إحياء الدفع الإلكتروني "طاقة فرَج" لأزمة السيولة في غزة
استمع إلى الملخص
- ارتفعت عمولة الكاش من المحافظ الإلكترونية إلى 52%، مما دفع للعودة إلى الدفع الإلكتروني، حيث انخفضت نسبة التكييش إلى 45% مع توقعات بانخفاض إضافي، مرحبًا بها كحل لمشكلة العملة التالفة.
- أكد المختصون أن نقص السيولة وصل إلى 40%، مع تداول شهري عبر المحافظ الإلكترونية بأكثر من 120 مليون شيكل، مما يعزز فرص التعافي الاقتصادي في غزة.
رغم استمرار العدوان الإسرائيلي الغاشم بلا هوادة والذي لا يرحم بشراً ولا حجراً، تشهد أسواق قطاع غزة تغيّراً تدريجياً ومهماً في نمط التعاملات المالية مع عودة ملحوظة لوسائل الدفع الإلكتروني العملي، بعد شهور من التراجع ورفض التجار استخدامه. ويأتي هذا التحول متزامناً مع السماح الجزئي بدخول الشاحنات التجارية المحمّلة ببضائع التجار، وهو ما ساعد، بشكل غير مباشر، في تخفيف حدة أزمة الكاش الخانقة في القطاع والتي أثرت سلباً وبشدة على مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والتجارية.
ومنذ استئناف الحرب وإغلاق المعابر في مارس/ آذار الماضي، اعتمدت الغالبية العظمى من الباعة في غزة على الكاش في تعاملاتها اليومية، رافضة الدفع الإلكتروني لأسباب تتعلق بالقيود المفروضة على سحب الأموال من المحافظ الإلكترونية، وإصرار كبار التجار على طلب الكاش مقابل البضائع والسلع. وتفاقمت الأزمة مع ندرة الكاش وارتفاع نسبة العملة التالفة والتي لم تعد صالحة للتداول، ما جعل التجار والمواطنين يواجهون صعوبات متكررة في عمليات البيع والشراء، بخاصة مع تعطل النظام المصرفي والإغلاق المستمر للبنوك وشركات الصرافة.
عمولات كاش "صادمة" في غزة
وفي ظل هذه الظروف، ارتفعت عمولة الحصول على الكاش من المحافظ الإلكترونية إلى مستويات صادمة، وصلت في الأيام الأخيرة إلى 52%، أي أن الغزّي كان يخسر أكثر من نصف رصيده إذا أراد سحب ماله نقداً. وهذا الواقع دفع بالكثيرين إلى البحث عن بدائل أكثر كفاءة وأقل كلفة، وكان الحل الأقرب هو العودة التدريجية لاستخدام الدفع الإلكتروني، خصوصاً مع السماح الجزئي بدخول شاحنات التجار إلى القطاع، وهو ما ساهم في خفض نسبة التكييش من 52% إلى 45%، مع مؤشرات بانخفاض إضافي خلال الأيام المقبلة، إذا ما استمر تدفق البضائع.
وفي هذا الصدد، عبّر الفلسطيني صالح منصور، من سكان مخيم البريج وسط قطاع غزة، عن ترحيبه بعودة الأسواق للدفع الإلكتروني، معتبراً أنها تشكل إنقاذاً حقيقياً للغزيين في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية المستمرة. وأكد منصور في تصريح لـ"العربي الجديد" أن هذه الوسيلة توفر الكثير من المال وتجنب المواطن الحاجة للتكييش وخسارة نصف المبلغ مقابل الحصول على كاش، إضافة إلى كونها حلاً عملياً لمشكلة العملة التالفة التي يرفض معظم التجار قبولها في تعاملاتهم اليومية.
من جانبه، قال بائع التمور في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة، أكرم عبد العاطي، إنّ العودة إلى الدفع الإلكتروني سهّلت عليه التعامل مع التجار والمستهلكين على حد سواء، مشيراً إلى أنه يشتري التمور من الموردين عبر الدفع الإلكتروني، ويبيعها بنفس الطريقة. ووصف عبد العاطي لـ"العربي الجديد" هذه الوسيلة بأنها الأسرع والأفضل حالياً، رغم أن سعر البيع الإلكتروني أعلى قليلاً من سعر الكاش، إلا أن الغزيين باتوا يفضلونه بسبب تعقيدات التكييش وندرة "الفكة".
حركة في أسواق غزة
وفي هذا السياق، أكد المختص بالشأن الاقتصادي، محمد بربخ، أن مشاكل الكاش والسيولة تسببت خلال الأشهر الماضية في أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى حركة الأسواق بشكل عام. وقال بربخ في حديث لـ"العربي الجديد" إن نقص المعروض النقدي في قطاع غزة وصل إلى ما يقارب 40%، بسبب توقف دخول السيولة لأكثر من عامين، بالإضافة إلى تلف كميات كبيرة من العملات الورقية وتحجيم التداول ببعض الفئات دون مبررات اقتصادية واضحة، "وهو ما خلق حالة من الشلل شبه التام في الحركة التجارية، ودفع البعض إلى استغلال الأزمة لتحقيق أرباح غير شرعية".
وقدّر بربخ حجم التداول الشهري عبر المحافظ الإلكترونية في غزة بأكثر من 120 مليون شيكل، وهو رقم كبير يعكس حجم الطلب على السيولة النقدية في ظل غياب البنوك وصعوبة الوصول إلى الأموال. وشدّد على أن استمرار العمل بالدفع الإلكتروني لن يساهم فقط في حل أزمة السيولة، بل سيؤدي أيضا إلى زيادة حجم العمليات التجارية اليومية وتنشيط الأسواق الداخلية وتقليل الاعتماد على العملات النقدية التالفة أو المفقودة، مضيفاً: "هذه الخطوة ستفتح كذلك الباب أمام مشاريع صغيرة ومتوسطة تعتمد كلياً على الدفع الإلكتروني، مما يعزز من فرص التعافي الاقتصادي في قطاع غزة رغم التحديات التي تفرضها الحرب".
حصار غزة... مزمن
تجدر الإشارة إلى أن بدايات حصار غزة قبل العدوان المستجد تعود إلى عام 2007، حين فرض الاحتلال حصاراً برياً وبحرياً وجوياً، شمل قيوداً مشددة على حركة الأشخاص والبضائع، بما في ذلك قيود مالية ومصرفية لمنع أي تدفق أموال أو دعم مالي يمكن أن تستفيد منه "حماس". كما أوقفت البنوك الإسرائيلية التعامل مع بنوك غزة، ما قطع القنوات الرسمية لتحويل الأموال، إلى أن توقف تعامل المصارف الفلسطينية في القطاع المباشر مع النظام المالي الإسرائيلي والدولي، ما جعل التحويلات المالية الدولية تمر عبر معابر وإجراءات أمنية طويلة. كما أحكم الاحتلال السيطرة على المعابر، بحيث يخضع أي دخول أو خروج للعملة (الشيكل، الدولار، الدينار) لموافقة إسرائيلية.