أسعار النفط تنذر بسيناريوهات صعبة لاقتصادات خليجية

06 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 08:51 (توقيت القدس)
منشأة شركة أرامكو، السعودية، 20 سبتمبر 2019 (فايز نور الدين / فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه سوق النفط العالمية حالة من عدم اليقين بسبب تباين توقعات المؤسسات الدولية الكبرى حول أسعار النفط في 2025-2026، حيث تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية انخفاضاً حاداً في الأسعار، بينما تحذر وكالة الطاقة الدولية من فائض نفطي قياسي، وتتوقع أوبك نمواً في الطلب.

- تشير دراسة إلى أن الهبوط المتوقع في أسعار النفط قد يؤدي إلى عجز مالي يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج في 2025-2026، مع تفاوت التأثيرات بين الدول.

- يرتبط التباين في التوقعات بأهداف المؤسسات الكبرى في قطاع الطاقة، حيث تميل أوبك إلى التفاؤل لحماية مصالح الدول المنتجة، بينما تعكس توقعات وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة واقعاً أقل تفاؤلاً.

تواجه سوق النفط العالمية حالة من عدم اليقين نتيجة تباين توقعات المؤسسات الدولية الثلاث الكبرى (أوبك ووكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأميركية) بشأن أسعار النفط خلال 2025-2026 بهامش يتجاوز 600 ألف برميل يومياً، وهو ما يعكس اختلافات منهجية عميقة حول مستقبل الطاقة العالمية وديناميكيات الاقتصاد الكلي، وسط تصاعد الضغوط على النفط الروسي من خلال العقوبات الأميركية والأوروبية.

وتتصدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية التوقعات الأكثر تحفظاً، محذّرة من انخفاض حاد في أسعار برنت إلى 62 دولاراً في الربع الأخير من 2025 و52 دولاراً في 2026، وتعزو ذلك إلى تراكم المخزونات النفطية بمعدل 2.7 مليون برميل يومياً، حسب ما أورد تقرير نشرته منصة Rigzone.

ومن جانبها، تتبنى وكالة الطاقة الدولية نظرة أكثر تشاؤماً، محذرة من فائض نفطي قياسي قد يصل إلى 4 ملايين برميل يومياً في 2026، مما يمثل حوالي 4% من الطلب العالمي، حسب ما أورد تقرير نشرته وكالة "رويترز".

أما منظمة أوبك فتتبنى توقعاً متفائلاً نسبياً، متوقعة نمو الطلب بـ 1.3 مليون برميل يومياً في 2025 و1.2 مليون برميل يوميا في 2026، معتمدة على قوة الطلب من الاقتصادات الآسيوية النامية، بحسب تقرير نشرته منصة "أويل برايس".
ويعزو خبراء هذا التباين إلى اختلافات منهجية جوهرية، وهو ما سجله تحليل نشرته مؤسسة بيكر للسياسات العامة، مشيرة إلى ما وصفتها بـ "فجوة غير مسبوقة" بين توقعات أوبك ونظيراتها الأميركية تكررت منذ عام 2023.

تأثيرات على دول الخليج

وتواجه دول الخليج تأثيرات متعددة حسب تباين سيناريوهات أسعار النفط المتوقعة. وحذرت دراسة نشرتها مؤسسة "بي إن بي باريبا ريسيرش" من أن الهبوط المتوقع في الأسعار سيترجم إلى عجز مالي متوقع يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025-2026.

