إسرائيل تتسلل إلى ممرات البحر الأحمر التجارية عبر أرض الصومال
استمع إلى الملخص
- الاعتراف الإسرائيلي يهدف إلى تعزيز الحضور في البحر الأحمر، مما قد يؤدي إلى عسكرة الاقتصاد اليمني وزيادة تكاليف الشحن وارتفاع أسعار السلع عالمياً، وتقليل الاستثمارات اللوجستية في الموانئ.
- التوترات تؤثر على التجارة الدولية، حيث يمر عبر البحر الأحمر حوالي 15% من تجارة العالم، مما يزيد تكاليف التأمين البحري ويعقد سلاسل التوريد.
في الوقت الذي كان اليمن يترقب فيه عودة الاستقرار إلى البحر الأحمر وباب المندب وممراته المائية، فاجأت إسرائيل المنطقة بالاعتراف بـ"أرض الصومال" دولة مستقلة، بعد علاقة سرية استمرت فترات طويلة وتسارعت وتيرتها منذ نحو عامين؛ بعد "طوفان الأقصى" وتدخل صنعاء لمساندة الشعب الفلسطيني في غزة باستهداف السفن في البحر الأحمر والممرات المائية الدولية في اليمن.
تتجه الأوضاع إلى التصاعد بشكل واسع يمهد لتغييرات واسعة في الخرائط على هذه الرقعة الجغرافية الاستراتيجية في المنطقة، في ظل صراع طاحن متواصل في اليمن منذ نحو عشر سنوات، مع وصوله إلى ذروته منذ مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2025، إثر سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم إماراتياً على أهم محافظات شرقي اليمن الاستراتيجية، التي تربط الممرات المائية في البحر الأحمر وباب المندب بالبحر العربي وخليج عدن.
صراع على التجارة الدولية
وتشهد هذه الرقعة الجغرافية الاستراتيجية، بما تشمله من بحار وموانئ ومواقع ومضائق مائية تعتبر شرياناً رئيسياً في الملاحة الدولية والتجارة العالمية، صراعاً محتدماً ارتفعت وتيرته إلى أقصى درجة خلال الفترة الماضية؛ حيث من المتوقع أن يكون الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال" دولة مستقلة، والذي رفضته غالبية الدول العربية، بمثابة خطوة مفصلية في صراع طاحن لم يعد في الخفاء كما كان منذ نحو عشر سنوات (بداية الحرب في اليمن)، بل خرج للعلن وبصورة دولية واسعة.
المحلل الاقتصادي وفيق صالح يقول لـ"العربي الجديد" إن تصاعد الصراع في اليمن حول الموانئ والجزر والممرات المائية الدولية، واعتراف الكيان الإسرائيلي بإقليم "صومالي لاند" دولة مستقلة، يهدد بتصاعد صراع النفوذ والسيطرة على طرق التجارة الدولية والممرات المائية.
يضيف صالح في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "صومالي لاند" يهدف أساساً إلى إيجاد حضور قوي لدولة الاحتلال في البحر الأحمر، كما يهدد بعسكرة شاملة للاقتصاد اليمني تجعله رهينة للتجاذبات الدولية في المنطقة.
وبحسب المتحدث نفسه، فإن هذه الخطوة من قبل الاحتلال تهدف إلى إطباق الحصار على مضيق باب المندب والسيطرة فعلياً على الضفة المقابلة لليمن، وهو ما يحول الممر الدولي من ممر آمن إلى منطقة تماس عسكري دائم وفرض واقع أمني جديد؛ حيث ستضطر السفن التجارية للخضوع لبروتوكولات تفتيش أو حماية عسكرية تفرضها القوى الموجودة هناك، ما يفقد الممر صبغته التجارية المدنية، حسب الاقتصادي اليمني.
يتابع صالح أن عسكرة باب المندب والبحر الأحمر تعني أن هذه الممرات ستصبح غير آمنة، ما يؤدي إلى تحول مسار السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مع ما يترتب على ذلك من زيادة في الكلفة والجهد والوقت، وهو ما يرفع أسعار السلع عالمياً.
ويضيف: كل ذلك ناهيك عن فقدان الميزة التنافسية، حيث ستصبح الموانئ المطلة على البحر الأحمر مناطق عالية المخاطر، ما يقلل الاستثمارات اللوجستية فيها ويحد من عبور السفن وخطوط الشحن الملاحي، وهذا سيتسبب بتعطيل هذه الموانئ وحرمانها من مصادر إيرادية كبيرة، فضلاً عن تعطل سلاسل التوريد وما قد تحدثه من أزمات واختناقات في السلع والمواد الغذائية المستوردة، خصوصاً في الداخل اليمني.
