إضراب القطاع الخاص في صفاقس: غلاء المعيشة يلتهم الرواتب
استمع إلى الملخص
- تتجه السلطات التونسية لإلغاء المفاوضات التقليدية مع النقابات، وتخطط لصرف زيادات الرواتب بين 2026 و2028 بأوامر حكومية، مما يثير قلق النقابات المعتادة على جولات مفاوضات دورية.
- يعارض اتحاد الصناعة والتجارة بصفاقس الإضراب، مشيراً إلى تأثيره السلبي على الاقتصاد، بينما يعاني التونسيون من تراجع القدرة الشرائية بسبب التضخم وزيادات الرواتب المحدودة.
من المقرر أن يخوض القطاع الخاص في محافظة صفاقس (جنوب شرق تونس)، اليوم الثلاثاء، إضراباً عاماً شاملاً، احتجاجاً على حرمان آلاف العمال من حق الزيادة في الرواتب في القطاع الخاص، في ظل غلاء متواصل للمعيشة التهم أجورهم الهزيلة.
وفي المقابل، اتجهت السلطة نحو إلغاء المفاوضات الاجتماعية مع النقابات، والمرور مباشرة إلى تعديل الأجور بمقتضى أمر حكومي.
وأعلن الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس أن ما لا يقل عن 68 مؤسسة في القطاع الخاص ستنفذ، الثلاثاء، إضراباً عاماً شاملاً، حيث سيتوقف العمل بشكل كامل في المؤسسات المنخرطة في الإضراب. وصفاقس هي ثاني أكبر قطب صناعي وتجاري في تونس، ما يجعل الإضراب العمالي فيها مؤثراً في سير العمل والوضع الاقتصادي العام في البلاد.
أجور لا تحقق العيش الكريم
وقبل المضي نحو تنفيذ الإضراب العام، طالب الاتحاد الجهوي بصفاقس مؤسسات القطاع الخاص بتنفيذ التزاماتها تجاه موظفيها، والجلوس إلى طاولة المفاوضات، من أجل توقيع اتفاقات قطاعية تفضي إلى تعديل الرواتب للعام الحالي.
ويطالب الاتحاد العام الجهوي للشغل، وفق كاتبه العام محمد عباس، بزيادة لا تقل عن 12% في رواتب الموظفين والعمال في المؤسسات الخاصة المشمولة بالإضراب، مؤكداً أن متوسط أجور هؤلاء لا يتعدى 750 ديناراً، وهي أجور لا تحقق الحد الأدنى من العيش الكريم، وفق تصريحه لـ"العربي الجديد".
وقال عباس إن "الاتحاد الجهوي مضى نحو تنفيذ الإضراب العام في القطاع الخاص، بسبب توقف مفاوضات الزيادة في الأجور منذ مايو/أيار الماضي بقرار سياسي، مؤكداً أن النقابات لن تتنازل عن حقها في لعب دورها الأساسي بالتفاوض حول حقوق العمال المادية والمهنية".
وأكد المسؤول النقابي في صفاقس أن العديد من المؤسسات الخاصة في الجهة استجابت بشكل طوعي لتعديل الرواتب للعام الحالي، ووقعت اتفاقات زيادة في الأجور، بينما ترفض مؤسسات أخرى تمكين العمال من حقوقهم الأساسية، لتحسين وضعهم المعيشي، في ظل ارتفاع صاروخي للأسعار، وتدني القدرة الشرائية للعمال إلى أدنى مستوياتها تاريخياً.
وأضاف: "يُحرم طيف واسع من القطاع الخاص من حق الزيادة في الرواتب التي تمتع بها موظفو القطاع الحكومي"، معتبراً أن النقابات تدافع عن حق التكافؤ بين جميع العمال في الحصول على زيادات سنوية في الأجور. ودافع عباس عن حق النقابات في الحفاظ على دورها التاريخي في التفاوض حول الزيادات في الأجور والدفاع عن حقوق الشغالين، لافتاً إلى أن الإضراب العام سيشمل قطاعات حيوية في الكيمياء والنفط والصناعات الغذائية والمطاحن والمعادن.