وتفيد الدراسة ذاتها بأن تأثير هذا العجز يختلف من دولة لأخرى، لافتة إلى أن ثلاث دول خليجية، هي سلطنة عمان وقطر والإمارات، لا تزال "تتمتع بهوامش ميزانية مريحة لامتصاص صدمة انخفاض أسعار النفط"، كما أن الكويت تستفيد من دخل صندوقها السيادي الضخم الذي لا يدخل الميزانية الرسمية، مما يحسن وضعها المالي.
أما البحرين، وهي منتج نفطي صغير، فتظل "الأكثر عرضة للمخاطر، لكن الوضع يبقى مستداماً بفضل دعم دول الخليج الأخرى"، بينما تواجه السعودية، بوصفها أكبر منتج نفطي في الخليج، أصعب سيناريو اقتصادي، إذ تشير الدراسة إلى أن "سعر التعادل المالي للسعودية يبلغ 94 دولاراً، لتواجه أصعب وضع يتعلق بتوقعات أسعار النفط المستقبلية.
ويعزز من هذه الصعوبة تحليل نشرته منصة معهد الطاقة لجنوب شرق أوروبا، وهي مؤسسة أوروبية متخصصة في أسواق الطاقة، أشار إلى أن دقة التنبؤ التاريخية تميل إلى التقديرات الأميركية، وأكد أن "إدارة معلومات الطاقة" تحديداً حققت "دقة توقعية ملحوظة" في توقعات الإنتاج والأسعار على مدى السنوات الثلاث الماضية، حيث اتفقت توقعاتها بشكل وثيق مع البيانات الفعلية.

جذر تاريخي للتباين

وفي هذا الإطار، يشير الخبير في شؤون النفط، أحمد حسن كرم، لـ "العربي الجديد"، إلى أن تباين التوقعات بشأن أسعار الخام في الفترة المقبلة يرتبط بأهداف تأسيس المؤسسات الكبرى في قطاع الطاقة، إذ يعود أصل هذا الاختلاف إلى طبيعة المهام التي وُجدت من أجلها كل جهة.
فمنظمة أوبك أُنشئت في البداية لحماية مصالح الدول المنتجة للنفط، التي كانت تُعرف بـ"الدول الخمس"، في مواجهة ما عُرف بـ"الأخوات السبع"، أي الشركات النفطية العالمية التي سيطرت على الإنتاج والأسعار قبل عام 1960، ومن هنا تميل بيانات أوبك وتوقعاتها المستقبلية إلى التفاؤل نسبياً، نظراً لاعتمادها على معطيات فعلية من الدول الأعضاء، إضافةً إلى دراسات حول تطور الطلب العالمي على النفط في المدى المقبل، حسب تحليل كرم.

وفي المقابل، تأسست وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة في سياق مختلف، إذ أُنشئت كل منهما كرد مؤسسي على نفوذ أوبك، وانطلقتا من رؤية تهدف إلى دعم الدول الصناعية في تقليل اعتمادها على النفط عبر تعزيز إنتاج الطاقة البديلة والمتجددة، ولهذا فإن توقعات هاتين الجهتين غالبا ما تعكس واقعا أقل تفاؤلا حيال مستقبل النفط، في محاولة لدفع الحكومات والقطاعات الصناعية إلى تكثيف استثماراتها ودراساتها في مجالات الطاقة النظيفة، حسبما يرى كرم.
وإزاء ذلك، يعد التباين في توقعات أسعار النفط بين هذه المؤسسات الكبرى ظاهرة طبيعية ومتجذرة منذ لحظة تأسيسها، ويرى كرم أن هذا التنوع في الرؤى لا ينبغي أن يهمش، خاصةً بالنسبة للدول الخليجية المنتجة للنفط، التي تعتمد موازناتها العامة بشكل شبه كلي على إيرادات النفط، ما يستدعي منها التعامل مع هذه التوقعات بحذر شديد، واختيار المصادر الأكثر موثوقية وملاءمة لسياقها الاقتصادي والسياسي.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ومع ذلك، يلفت كرم إلى أن التوقعات تبقى مجرد سيناريوهات احتمالية، وقد يختلف الواقع بشكل جذري بسبب عوامل اقتصادية أو جيوسياسية طارئة لا يمكن التنبؤ بها مسبقاً، ولذا يخلص إلى أن الحذر يظل المطلب الأساسي للدول الخليجية عند إعداد موازناتها العامة أو اتخاذ قرارات متعلقة بمستويات الإنتاج النفطي، إذ لا يمكن الاعتماد الكامل على أي توقع، مهما بدا دقيقا، في ظل طبيعة السوق النفطية المتقلبة والمرتبطة بمتغيرات خارج نطاق التحليل التقليدي.

