أولوية وقف تجويع أطفال غزة ونسائها

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 05:06 (توقيت القدس)
التجويع يحاصر سكان غزة، المواصي، 14 سبتمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الاستثمار في الطفولة المبكرة يعزز النمو الاقتصادي، حيث أن كل دولار يُستثمر في مكافحة سوء التغذية يمكن أن يُدر عائدًا يصل إلى 23 دولارًا، وتعتبر السنوات الخمس الأولى حاسمة في نمو الدماغ وتطوير المهارات.

- سوء التغذية يعيق التنمية من خلال تأثيره السلبي على النمو العقلي والجسدي للأطفال، مما يحد من فرصهم التعليمية والاقتصادية، وتظهر فعالية برامج التغذية عند دمجها مع جهود التنمية الأوسع.

- يعاني أطفال غزة من تجويع ممنهج بسبب الحصار، مما يؤدي إلى سوء التغذية الحاد وتهديد جيل كامل بالفقر، بينما تبقى المنظمات الدولية عاجزة عن التدخل الفعّال.

تثبت دراسات البنك الدولي أن الاستثمار في الصحة والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة هو مفتاح نجاح المستقبل الاقتصادي للبلاد والناتج القومي للدولة. وأن كل دولار واحد يُستثمر في مكافحة سوء التغذية، بنقص المغذيات أو زيادتها، في مرحلتي الحمل والطفولة المبكرة، يُدر عائدًا اقتصاديا قوميا قدره 23 دولارًا في مستقبل سوق القوى العاملة. ويصل هذا العائد إلى 17 دولاراً مقابل كل دولار يتم إنفاقه على تحسين الحالة الغذائية والصحية للأطفال ووقايتهم من الأمراض. كذلك وجدت دراسات طبية أن المرحلة الجنينية والسنوات الخمس الأولى من حياة الطفل محورية في تكوينه البدني والعقلي، وأن 90% من نمو الدماغ عند الأطفال ينمو في مرحلة الجنين ويكتمل قبل سن الخامسة. ولا تشكل هذه الفترة التكوينية ملامح التحصيل الدراسي والحالة الصحية وسلوك الطفل في المستقبل فحسب، بل تحدد مستوى المهارات المكتسبة والذكاء الاجتماعي للطفل مدى الحياة.

مخاطر تجويع الأطفال

يُعد سوء التغذية، نقص الأغذية أو زيادتها، أحد أخطر تحديات التنمية في هذا العصر. على مستوى الطفل، يؤدي الجوع إلى التقزم وضعف النمو العقلي والمعرفي وتراجع المستوى التعليمي وفقدان فرص العمل الفعالة في تحسين الدخل. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي للدولة، يعقد سوء التغذية عند النساء الحوامل والأطفال مشاكل الفقر الأسري ويُعيق التنمية الوطنية. وتكون برامج التغذية أكثر فعالية عند دمجها مع جهود التنمية الأوسع، بما في ذلك الصحة والتعليم والزراعة والمياه النظيفة والحماية الاجتماعية. على سبيل المثال، جمعت مبادرة إندونيسيا لمكافحة التقزم بين خدمات التغذية والصحة والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والدعم الاجتماعي. ونتيجةً لذلك، انخفضت معدلات التقزم لدى الأطفال دون سن الخامسة من 31% إلى 22% بين عامي 2018 و2023، مما ساعد أكثر من 20 مليون طفل على النجاة من داء التقزم والأمراض العقلية المصاحبة. وغالبًا ما يغفل الأباء وراسمو السياسات والتنفيذيون الحكوميون عن تلك المخاطر. ولأن ملايين الأطفال يفقدون إمكاناتهم المهارية قبل التحاقهم بالمدرسة، اجتمع خبراء البنك الدولي في باريس في شهر مارس/آذار الماضي للتأكيد على أن الاستثمار في التغذية في مرحلة الطفولة المبكرة هو الاقتصاد الذكي.

في دراسة نادرة عن تأثير حرب العراق على تغذية وصحة الأطفال، قدمتها الباحثة في جامعة لندن غابرييلا سيردان أمام المؤتمر السنوي للجمعية الاقتصادية الملكية، وجدت أن نقص الأغذية، الكمية والنوعية، أصاب النساء الحوامل والأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة بسبب الغزو الأميركي البريطاني في بداية التسعينيات والعقوبات التي استمرت 12 سنة بالتقزم غير الرجعي والهزال وانخفاض الوزن عند الميلاد وضعف المناعة وانخفاض معدل النمو البدني والمعرفي والتحصيل الدراسي. العراق، الذي كان يتمتع بأعلى المؤشرات الصحية والتعليمية في الشرق الأوسط، وأكثر الدول في المنطقة تقدمًا في التكنولوجيا والتنمية ويمتلك أكبر نظام اجتماعي لتوزيع الغذاء في العالم، دمرت فيه قوات الاحتلال المستشفيات والمدارس ومراكز توزيع الأغذية ومحطات الصرف الصحي، وامتنعت النساء والأطفال عن الذهاب إلى المرافق الصحية بسبب البيئة الأمنية المنهارة، كما هو الوضع في غزة حاليا.

تجويع أطفال غزة

وعلى مستوى أطفال غزة فقد أكد المرصد الأورومتوسطي أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يتعمد استهداف الأطفال الفلسطينيين بالقتل والتجويع وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية المروعة بحقهم، من خلال استراتيجية مدروسة لتدمير مستقبل الشعب الفلسطيني عبر القضاء على جيله الناشئ، بما يؤدي إلى تعطيل التكاثر الطبيعي وفقدان الجماعة قدرتها على البقاء والحفاظ على هويتها، وصولًا إلى محو الهوية الفلسطينية وتقويض قدرتها على الصمود والاستمرار. استهدف جيش الاحتلال الإسرائيلي بالقتل والتهجير المتكرر والتجويع والترهيب 46 ألفا من النساء الحوامل، و110 آلاف من المرضعات وأكثر من 450 ألف طفل، منهم 56 ألف طفل دون سن الخامسة. وأدى العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى قتل 18 ألف طفل وألف رضيع و13 ألف سيدة، وميلاد 20% من الأطفال ناقصي الوزن. وأصاب 45 ألف طفل بعاهات مشوهة، منهم ألف طفل رضيع.