السلطات تتجاهل المفاوضات
لكن سلطات تونس تتجه بداية من عام 2026 إلى صرف زيادات الرواتب لموظفي القطاعين الحكومي والخاص، خلال السنوات الثلاث المقبلة، من دون إجراء مفاوضات مع النقابات العمالية، وذلك لأول مرة منذ سبعينيات القرن الماضي.
وقد أدرجت الحكومة، ضمن مشروع قانون الموازنة الذي أُحيل على البرلمان، بنداً يتعلق بالزيادات في الرواتب وجرايات (أجور) المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028، سيُجرى تحديد قيمتها بموجب أمر حكومي، يصدر بعد المصادقة على قانون الموازنة ودخوله حيّز التنفيذ مطلع العام المقبل.
وكشف البند المتعلق بزيادة الرواتب في القطاعين الحكومي والخاص أن السلطات تنوي احتكار قرار رفع الأجور، من دون إبرام اتفاق مع الاتحاد العام التونسي للشغل، خلافاً لما جرت عليه العادة في جولات المفاوضات الاجتماعية السابقة.
وحسب الأعراف المعمول بها، تُفتح جولة مفاوضات اجتماعية كل ثلاث سنوات بين السلطات واتحاد الشغل، تُناقش خلالها نسب الزيادات في الرواتب، وروزنامة صرفها، وتعديل الاتفاقيات القطاعية، وتنتهي بتوقيع اتفاق يُنشر في الجريدة الرسمية لتفعيله.
في المقابل، عبَّر المكتب التنفيذي لاتحاد الصناعة والتجارة بصفاقس عن رفضه شن إضراب على خلفية المطالبة بالزيادة في الأجور، والتفاوض حول امتيازات مالية إضافية بالاتفاقيات المشتركة. وحمَّل الاتحاد الجهوي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بصفاقس، في بيان أصدره الأربعاء الماضي، الاتحاد الجهوي للشغل مسؤولية كل ما قد يترتب عن أي إضراب غير قانوني بموجب التشريعات ذات الصلة، خاصة في ما يتعلق بأجور العمال، وفي ما قد يلحق المؤسسات من ضرر.
وقال اتحاد الصناعة والتجارة بصفاقس، في بيانه، إن "مثل هذه الإضرابات تندرج في خانة الإضرار بالسلم الاجتماعي"، معتبراً أن الخاسر الأكبر هو الاقتصاد الوطني وحركة التصدير، باعتبار أن الإضراب يشمل عدداً من المؤسسات المصدِّرة.
وأكد أنه "ليس من حق أي طرف جهوي أن يدعو إلى الزيادة في الأجور، باعتبار أن الأمر موكول حصرياً إلى المركزيتين النقابيتين (اتحاد الشغل، واتحاد الصناعة والتجارة) مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وذلك بموجب التشريعات الجاري بها العمل (الفصل 134 من مجلة الشغل)، وفق نصّ البيان.
ورغم محاولات ترميم القدرة الشرائية عبر الزيادات في الرواتب، لا يزال الغلاء يضغط على التونسيين الذين فقدوا جزءاً كبيراً من قدراتهم الإنفاقية. ويُقدر الخبير الاقتصادي، العربي بن بوهالي، نسبة الخسارة في القدرة الشرائية للأسر التونسية خلال السنوات الثلاثة الماضية بما لا يقل عن 20%.
وقال بن بوهالي في تدوينة على صفحته الرسمية على فيسبوك إن "نسبة الزيادة في الرواتب خلال السنوات الماضية لم تتجاوز 5%، وهي نسبة أقل من معدلات التضخم، ما يفسر عدم تحسن القدرة الشرائية للموظفين". خلال السنوات الماضية، عانى التونسيون من آثار التضخم، الذي بلغ ذروته في فبراير/شباط 2023 بنسبة 10.4%، قبل أن ينخفض إلى 4.9% الشهر الماضي. لكن التونسيين لا يشعرون بأي أثر لهذا التراجع على معيشتهم اليومية، حيث توسّع الفقر ليشمل نحو 4 ملايين تونسي، كما يُرهق التداين أكثر من 34% من الأسر التي تعتمد على الاقتراض لتغطية نفقاتها، حسب بيانات رسمية.