ضغوط هبوطية

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، وضاح طه، لـ "العربي الجديد"، إلى أن تقييم أسعار النفط يعتمد على مجموعة من الفرضيات الأساسية تشمل مستويات إنتاج الدول الأعضاء في منظمة أوبك، والإنتاج خارجها، إضافة إلى حجم الاستهلاك العالمي، لافتا إلى أن الآلية الاقتصادية للتسعير مفادها أنه إذا زاد الإنتاج بمعدل يفوق الطلب اليومي ينشأ فائض في السوق، ما يمارس ضغوطا هبوطية على الأسعار، والعكس صحيح في حال ارتفاع الطلب أو تراجع العرض.
ويضيف طه أن التوقعات الحالية تظهر احتمال وجود فائض في الربع الأخير من العام يتراوح بين 1.4 و1.7 مليون برميل يوميا، وهو ما يبقي أسعار النفط تحت ضغط مستمر، لتتراوح حول المتوسطات الستينية، أي قرب مستوى 60 دولاراً للبرميل.
ويعزو طه الارتفاعات المؤقتة الأخيرة، مثل وصول السعر إلى 66 دولاراً، إلى العقوبات المفروضة على شركتي نفط روسيتين، لكنه يرى أن هذا التأثير لن يطول، متوقعاً أن يعود السعر إلى مستوى 59–60 دولاراً بنهاية الربع الرابع من العام الحالي.

أما في عام 2026، فيعتمد حجم الفائض المتوقع، الذي قد يصل إلى 2.4 مليون برميل يومياً، على الطاقة الإنتاجية الفعلية لدول تكتل "أوبك+" وقدرتها على ضبط الإنتاج، إضافة إلى سلوك المنتجين خارج المنظمة، حسبما يرى طه، مشيراً إلى وجود ارتفاع في الطلب العالمي، ورغم ذلك فإن وتيرة زيادة العرض قد تفوقه، ما يعزز احتمالات استمرار الضغوط الهبوطية. ويوضح طه أن هذه الفرضيات، التي تشمل القدرة الإنتاجية ومعدلات الاستهلاك وتفاصيل العوامل المرتبطة بها، هي التي تقود إلى التقديرات الحالية، والتي يكاد يجمع عليها المحللون من حيث الاتجاه العام، وإن اختلفت التقديرات الدقيقة.

فبينما يرى البعض أن السعر سيبقى بين 59 و60 دولاراً، يذهب آخرون إلى احتمال انخفاضه إلى ما دون ذلك، مع توقعات بعدم تجاوزه مستوى 53 دولاراً، بل قد يصل إلى 50 دولاراً في حال استمرار الفائض وغياب الصدمات الجيوسياسية، بحسب طه، مشيراً إلى أن هذا السيناريو يشكل تحدياً كبيراً للدول التي لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط، مثل الكويت والعراق، في حين سيكون تأثيره أقل وطأة على اقتصادات نجحت في تنويع مصادر دخلها، مثل الإمارات والسعودية، حيث تجاوزت مساهمة القطاعات غير النفطية في كل منهما 50% من الناتج المحلي الإجمالي.

وعلى المدى الطويل، يلفت طه إلى عوامل هيكلية ستواصل الضغط على الطلب على النفط، أبرزها التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية، خاصة في أوروبا، حيث توجد خطط إلزامية للتخلي التدريجي عن السيارات التي تعمل بالوقود التقليدي، وبحلول عام 2030 قد تصبح هذه التحولات سبباً رئيسياً في تقييد نمو الطلب، ما يجعل عودة النفط إلى مستوى 80 دولاراً أمراً بعيد المنال.
ومع ذلك، يشير طه إلى أن زيادة استهلاك الدول النامية، مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، قد توفر دعماً جزئياً للطلب، لكنه لا يرى أن ذلك كاف لدفع الأسعار فوق نطاق 73–75 دولاراً، إلا في حال حدوث صدمات جيوسياسية كبيرة تعيق إنتاج دول رئيسية.
ويخلص طه إلى أن الصورة العامة لأسعار النفط في الفترة المقبلة تميل إلى الهبوط أو الاستقرار عند مستويات معتدلة، مع بقاء السوق عرضة للتقلبات الناتجة عن التوازن الدقيق بين العرض والطلب، والتحولات التكنولوجية والسياسية العالمية.

المساهمون