أسعار الغذاء تهدأ في مصر... لماذا ارتفع التضخم؟

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 15:42 (توقيت القدس)
أسواق مصر سوق شعبي القاهرة، 7 يناير 2023 (فاضل داود/Getty)

أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن يوليو/تموز 2026 تباينا واضحا في حركة الأسعار داخل السوق المصرية، إذ ساهم انخفاض بعض أسعار الغذاء في الحد من الزيادة الشهرية للتضخم، بينما واصلت بنود أساسية في إنفاق الأسر، في مقدمتها السكن والتعليم والنقل، تسجيل زيادات سنوية تفوق معدل التضخم العام، ما يبقي الضغوط على ميزانيات الأسر رغم هدوء أسعار الطعام خلال الشهر. وسجل الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية 289.9 نقطة في يوليو/تموز، بزيادة شهرية محدودة بلغت 0.1%، بينما بلغ معدل التضخم السنوي 13%، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وتظهر تفاصيل المؤشر تفاوتا كبيرا بين مجموعات الإنفاق، إذ قفزت أسعار المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 31.1% على أساس سنوي، وارتفعت أسعار النقل والمواصلات 21.1%، والتعليم 20%، والأثاث والتجهيزات المنزلية 15.2%، والمطاعم والفنادق 13.3%، والملابس والأحذية 13%، بينما سجلت أسعار الطعام والمشروبات زيادة سنوية أقل بلغت 7.9%. وانخفضت مجموعة الطعام والمشروبات 0.1% خلال يوليو/تموز مقارنة بالشهر السابق، وهو ما ساهم في تهدئة التضخم الشهري، لكن الأسر واصلت مواجهة زيادات كبيرة في بنود يصعب خفض الإنفاق عليها، مثل الإيجارات والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية. ويختلف أثر التضخم بين الأسر وفقا لتوزيع إنفاقها، إذ لا يعني تسجيل معدل عام قدره 13% أن تكلفة معيشة جميع الأسر ارتفعت بالنسبة نفسها. فالأسرة التي تستحوذ تكاليف السكن والتعليم والنقل على حصة كبيرة من دخلها تواجه معدل زيادة فعليا في نفقاتها يختلف عن أسرة يتركز إنفاقها بصورة أكبر على السلع الغذائية.

وقال باسم أحمد نعيم، مدير إدارة مبيعات الأفراد في شركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، إن عودة التضخم إلى الارتفاع لا تمثل في الوقت الحالي تطورا سلبيا كبيرا بالنسبة للسوق، مشيرا إلى أن الزيادة محدودة ولا تعكس تحولا حادا في الاتجاه العام. وأضاف نعيم، في تعليق لـ"العربي الجديد"، أن ارتفاع التضخم لا يزال في نطاق محدود ولا يشير بمفرده إلى تغير جوهري في اتجاهات السوق، مستبعدا أن يدفع المستوى الحالي البنك المركزي المصري نحو رفع أسعار الفائدة، إذ تعتمد قرارات السياسة النقدية على مجموعة من المتغيرات الاقتصادية ولا تستند إلى التضخم وحده. وأشار إلى ارتفاع تكلفة بعض الخدمات، خصوصا التعليم والرعاية الصحية، وما تفرضه من ضغوط مباشرة على ميزانيات الأسر، موضحا أن انخفاض أسعار بعض السلع الغذائية "يمكن أن يخفف جزءا من هذه الضغوط، لكنه لا يلغي أثر الزيادات في الخدمات الأساسية".

معدلات الزيادة السنوية لبعض بنود الإنفاق في مصر (يوليو/تموز 2026)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وقال نعيم إن ارتفاع تكلفة البنود الأساسية قد يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستهلاكية، خاصة إذا استمرت زيادات أسعار الخدمات إلى جانب الغذاء، مشيرا إلى أن الدخل يمثل العامل الحاسم في قدرة الأسر على مواجهة الأسعار، وأن أثر التضخم يزداد عندما ترتفع تكلفة السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخول.  ويرى أن أسعار الغذاء تظل من أهم العوامل المؤثرة في القوة الشرائية للمستهلكين، فيما تفرض تكاليف التعليم والرعاية الصحية ضغوطا إضافية لكونها من النفقات الأساسية التي يصعب على الأسر الاستغناء عنها. ودعا نعيم إلى زيادة المعروض من السلع الغذائية والأساسية للحد من انتقال الزيادات السعرية إلى المستهلكين، معتبرا أن قدرة الحكومة على ضبط أسواق السلع، بالتزامن مع تحسن المؤشرات الاقتصادية الأخرى، ستؤثر في مسار التضخم وقدرة الأسر على الحفاظ على مستويات استهلاكها.

الغذاء يخفف التضخم الشهري

وأظهر رصد لـ"العربي الجديد" لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن أسعار الطعام والمشروبات انخفضت 0.1% خلال يوليو/تموز، لكن التحركات داخل المجموعة جاءت متفاوتة، إذ تراجعت بعض المكونات في مقابل ارتفاع أخرى. وارتفعت أسعار الخضروات 2%، والأسماك والمأكولات البحرية 0.7%، والفاكهة 0.7%، والألبان والجبن والبيض 0.3%، والحبوب والخبز 0.3%، والزيوت والدهون 0.2%، والبن والشاي والكاكاو 0.1%، فيما زادت أسعار المياه المعدنية والغازية والعصائر الطبيعية 1%. وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار الطعام والمشروبات 7.9%، وسجلت الحبوب والخبز زيادة 2.9%، واللحوم والدواجن 4%، والأسماك والمأكولات البحرية 4.4%، بينما انخفضت أسعار الألبان والجبن والبيض 1%.

