إجراء لإخراج لبنان من اللائحة الرمادية: ماذا عن تداعياته؟

14 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:03 (توقيت القدس)
أمام مقر مصرف لبنان، 21 يوليو 2023 (جوزف عيد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أعلن مصرف لبنان عن إجراءات وقائية على المؤسسات المالية غير المصرفية لتعزيز الامتثال ومنع انتقال الأموال غير المشروعة، بهدف إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF).
- تزامنت الإجراءات مع زيارة وفد أميركي لبيروت للتركيز على مكافحة تبييض الأموال وفرض عقوبات على شبكة تمويل حزب الله، مع تعزيز الرقابة على مكاتب الصرافة.
- يرى الكاتب منير يونس أن الإجراءات تعالج النتائج وليس الجذور، مشيراً إلى ضرورة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، مع التحذير من تأثيرها السلبي على المواطنين.

أعلن مصرف لبنان عن فرض إجراءات وقائية على جميع المؤسسات المالية غير المصرفية المرخّصة من قبله، بما في ذلك شركات تحويل الأموال، وشركات الصرافة، وغيرها من الجهات التي تقوم بعمليات التداول بالأموال النقدية من العملات الأجنبية وتحويلها من لبنان وإليه، مشيراً إلى أن ذلك يأتي "انطلاقاً من العمل على إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)".

وإدراج أي دولة على هذه اللائحة يُعدّ مؤشراً على وجود ثغرات في مكافحة المعاملات المالية غير المشروعة، مما يؤدي إلى تشديد التدقيق والرقابة الدوليَّين وانخفاض مستوى الثقة من المؤسسات المالية العالمية. وقال مصرف لبنان إنه اتخذ اليوم الخطوة الأولى "ضمن سلسلة من الإجراءات الاحترازية الهادفة إلى تعزيز بيئة الامتثال داخل القطاع المالي".

وتهدف إجراءات الحماية هذه إلى "منع انتقال الأموال غير المشروعة أو المكتسبة بطرق غير قانونية عبر هذه المؤسسات، من خلال فرض متطلبات امتثال أكثر تشدداً وإجراءات عناية معزَّزة على جميع الأشخاص المعنويين والطبيعيين المشاركين في العمليات النقدية، بما في ذلك المستفيدين النهائيين". وأشار إلى أنه "سيكون هناك خطوات لاحقة لفرض إجراءات احترازية إضافية على المصارف التجارية، بما يؤدي إلى إقامة طبقات متعددة من الضوابط ونقاط التدقيق الرامية إلى الكشف عن الأموال غير المشروعة واحتوائها ومنع تداولها عبر النظام المصرفي وشبكة القطاع المالي".

أكد المصرف أن لجنة الرقابة على المصارف ستقوم بـ"مراقبة تطبيق هذه الإجراءات ومدى الالتزام بها من جميع المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية المعنية، وباتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة عند الاقتضاء". وأضاف أنه "تبعاً للتعميم، يُطلب من المؤسسات المالية غير المصرفية تعبئة جدول مرفق بالقرار، عند إجراء أي عملية نقدية تساوي أو تتجاوز قيمتها مبلغ ألف دولار أو ما يعادله للعملية الواحدة. وعلى المؤسسات المالية غير المصرفية، كل في ما خصّها، أن تتأكد قبل القيام بأي عملية، سواء كانت عملية نقدية أو تحويلاً إلكترونياً أو صرف عملات أو خدمة دفع أو حوالة أو ما شابه ذلك، أنها جمعت واحتفظت بمعلومات كاملة يمكن التحقق منها لمعرفة العميل".

وتزامنت هذه الخطوة مع الجولة التي قام بها وفد أميركي مشترك من وزارة الخزانة الأميركية ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض مطلع الأسبوع في بيروت، وتركّز البحث فيها على الجهود التي تُبذَل في لبنان لمكافحة تبييض الأموال، والاقتصاد الكاش (النقدي)، وقد سبقها فرض عقوبات أميركية على شبكة تمويل لحزب الله. وإلى جانب تأكيد الجانب الأميركي ضرورة نزع سلاح حزب الله بأسرع وقت لتلافي أي تصعيد إسرائيلي موسّع للعمليات العسكرية على الأراضي اللبنانية، "كان هناك تشديد على ضرورة قطع مسارات تمويل حزب الله، وتشديد الرقابة على مكاتب الصرافة وملاحقة وإقفال الشركات غير المرخصة وغير الشرعية، والتي تقوم بمساعدته وتسهيل أنشطته المالية"، وذلك بحسب معلومات "العربي الجديد".

وشدد الوفد الأميركي، بحسب معلومات "العربي الجديد"، على أن "الولايات المتحدة تعزز إجراءاتها لاستهداف عملاء حزب الله، وقطع الطريق أمام تمويله، خاصة من إيران، لمنعه من إعادة بناء قدراته، وهي ماضية بهذا الاتجاه، كما تعتبر أن لبنان لا يمكن أن ينهض اقتصادياً وينعم بالاستقرار إلا بعد نزع سلاح حزب الله، ومكافحة أنشطته المالية، وسيكون هناك مزيد من العقوبات التي ستفرضها الخزانة الأميركية من أجل قطع حركة الأموال عن حزب الله، بحيث أن المطلوب ليس فقط نزع السلاح، بل أيضاً منع التمويل، من أجل قطع الطريق أمام إعادة حزب الله بناء نفسه".

