أميركا تحارب ارتفاع عوائد السندات بمناورة ديون جديدة

19 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 22:12 (توقيت القدس)
سكوت بيسنت خلال مقابلة تلفزيونية في واشنطن، 30 يوليو 2026 (أندرو هارنيك/ Getty)

يحاول وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كبح جماح الارتفاع الحاد في عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل عبر مضاعفة عمليات إعادة شراء الديون، في خطوة تكشف حجم القلق المتزايد في واشنطن من كلفة الاقتراض المرتفعة وانعكاساتها على الاقتصاد والمالية العامة. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، أنها ستزيد، بما لا يقل عن الضعف، حجم عمليات إعادة شراء السندات المستحقة في آجال تمتد من 10 إلى 30 عاماً، بعد أسبوعين فقط من إعلانها برنامج عمليات الشراء للربع الحالي. وأدى الإعلان سريعاً إلى تراجع عوائد السندات والدولار، إذ هبط عائد السندات لأجل 30 عاماً بما يصل إلى 10 نقاط أساس إلى 5.18%، مبتعداً عن أعلى مستوى له منذ عام 2007.

ووفق بلومبيرغ، تأتي الخطوة في وقت سجلت فيه عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل حول العالم مستويات مرتفعة، بينما بلغت كلفة الاقتراض الأميركي لآجال طويلة مستويات تاريخية، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد الأميركي وعلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، خصوصاً قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني. فارتفاع عوائد سندات الخزانة لا يعني فقط زيادة كلفة تمويل الحكومة عجزها المتضخم، بل ينعكس أيضاً على أسعار الرهن العقاري والقروض وتمويل الشركات، بما قد يضغط على الاستهلاك والاستثمار والنمو الاقتصادي. وكلما طال أمد هذه المستويات المرتفعة، ازدادت فاتورة خدمة الدين الأميركي، التي أصبحت أصلاً أحد أكبر مصادر الضغط على الميزانية الفيدرالية.

وتنسب الوكالة إلى محللين أن تحرك بيسنت يعكس رغبة واضحة في تهدئة الطرف الطويل من منحنى العائد، حتى وإن كانت قدرة وزارة الخزانة على تغيير اتجاه السوق محدودة. ومن هؤلاء مدير المحافظ في شركة "برانديواين غلوبال إنفستمنت مانجمنت" جاك ماكنتاير، الذي قال إن الإدارة "بحاجة إلى انتصار"، وقد يأتي ذلك من محاولة إبقاء العوائد طويلة الأجل تحت السيطرة بصورة مصطنعة، في ظل تشاؤم المستثمرين تجاه السندات طويلة الأجل.

وتستعد وزارة الخزانة لبدء عمليات إعادة الشراء الموسعة في التاسع من سبتمبر/أيلول، بعدما كانت قد حددت في وقت سابق مشتريات تصل إلى 14 مليار دولار من سندات الخزانة لأجل ما بين 10 و30 عاماً خلال الفترة من التاسع من سبتمبر إلى الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني. ويشير قرار مضاعفة هذا الرقم إلى إمكانية إضافة 14 مليار دولار على الأقل إلى عمليات الشراء. لكن الخطوة تفتح جبهة أخرى في سوق الدين الأميركي، إذ تحتاج الخزانة إلى تمويل عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، وهو ما يرجح أن يتم عبر زيادة إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل، ما يضع سوق أذون الخزانة أمام معادلة أكثر تعقيداً.

وكانت وزارة الخزانة قد توقعت قبل أسبوعين انخفاضاً موسمياً في إصدارات أذون الخزانة خلال سبتمبر، مدفوعة بتدفقات الضرائب التي تدخل خزينة الحكومة. إلا أن قرار زيادة عمليات إعادة الشراء يقلب تلك التوقعات، إذ ستحتاج الوزارة إلى أموال إضافية لتمويل مشترياتها الجديدة، ولا سيما أن البرنامج لا يضع سقفاً محدداً لحجم عمليات الشراء. وفي هذا الصدد، نقلت الوكالة عن كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى "جيفريز" توماس سيمونز قوله إن التنبؤ بحجم إصدارات أذون الخزانة كان صعباً أصلاً، وإن القرار الجديد يزيد تعقيد المهمة، مشيراً إلى أن توقعات الوزارة بشأن الإصدارات أصبحت أقل وضوحاً.

