، تقع على الوزارة الجديدة مسؤولية وضع استراتيجية تجمع بين الاستجابة العاجلة للأزمات وإرساء أسس التعافي المستدام، ونجاح الوزارة في هذه المهمة يعتمد على قدرتها على صياغة رؤية اقتصادية عملية تواجه هذه التحديات بموارد محدودة. تحديات اقتصادية وأزمات مركبة تواجه وزارة الاقتصاد والصناعة بقيادة نضال الشعّار، تحديات متراكمة تعكس سنوات من الحرب والفساد وسوء الإدارة.
لعلّ أبرز تلك التحديات تدهور البنية التحتية الذي يشكل عائقاً رئيسياً أمام أي نهضة اقتصادية منشودة، حيث تضرر أكثر من 50% من شبكة الطرق والمواصلات كلياً أو جزئياً وخصوصاً في المناطق الريفية والحيوية، وخرجت 30 - 40% من شبكات المياه والصرف الصحي عن الخدمة بسبب القصف والإهمال.
وفقدت المنظومة الكهربائية أكثر من 80% من قدرتها التشغيلية تزامناً مع تعرض أكثر من 50% من محطات التوليد للدمار أو التخريب، وكذلك الحال بالنسبة إلى قطاع المحروقات، حيث فقدت الدولة السيطرة على أكثر من 90% من حقول النفط والغاز الواقعة شمال شرقي سورية.
التحدي الثاني مرتبط بالأزمة النقدية الحادة التي تهدد الاستقرار الاقتصادي، إذ يعاني النظام المصرفي من نقص السيولة، وعدم استقرار في سعر الصرف من جرّاء الجفاف في احتياطيات العملة الأجنبية والاعتماد على السوق السوداء. ومن ثمّ هناك العقوبات التي تحول دون وصول تحويلات المغتربين الخارجية عبر القنوات الرسمية، ما يفاقم الأزمة ويحد من تمويل مشاريع التعافي.
التحدي الثالث مرتبط بالقطاع الصناعي الذي يعاني من تشوهات هيكلية، حيث كان يعتمد على دعم الدولة قبل الحرب، لكن الفساد والبطالة المقنعة وسوء الإدارة جعلت شركات القطاع العام عبئاً، بينما يفتقر القطاع الخاص إلى التمويل والبيئة التنافسية والتحديث ويغلب عليه مكون العائلة بنسبة كبيرة، ويحد نقص المحروقات والكهرباء من تنافسية المنتج المحلي بشكل كبير.
التحدي الرابع مرتبط بالعقوبات الدولية التي تشكل العائق الأكبر، فبينما تطالب الدول الغربية بشروط لرفعها، فإن هذه الشروط تطيل أمد الأزمة الاقتصادية، ما يؤخّر عودة اللاجئين والاستثمارات وحركة الأموال وتعافي الاقتصاد بالعموم. آخر التحديات التي يمكن الحديث عنها، الفقر والبطالة، إذ يشكلان ضغطاً شعبياً متزايداً، حيث ارتفعت تكلفة المعيشة، وانخفضت القوة الشرائية، ووصلت البطالة إلى مستويات قياسية قاربت الـ50%. هذا الوضع يهدد باضطرابات اجتماعية إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة. خطة قصيرة الأمد خلال العامين القادمين لا شكّ أن المهمة صعبة، لو وضع أي شخص مكان وزير الاقتصاد السوري سيدرك أن المهمة ليست سهلة منذ اليوم الأول، هناك عشرات السياسات والقرارات والإجراءات التي يمكن اتخاذها، الاقتراح والكتابة أمر سهل، لكن التطبيق على أرض الواقع أمر بالغ الصعوبة، وعليه لا أدّعي أن هذه السياسات تشكل عصى سحرية للخروج من الأزمة بقدر ما تخرج سورية من عنق الزجاجة.
يدرك معظمنا أن مرحلة التعافي الاقتصادي مدخل إلى إعادة الإعمار، تحتاج سورية ووزارة الاقتصاد اليوم إلى إدارة عقلانية للموارد المتاحة، تقوم على مبدأ الأولوية الاستراتيجية، لا على الانفعال مع الضغوط الآنية. فعلى الحكومة الانتقالية أن تُركّز في العامين الأولين على تعبئة الموارد التي تمتلك سيادة مباشرة عليها، والتي يمكن أن تُنتج أثراً مالياً سريعاً يتيح تنفيذ الإصلاحات العاجلة، مع تجنب الدخول المبكر في الملفات المعقدة سياسياً أو دولياً.