نار تحت الرماد
يرى الخبير الملاحي اليمني في التجارة الدولية عبد الملك الحداد أن حقيقة الوضع الحالي ما زالت في حالة "نار تحت الرماد"؛ أي أن التوتر قائم وإن خفُت ظاهرياً، ما يجعل الأسواق تتعامل بحذر ويؤجل العودة الكاملة للملاحة الطبيعية وكذلك العودة لأسعار شحن مستقرة.
وتؤثر الاضطرابات والأحداث بشكل كبير على هذه الممرات المائية التجارية الدولية ليس فقط لليمن، بل للعالم والأسواق الدولية بشكل عام، إذ تكمن أهمية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب في المكانة الاستراتيجية لهذا الممر باعتباره شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية، حيث يمر عبره، وفق الحداد، ما يقارب 15% من تجارة العالم، بما في ذلك سلاسل الإمداد بين آسيا وأوروبا وتجارة الطاقة؛ لذا فإن أي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على تكاليف الشحن وأسعار السلع عالمياً.
وكان اليمن يترقب عودة الملاحة والأوضاع إلى طبيعتها في البحر الأحمر وباب المندب بعد عامين من الأحداث العاصفة بسبب هجمات الحوثيين في هذه الممرات المائية اليمنية مساندةً، بحسب تأكيداتهم، للشعب الفلسطيني في غزة، إذ تعزز ذلك بإعلان شركة "ميرسك" الدولية الدنماركية في 22 ديسمبر/ كانون الأول 2025 عبور أول سفينة لها باب المندب منذ نحو عامين.
ويوضح الحداد، وهو رجل أعمال يمني يقيم في الصين حيث يدير مكتباً دولياً في الشحن التجاري، أن إعلان شركة "ميرسك" عبور إحدى سفنها البحرية عبر باب المندب لأول مرة منذ نحو عامين لا يعني عودة الملاحة إلى وضعها الطبيعي؛ فما نشهده حالياً هو عودة حذرة وانتقائية، بينما لا تزال تكاليف التأمين البحري مرتفعة، وهو مؤشر واضح إلى أن مستوى المخاطر لم ينخفض بعد إلى الحدود التي تطمئن خطوط الملاحة وشركات الشحن؛ إذ إن القرارات التشغيلية في قطاع النقل البحري لا تتخذ بسرعة، بل تعتمد على تقييمات طويلة الأمد للمخاطر والاستقرار.
ويقول الحداد: "من واقع تعاملاتنا اليومية في الشحن، خصوصاً من الصين إلى موانئ البحر الأحمر، لا تزال أسعار الشحن أعلى بأكثر من 30% مقارنة بمستويات ما قبل تصاعد الصراع، نتيجة التحوط والتأمين وتغير مسارات بعض السفن".
أما بالنسبة لليمن، فقد لوحظ انخفاض طفيف في رسوم الشحن مقارنة بذروة الأزمة، لكنه يظل محدوداً، ولن تعود تكاليف الشحن إلى مستوياتها السابقة إلا إذا تأكدت الشركات الملاحية وشركات التأمين من وجود استقرار أمني مستدام وحلول عملية ومؤشرات إيجابية قابلة للتحقق على الأرض، حسب مراقبين.
700 كيلومتر على البحر الأحمر
في المقابل، يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة تعز محمد قحطان، لـ"العربي الجديد": إن إقليم "أرض الصومال" الذي أعلنت إسرائيل الاعتراف به دولة مستقلة تمهيداً لتوالي الاعترافات به من دول أخرى لما يتمتع به من موقع جيوستراتيجي، يمتد لأكثر من 700 كيلومتر على مياه البحر الأحمر، إضافة إلى إطلالته على خليج عدن من الجهة الموازية لجنوب اليمن.
وهو الأمر الذي استدعى استنكار العديد من دول المنطقة العربية والشرق الأوسط، ومنها مصر والسعودية وتركيا وجيبوتي، إضافة إلى الصومال المستقطع منها إقليم "أرض الصومال" المراد فصله عن الدولة واعتباره دولة مستقلة بداية لسلسلة من التقسيمات المرشحة لدعم انفصالها عن دولها، حسب قحطان.