وتعتمد الخزانة الأميركية بصورة متزايدة على أذون الخزانة لتمويل احتياجاتها، مستفيدة من الطلب القوي عليها ومن استقرار توقعات إصدار السندات طويلة الأجل. ومنذ زيادة إصدارات الأذون في أوائل يوليو/تموز، جمعت الخزانة نحو 551 مليار دولار صافي تمويل، وفق بيانات "تريجري دايريكت" (TreasuryDirect). ورغم ضخامة الرقم، فإن التمويل الإضافي المطلوب لإعادة شراء السندات يبقى صغيراً مقارنة بحجم سوق أذون الخزانة، إذ تجري وزارة الخزانة مزادات بإجمالي يقارب 2.25 تريليون دولار من الأذون شهرياً.

وقدرت "ويلز فارغو" أن استمرار الوتيرة الجديدة قد يرفع عمليات إعادة شراء السندات إلى نحو 32 مليار دولار في الربع الواحد، ما يعني حاجة الخزانة إلى زيادة إصدار أذون الخزانة بنحو 12 مليار دولار حتى الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني، وبنحو 16 مليار دولار لكل ربع بعد ذلك لتمويل عمليات الشراء. ويأتي تحرك بيسنت ضمن سلسلة خطوات اتخذتها وزارة الخزانة خلال الفترة الأخيرة في محاولة للتعامل مع ارتفاع تكاليف الاقتراض. فقد شاركت واشنطن وطوكيو في نهاية يوليو/تموز في أول عمليات منسقة لشراء الين منذ عام 1998، في خطوة رأى محللون أنها تستهدف الحد من عمليات بيع محتملة لسندات الخزانة الأميركية من جانب اليابان.

كما فتحت وزارة الخزانة الباب أمام احتمال خفض إصدارات السندات طويلة الأجل، فيما دافع بيسنت عن استراتيجية التواصل الجديدة لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، بعدما ساهم غموض موقفه بشأن التضخم والسياسة النقدية في دفع عوائد السندات إلى الارتفاع. وتعيد عمليات إعادة الشراء الجديدة إلى الواجهة فكرة "عملية تويست" التي استخدمها الاحتياطي الفيدرالي في فترات سابقة للتأثير في منحنى العائد. فبدلاً من تدخل البنك المركزي، تتحرك الخزانة هذه المرة عبر سحب جزء من الديون طويلة الأجل من السوق وتمويلها بأدوات قصيرة الأجل.

ويرى محللون تحدثوا لبلومبيرغ أن هذه المناورة قد تمنح الخزانة بعض القدرة على تخفيف الضغوط عن السندات طويلة الأجل، لكنها في المقابل قد تزيد الإمدادات من أذون الخزانة وتخلق ضغوطاً مؤقتة في أسواق التمويل قصيرة الأجل. لذلك، فإن نجاح الخطة سيعتمد في النهاية على قدرة واشنطن على خفض العوائد طويلة الأجل من دون نقل المشكلة إلى الطرف القصير من سوق الدين. لكن تبقى المشكلة الأكبر أن إعادة شراء السندات لا تعالج الأسباب الأساسية الكامنة وراء ارتفاع العوائد، من تضخم وعجز مالي وضخامة الدين الأميركي إلى شهية المستثمرين تجاه السندات. وكما يرى بعض الاستراتيجيين، فإن ما يخفض العوائد طويلة الأجل بصورة مستدامة هو تباطؤ الاقتصاد أو تراجع المخاطر الجيوسياسية، وليس مجرد تدخل الخزانة في السوق.