ومن هذا المنطلق يمكن العمل على السياسات التالية سواء بشكل منفصل أو متوازٍ، خلال العامين، الحالي 2025، والقادم 2026، للتركيز على الاستقرار والتعافي. أولى تلك الخطوات التي يمكن العمل عليها، استعادة الاستقرار النقدي، ففي ظل الجفاف النقدي والعقوبات، يمكن تفعيل دور المغتربين عبر إصدار "سندات التعافي" بالدولار تُباع للسوريين في الخارج مع سعر فائدة رمزية، ما قد يجلب مئات الملايين سنوياً.
وإطلاق سياسات نقدية من المصرف المركزي تتيح مرونة في تداول العملات الأجنبية، وتقليل الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، وأيضاً فتح قنوات التفاوض مع دول الجوار كالعراق وتركيا والأردن ولبنان للتجارة بالعملات المحلية بما يخفف الضغط على الاحتياطيات الأجنبية. يمثل القطاع الزراعي أولوية قصوى، نظراً لقدرة الحكومة على التأثير المباشر فيه، ولقابليته العالية لإنتاج نتائج سريعة بأقل التكاليف نسبياً. وذلك عبر دعم الفلاحين بالبذور والأسمدة، وتوفير قروض صغيرة، وتشجيع التسويق المحلي، يمكن لدعم الزراعة أن يحرك العجلة الإنتاجية في الأرياف خلال فترة وجيزة، ويوفر الغذاء بأسعار أقل، ما يخفف الضغط عن المدن، ويقلل الحاجة إلى الاستيراد، ويخلق دورة نقدية محلية تعزز السيولة.
إذا قررت الوزارة إصلاح وترميم البنية التحتية وحدها، قد تستمر سنوات عدّة لإعادة الأوضاع لما كانت عليه وسيستهلك منها ميزانيات مالية طائلة، لذا بدلاً من الاعتماد على موارد مالية شحيحة، يمكن عقد شراكات مع القطاع الخاص المحلي لتشغيل محطات الكهرباء مقابل إعفاءات ضريبية، واستخدام الموارد المحلية، كإعادة تدوير المعدات التالفة وتشغيل مصانع الإسمنت بطاقة محدودة، بما يقلل التكاليف، والتفاوض مع دول محايدة، كالهند لتقديم خبراء ومعدات كمساعدات تقنية ومالية. ولتخفيف الضغط على مؤشرات الفقر والبطالة، من الممكن العمل على مواجهة الضغط الشعبي، من خلال توزيع حصص غذائية من المخزونات المحلية أو مساعدات الأمم المتحدة، وإطلاق برامج عمل مؤقتة كإزالة الأنقاض بأجور يومية.
كذلك إن دعم الزراعة وضمان شراء المحاصيل سيوفران فرص عمل كبيرة ويخفّضان الأسعار في الأسواق المحلية، ومن شأن إطلاق برنامج قروض ميسرة للمشاريع الصغيرة، مع تبسيط التراخيص وتسريعها، أن يشكل عاملاً هاماً في تحفيز الإنتاج وخلق فرص عمل سريعة، مع التركيز على الصناعات الغذائية لتلبية الاحتياجات المحلية. أخيراً، يُمثل الملف الاقتصادي أحد أعقد التحديات التي تواجه الحكومة السورية الحالية.
فقد خلّفت الحرب والعقوبات اقتصاداً مشلولاً تقريباً، مع تدهور البنية التحتية، وانهيار القطاعات الإنتاجية، وتفاقم الفقر والبطالة بنسب غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن السياسات المقترحة، مثل استعادة الاستقرار النقدي عبر سندات التعافي، ودعم القطاع الزراعي بقروض ميسرة وبذور مدعومة، وإصلاح البنية التحتية من خلال شراكات محلية، بالإضافة إلى برامج عمل مؤقتة لتخفيف الضغط الشعبي، تُشكل خطوات أولية حيوية للخروج من عنق الزجاجة.
يعتمد نجاح هذه الجهود على تحقيق توافق داخلي، وإدارة الموارد المحدودة بحكمة، وإطلاق مشروع اقتصادي وطني بالتعاون بين وزارة الاقتصاد وغرف التجارة والصناعة والفعاليات الاقتصادية والقطاع الخاص والمنظمات المحلية ذات الشأن. ولا بدّ دوماً من التشديد على نقطة أن الطريق أمام سورية شاق، لكن مع العمل الجاد والتعاون بين الحكومة والشعب، سيتحقق الاستقرار والازدهار وتبني الدولة نموذجها الخاص بها.