وتبعاً للمعلومات أيضاً، فإنّ "الوفد الأميركي رحّب أمام نواب التقاهم (وهم من معارضي حزب الله) بالخطوات التي يقوم بها لبنان، لكن يعتبر في المقابل أنها غير كافية، خصوصاً أن حزب الله لا يزال يحصل على التمويل، من هنا ضرورة الإسراع في إقفال الممرات المالية أمامه، والتسريع بنزع السلاح". ولم يحدد الوفد مهلة، لكن اعتبر أن "كل ما كان الموضوع أسرع كلما جنب البلاد تداعيات أمنية، خصوصاً في حال مرّ نهاية العام من دون إنجاز هذه الخطوات"، ربطاً بخطة الجيش اللبناني.

في الإطار، يرى الكاتب الاقتصادي منير يونس لـ"العربي الجديد"، أن "الإجراء المُتّخذ من مصرف لبنان جيّد، لكنه لا يحلّ السبب وجذور المشكلة، بل يعالج النتائج، من هنا فإنّ لا حلّ لمكافحة الاقتصاد الكاش، والتهرب الضريبي وتهريب الأموال وتمويل الإرهاب، إلاّ بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وبسرعة، وهذا ما يهرب منه مصرف لبنان، وكل يوم إضافي مستمرّ في ظلّ ما نسمّيه بنوك "الزومبي" ستبقى المشكلة". ويلفت يونس إلى أنه "بمجرد إعادة هيكلة القطاع المصرفي وعودة العمليات كلها لتتم عبر البنوك، عندها تكون الرقابة على التحاويل والعمليات كلها أسهل بكثير".

ويلفت يونس إلى أن "الاقتصاد النقدي يصل إلى عشرة مليارات دولار وفق تقدير البنك الدولي، الصادر عام 2022 و2023، واليوم ربما يكون أكثر. وهذه المبالغ إذا قلنا إنها تشمل تمويل حزب الله وتهرباً ضريبياً وفساداً، وكلَّ أنواع الجرائم المالية، لكن حتى لو جرى تنظيم العمليات، سيبقى هناك التفاف على أي إجراء، إذ إن تبييض الأموال والتهريب وتمويل الإرهاب وغير ذلك يبقى لديه قدرة التفافية، من هنا ضرورة معالجة جذور المشكلة".

ويشدد الكاتب الاقتصادي إلى أن "الإجراء الطبيعي يكون بتسريع البنك المركزي إعادة هيكلة المصارف"، مشيراً إلى أن "السبب الذي يحول دون تحقيق هذه الخطوة حتى اليوم هو وجود لوبي مصارف قوي يمنع ذلك، إذ لا يريدون دفع الثمن، والدليل أن التفاوض مع صندوق النقد الدولي بدأ منذ عام 2020 وحتى اليوم لم يحصل أي تقدّم في هذا المجال، وكله بسبب اللوبي المصرفي".

ويشير يونس إلى أن التعميم الصادر اليوم "له علاقة طبعاً بضغط أميركي كبير جداً، الهدف الأول منه التضييق على حزب الله، لأن العمليات كانت تتم بمبالغ معينة، أما الآن فإن كل عملية في شركات الصرافة وتحويل الأموال، اعتباراً من ألف دولار وما فوق، ستتعرض لطلب معلومات كثيفة، مهنية وحتى خاصة وتفصيلية عن المتعامل، وهذا جيد، لكنه لا ينهي المشكلة". ولا يستبعد يونس أن تشهد الفترة المقبلة عقوبات أميركية جديدة تستهدف أفراداً وشركات تحويل أموال وصرافة، وهذا برأيه "لم ينتهِ يوماً وسيبقى مستمراً".

وحول تداعيات القرار على المواطنين "العاديين"، يقول يونس: "سيكون هناك تأثير طبعاً، والتباسات، وشبهات، ومدفوعات صغيرة جداً لناس عاديين قد تتأثر، سواء كانت من بيئة حزب الله أو مختلف الأشخاص الآخرين الذين سيتعرّضون لسيل من الأسئلة والنماذج التي يجب أن تُملأ، وهذا يعرقل سيولة التدفقات والتحويلات"، مكرراً "أنا لست ضد التعميم، لكن هذا سيزيد التعقيدات، ويمكن أن يزيد الكلفة، لأن هذه الشركات عندما تضطرّ لملئ نماذج بهذه الكثرة، وتطلب كمّاً كبيراً من المعلومات، ويُطلب منها تخزينها بهذا الشكل، فالكلفة ستدفع للمتعاملين". هذا ويشير يونس إلى أن الإجراء "لن يؤثر على سعر الصرف، لكنه سيزيد التعامل بالكاش، بين الناس، أي يداً بيد، بدل اللجوء إلى شركات الصرافة والتحويل".

المساهمون