وبسبب التجويع الممنهج، أعلنت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن المجاعة في قطاع غزة دخلت المرحلة الخامسة، وهي أخطر درجات التصنيف، وتتمثل في الحرمان الشديد من الغذاء وانتشار المجاعة الحاد وتسجيل حالات الموت جوعا. فسجلت وزارة الصحة استشهاد 460 فلسطينيا جوعا، من بينهم 154 طفلا.  وتقدر دراسة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أونروا، نشرت في مجلة ذا لانسيت الطبية، أن أكثر من 55 ألف طفل في غزة يعانون من سوء تغذية حاد، منهم 40 ألف طفل رضيع لم يكملوا عامهم الأول معرضون للموت البطيء بسبب منع جيش الاحتلال خلال فترة الحرب إدخال حليب الأطفال، وبينهم 13 ألف طفل في حالة حرجة. ومن الغريب، أن المنظمات الدولية تطلق مصطلح سوء التغذية على الحالة الغذائية في القطاع. وهو مصطلح مضلل لأنه يحتمل أن تكون المعاناة ناتجة عن نقص أو زيادة الأغذية. ولكن الواقع في غزة هو نوع واحد من سوء التغذية، وهو التجويع والحرمان المتعمد والممنهج من الأغذية.

وما زال تجويع الأطفال والنساء والحوامل منهن بالحصار والحرمان من الغذاء الصحي مستمر رغم الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ويتم الإعلان عن دخول عشرات الشاحنات ذرا للرماد في العيون وللتغطية على التجويع الممنهج. والقليل جدا من تلك الشاحنات يحمل أغذية تصلح لإغاثة الأطفال. والأيام التي لا يحصل فيها الأطفال والحوامل والمرضعات على طعام كافٍ في الكمية والنوعية تسبب ضرراً دائماً غير رجعي لنمو الأطفال البدني والعقلي. وإذا لم يُعالج هؤلاء الأطفال في الوقت المناسب، فسيكونون أكثر عرضة للوفاة بأحد عشر ضعفًا من الأطفال الأصحاء. وحتى لو نجوا، فإنهم يواجهون خطر عدم تحقيق إمكاناتهم التنموية، مما يُشكل تهديدًا خطيرًا لجيل كامل في غزة، ويُبقي القطاع غارقا في حلقة مفرغة من الفقر والتخلف. وهذا ما يستهدفه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، قاتل الأطفال والمتهم بارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية والحصار والتجويع للسكان في غزة.

شاهد متخاذل

التجويع الممنهج يقع تحت نظر وسمع منظمات الأمم المتحدة ولا تحرك ساكنا. وصف صندوق الأمم المتحدة للسكان حالة الحوامل في غزة بأنهن يتضورن جوعا، ويعشن في خوف دائم، ويجبرن على الولادة في ظروف غير إنسانية، وأن حالة حمل واحدة من كل 3 تصنف على أنها عالية الخطورة، ويولد طفل من كل 5 أطفال إما مبكرا أو ناقص الوزن، وأجساد الأطفال تتآكل بصمت، ومظاهر سوء التغذية الحاد تفشت في القطاع، من توقف النمو، وهشاشة العظام، وضمور العضلات، إلى نقص الفيتامينات، وضعف الدم، والتراجع الحاد في البنية الجسدية، والاحتلال لا يقتل فقط بالقنابل، بل أيضا بالتجويع المنهجي. يشهد الصندوق الأممي بأنه "حكم بالموت" على الأمهات وأجنتهن، وأن كثيرات من الحوامل في قطاع غزة يتمنين الموت هربا من الجوع، في ظل غياب كامل للرعاية الصحية والغذاء الأساسي. ويسأل خبراء الصندوق، كيف ينام العالم والأطفال يصارعون الجوع، وأم تتوسل لقمة لجنين لم يولد بعد، وأب مبتور يراقب أطفاله يذبلون أمامه؟! كل ذلك والأمم المتحدة تتعامى عن الجريمة.

في سنة 2018، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 2417 يدين فيه بشدة استخدام الحصار وتجويع المدنيين كأسلوب قتال، ويؤكد أنه أمر محظور بموجب القانون الدولي الإنساني؛ ويطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يبلغ المجلس بسرعة عند حدوث مجاعة ناجمة عن نزاع مسلح، ويؤكد مسؤوليته الرئيسية عن صون السلام والأمن الدوليين، والتزامه بمعالجة المجاعة وانعدام الأمن الغذائي الناجم عن النزاع المسلح. والواقع أن المجلس يتعامى ويصمت أيضا أمام جرائم الإبادة التي وثقتها محكمة العدل الدولية. وحتى يقف التجويع الممنهج وتداعياته الصحية والبدنية والعقلية غير الرجعية وغير القابلة للعلاج يحتاج الأطفال في قطاع غزة إلى دخول شاحنات الأغذية الفوري من معبر رفح ومن المعابر الأخرى بكميات ونوعية كافية، تشمل حليب الأطفال والألبان المجففة، والفواكه والخضروات واللحوم والدواجن والأسماك الطازجة والتمور، بالإضافة إلى اللقاحات والتطعيمات المحرمة عليهم منذ سنتين، ولكن من يستجيب؟!

المساهمون