أنقرة وبغداد نحو ما بعد اتفاقية 1973... تعاون نفطي جديد
استمع إلى الملخص
- توقف الخط منذ ثلاث سنوات، مما أدى إلى أعباء مالية على تركيا وغرامة دولية بقيمة 1.5 مليار دولار بسبب نزاع قانوني مع العراق حول صادرات نفط إقليم كردستان.
- أثر توقف الخط سلباً على العراق، مما زاد تكاليف النقل والشحن واعتماد العراق على موانئ الجنوب، وتسعى أنقرة وبغداد للتفاوض على اتفاق جديد مع بقاء خيارات التحكيم الدولي مطروحة.
في خضم تطورات ملف الطاقة بين العراق وتركيا، يعود خط كركوك - جيهان إلى دائرة الضوء، ليس فقط بوصفه أنبوباً نفطياً، بل عنواناً لمعادلة اقتصادية إقليمية، إذ ترى أنقرة في التعاون بين البلدين فرصة لتعزيز موقعها ممرّاً رئيسياً للطاقة.
وأبلغت أنقرة بغداد أن اتفاقية 1973 لم تعد تواكب متغيرات السوق العالمية، واقترحت صياغة اتفاق جديد يفتح المجال أمام تعاون أوسع يمتد إلى الغاز والبتروكيماويات والكهرباء. وفي المقابل، يجد العراق نفسه أمام خيارات تراوح بين تلبية الشروط التركية وتشغيل الخط بكامل طاقته، أو البحث عن بدائل باهظة ومعقدة، في وقت يواجه فيه تحديات مالية وضغوطاً على صادراته النفطية.
وأعلنت وزارة الطاقة التركية مؤخراً، أن أنقرة أبلغت بغداد رسمياً بعدم ملاءمة اتفاقية خط أنابيب النفط الحالية الموقعة بين البلدين منذ أكثر من نصف قرن، مشيرة إلى أنها لم تعد تلبي طموحات الجانبين ولا احتياجات سوق الطاقة العالمي، وكشفت عن إرسال مسوَّدة اتفاقية جديدة تمهيداً لبدء مفاوضات شاملة.
وقال وزير الطاقة التركي، ألب أرسلان بيرقدار، في تصريحات صحافية، إن خط الأنابيب العراقي - التركي، الذي يمتد إلى ميناء جيهان، يتمتع بطاقة تصديرية قصوى تبلغ 1.5 مليون برميل يومياً، إلا أنه لم يعمل بكامل طاقته منذ 50 عاماً. وتنتهي الاتفاقية الحالية بين العراق وتركيا في 27 يوليو/تموز 2026، وفق ما جاء في المرسوم الرئاسي التركي الصادر في 21 يوليو الماضي، علماً أن آخر تجديد لها تم عام 2010.
في السياق، قال الباحث الاقتصادي التركي أونور ديمير، إن أنبوب كركوك - جيهان، الذي يُعد أحد أهم شرايين تصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية، متوقف عن العمل منذ ثلاث سنوات، ومع ذلك تتحمل الميزانية التركية نفقات تشغيله كاملة، بما يشمل تكاليف الحراسة، وتشغيل المضخات، ورواتب المهندسين والفنيين والإداريين والمشرفين، فضلاً عن مصاريف الصيانة الدورية.
وأوضح ديمير، لـ"العربي الجديد"، أن هذه التكاليف كان من المفترض أن تُغطى من رسوم عبور النفط (الترانزيت)، لكن توقف الضخ بشكل كامل طوال الفترة الماضية حال دون تحقيق أي إيرادات من هذا الخط، ما أدى إلى تراكم أعباء مالية كبيرة على أنقرة. وأضاف، أن الغرامة الدولية البالغة 1.5 مليار دولار التي فُرضت على تركيا على خلفية الشكوى القانونية مع العراق بشأن صادرات نفط إقليم كردستان، جعلت خط كركوك - جيهان يتحول من أصل استراتيجي إلى عبء اقتصادي كبير، ولم يعد مجدياً الإبقاء عليه بصيغة الاتفاق الحالية من دون إعادة تشغيله أو التوصل إلى اتفاق جديد مع بغداد.
ولفت إلى أن هذا الملف لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى أبعاد سياسية واستراتيجية، إذ يمثل استمرار إغلاق الخط خسارة لمكانة تركيا ممرّاً رئيسياً للطاقة في المنطقة، ويحد من قدرتها على الاستفادة من موقعها الجيوسياسي بين منتجي النفط في الشرق الأوسط والأسواق الأوروبية.
من جانب آخر، أوضح الخبير الاقتصادي كريم الحلو، أن توقف خط كركوك - جيهان لسنوات أجبر العراق على الاعتماد شبه الكلي على موانئ الجنوب لتصدير النفط، ما ضاعف كلفة النقل والشحن وأثر سلباً على هامش أرباح الصادرات.
وأوضح الحلو لـ"العربي الجديد"، أن هذا التوقف تزامن مع أزمة مالية في إقليم كردستان، حيث تراكمت ديون تتجاوز المليار دولار لصالح شركات النفط الدولية، وتعرقلت بعض العقود الاستثمارية، ما أدى إلى تراجع حجم الاستثمارات بنحو 400 مليون دولار وتسريح مئات الموظفين، ما يهدد استمرارية ضخ النفط من الإقليم على المدى المتوسط.
وأشار الحلو إلى أن أنقرة أبدت استعدادها للدخول في مفاوضات مع بغداد لتوقيع اتفاق جديد يراعي مصالح الطرفين، لافتاً إلى أن الوصول إلى تسوية متوازنة قد يحقق عائداً مادياً جيداً، بينما تبقى خيارات التحكيم الدولي وإشراك وسطاء دوليين مطروحة في حال فشل التفاوض.
وأضاف أن الخط كان يسهم بحدود 7% فقط من صادرات العراق، وزيادة حجم الصادرات عبر هذا الخط، سوف تمنح تركيا مساحة لإعادة التفاوض حول خفض التعويضات وزيادة رسوم العبور، خصوصاً مع وجود مشاريع إقليمية كبرى مثل "طريق التنمية".
وأكد الحلو أن الخيارات البديلة، مثل إحياء خط العراق–سورية–بانياس، تواجه عقبات أمنية وتكاليف إعادة تأهيل بمليارات الدولارات، في حين أن مدّ خطوط جديدة عبر الخليج سيحمل أعباء مالية كبيرة جداً، مشدداً على أهمية التوصل إلى اتفاق متوازن مع تركيا وتشغيل الخط بكامل طاقته التشغيلية لتقليل خسائر النقل البحري عبر منافذ الخليج العربي الذي بات يشكل خطراً في ظل الصراع الدائر بالمنطقة.