استمع إلى الملخص
- تتصاعد المخاطر الجيوسياسية مع قصر عمر الحكومات وصعود التيار الشعبوي، وأزمة طاقة نتيجة حظر الغاز والنفط الروسيين، مما يجعل أوروبا رهينة للابتزاز الاقتصادي الأميركي.
- تشهد أوروبا تراجعاً في وزنها الاقتصادي والسياسي عالمياً، مع استمرار حرب أوكرانيا والانقسامات الداخلية، مما يثير تساؤلات حول إمكانية تدخل الولايات المتحدة لإنقاذها.
المشهد الاقتصادي في أوروبا، المأزومة والعاجزة والمنقسمة، بات بالغ التعقيد وينذر بنتائج خطيرة قد تهدد مستقبل القارة، أزمات مالية صعبة وهيكلية ومعقدة في دول ذات اقتصادات كبرى وتتسبب في إسقاط حكومات كما جرى في فرنسا وألمانيا، مع احتمالات قوية بحدوث اضطرابات شعبية وغبن اجتماعي واسع، وهناك عجز ضخم في الموازنات العامة، وفوائد الديون تلتهم إيرادات معظم تلك الدول بالكامل بل وأكثر، والأوربيون يزدادون فقراً وبطالة وبؤساً، والأسواق تشهد حالة غلاء ممتدة منذ الجائحة وزادت حدتها عقب اندلاع حرب أوكرانيا في بداية العام 2022.
حكومات أوروبية عاجزة في ظل أوضاع مالية صعبة وانهيار مالي صامت وغير مسبوق، ولذا تلوح بفرض مزيد من الضرائب والرسوم وسط غضب شعبي متزايد، وفي نفس الوقت عاجزة عن فرض برامجها الانتخابية والوفاء بوعودها في ظل ضعف النفقات العامة وزيادة الالتزامات ومخاوف من حدوث قلاقل مجتمعية في حال فرص أعباء جديدة على المواطن.
الضرائب أرهقت الممول والموازنة العامة، ولم يعد المواطن قادراً على دفع المزيد من الأموال للدولة في ظل تدني الخدمات وتراجع مستواها، خاصة في أهم قطاعين وهما الصحة والتعليم، وتراجع القدرة الشرائية وثبات الاجور والرواتب، وزيادة كلفة المعيشة.
القارة العجوز تشهد مخاطر جيوسياسية متصاعدة من أبرز ملامحها، قصر عمر الحكومات والأنظمة الحاكمة، مع صعود التيار الشعبوي في العديد من الدول، وهناك أزمة طاقة مستفحلة مع إصرار الاتحاد الأوروبي على حظر الغاز الروسي وتقليص الاعتماد على النفط الروسي، ودول القارة تلهث وراء صفقات الغاز والطاقة من هنا وهناك وسط زيادة تكلفة الاستيراد وتعقيداته.
وهناك أزمة ديون تطل برأسها مجدداً في أوروبا وتعيد للذاكرة الأوروبية ما جرى في نهاية عام 2009، وإفلاس دول عدة منها قبرص واليونان، وما واجهته دول أخرى منها البرتغال وأيرلندا وإسبانيا من عجز في سداد ديونها الحكومية، أزمة تعصف باقتصادات بارزة لدول مثل فرنسا وإيطاليا والبرتغال حيث تزيد أعباء الديون العامة عن إجمالي الناتج المحلي الإجمالي.
أوروبا تخسر معركة الرسوم الجمركية وترضخ للابتزازات الأميركية، لا يقف الأمر عند هذا الحد، فهناك ضغوط شديدة من الولايات المتحدة على منطقة اليورو كاملة تصل إلى حد انتهاك سيادتها مع ضعف القدرات العسكرية الأوروبية، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يجبر دول القارة على سداد فاتورة ضخمة من أبرز ملامحها شراء غاز ونفط أميركيين بقيمة 750 مليار دولار مقابل تسوية أزمة الرسوم، والخلاصة أن الاتحاد الأوروبي أصبح رهينة لابتزاز اقتصادي أميركي يتكرر كل أربع سنوات مع تغيّر اسم الرئيس الجالس في البيت الأبيض.
حالات إفلاس جماعية تشهدها دول القارة سواء للمصانع أو الشركات والأفراد، وألمانيا خير مثال، وهناك انكماش في مؤشرات الاقتصاد الكلي وتراجع في معدلات النمو، وعجز عن جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية ورؤوس الأموال وخلق فرص تشغيل جديدة، وباتت البيروقراطية تعشش في كل ركن بما فيها قطاع الأعمال والشركات والابتكار، والصين تهدد الصناعة الأوروبية في عقر دارها مع تراجع الابتكار.
والقاطرة الألمانية تتباطأ بشدة، والعلامات التجارية الكبرى تتراجع، واقتصاد ألمانيا يشهد "أعمق أزماته" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والدولة صاحبة أكبر قوة اقتصادية في أوروبا "في حالة سقوط حر وفق وصف رئيس "اتحاد الصناعات الألمانية" بيتر ليبنغر، وحالات الإفلاس تبلغ أعلى مستوى لها منذ سنوات، ومدن ألمانية كبرى أفلست وتعجز عن سداد رواتب موظفيها أو على حافة الإفلاس، ومصانع عملاقة تًغلق أبوابها.
عالمياً يتراجع وزن أوروبا الاقتصادي والمالي والتجاري، بل السياسي، في ظل استمرار حرب أوكرانيا والتهديدات الروسية المتواصلة والانقسامات الداخلية وضعف الثقة في الحليف التاريخي وهي الولايات المتحدة، لا تسمع لأوروبا صوتاً في المعارك والحروب الاقتصادية الحالية، سواء معركة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين، أو معركة الذكاء الاصطناعي والابتكار، أو حروب الطاقة، أو سلاسل التوريد والإمدادات.
ضعف أوروبا وتفتّتها لم يعودا مشكلة أوروبية داخلية، بل تحوّلا خطراً اقتصادياً واستراتيجياً مباشراً على الولايات المتحدة والعالم، كما حذّر الرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان"، الاستثماري الأميركي، جيمي ديمون، قبل أيام. فهل تتدخل الولايات المتحدة لإنقاذ أوروبا؟