وتشير الأرقام إلى أن الغذاء ساهم في تخفيف التضخم خلال يوليو/تموز مقارنة بيونيو/حزيران، لكنه ظل أعلى من مستواه قبل عام، ما يعني أن الانخفاض الشهري لبعض السلع لا يمثل تراجعا عاما في تكلفة الغذاء مقارنة بالعام الماضي. وسجلت الضغوط الكبرى في بند السكن، إذ ارتفعت أسعار المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 0.6% خلال يوليو/تموز، بينما قفزت 31.1% على أساس سنوي، مدفوعة بارتفاع الإيجار الفعلي 28.1% والإيجار المحتسب 50.9%. ويضع ذلك السكن ضمن أكثر بنود مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعا، إذ تجاوز معدل الزيادة السنوية فيه أكثر من ضعفي معدل التضخم العام البالغ 13%.

التعليم والنقل يضغطان على الأسر

وسجلت خدمات التعليم زيادة سنوية بلغت 20% في يوليو/تموز 2026، مقابل 10% في يوليو/تموز 2025، ما يعني تضاعف معدل الزيادة السنوية خلال عام. وارتفعت أسعار التعليم قبل الابتدائي والتعليم الأساسي 22%، والتعليم الثانوي العام والفني 15.3%، والتعليم العالي 17%. وتظهر المقارنة السنوية تسارعا في معدلات الزيادة، إذ ارتفع معدل التعليم قبل الابتدائي والأساسي من 12.5% في يوليو/تموز 2025 إلى 22% في يوليو/تموز الماضي، وقفز التعليم الثانوي العام والفني من 4.3% إلى 15.3%، وزاد التعليم العالي من 12.2% إلى 17%. وسجل بند التعليم بعد الثانوي والفني زيادة بلغت 364.5%، وهي نسبة تخص بندا فرعيا داخل مؤشر أسعار المستهلكين ولا تعني ارتفاع الرسوم الدراسية لجميع الطلاب بالنسبة نفسها.

وتسبق هذه الزيادات انطلاق العام الدراسي الجديد، عندما تتحمل الأسر مصروفات مرتبطة بالرسوم والكتب والأدوات والملابس والنقل، بينما يزيد معدل تضخم التعليم سبع نقاط مئوية على معدل التضخم العام. وارتفعت أسعار النقل والمواصلات 0.1% خلال يوليو/تموز، لكن الزيادة بلغت 21.1% على أساس سنوي. وسجلت أسعار شراء المركبات ارتفاعا 11.5%، والإنفاق على النقل الخاص 18.8%، فيما قفزت خدمات النقل 23.9%. وسجلت الرعاية الصحية زيادة شهرية بلغت 0.6%، نتيجة ارتفاع خدمات مرضى العيادات الخارجية 1.5% وخدمات المستشفيات 1.6%.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار الرعاية الصحية 5.6%، لكن الزيادة بلغت 14.3% في خدمات مرضى العيادات الخارجية و21.5% في خدمات المستشفيات. وطاولت الزيادات السنوية مجموعات أخرى من إنفاق الأسر، إذ ارتفعت أسعار الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية والصيانة 15.2%، والملابس والأحذية 13%، والاتصالات 11.6%. وارتفعت أسعار المطاعم والفنادق 0.2% خلال يوليو/تموز و13.3% على أساس سنوي، مدفوعة بزيادة أسعار الوجبات الجاهزة 13.3% وخدمات الفنادق 12.8%.

الأسعار العالمية تتحرك عكس الغذاء المحلي

وتزامن الانخفاض الشهري في أسعار الطعام والمشروبات في مصر مع ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء العالمي لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو"، ما يشير إلى اختلاف حركة الأسعار المحلية خلال يوليو/تموز عن الاتجاه العام للأسواق العالمية. وبحسب البيانات الواردة في التقرير، ارتفع مؤشر "فاو" لأسعار الغذاء إلى 131.1 نقطة في يوليو/تموز، بزيادة 0.6% عن يونيو/حزيران و1% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، مسجلا أعلى مستوى له منذ يناير/كانون الثاني 2023. وسجلت أسعار الحبوب عالميا زيادة 3.4%، والزيوت النباتية 2%، والسكر 5.6%، بينما انخفض مؤشر أسعار اللحوم 2.8% ومنتجات الألبان 0.7%.

وتقاطع اتجاه أسعار اللحوم عالميا مع السوق المصرية خلال الشهر، إذ تراجع مؤشر اللحوم العالمي 2.8%، بينما انخفضت أسعار اللحوم والدواجن في مصر 2.1%. ولا تتحرك الأسعار المحلية بالضرورة بالنسبة نفسها التي تتحرك بها الأسواق العالمية، إذ تتأثر السوق المصرية بالإنتاج المحلي وحجم المعروض والموسمية وتكاليف النقل والتخزين والاستيراد وسعر الصرف. وتظل تحركات أسعار الحبوب والزيوت والسكر في الأسواق العالمية عاملا مؤثرا في مصر مع الاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء من الاحتياجات الغذائية، فيما يرتبط استمرار هدوء أسعار الغذاء محليا خلال الأشهر المقبلة بحركة الأسعار العالمية وسعر الصرف والإنتاج المحلي وحجم المعروض في الأسواق.