أزمة وظائف تضرب الصين... ملايين العمال يتجهون إلى قطاع التوصيل
تواجه سوق العمل الصينية ضغوطاً متصاعدة مع تباطؤ الاقتصاد وأزمة العقارات وضعف الاستهلاك وتسارع الأتمتة، ما يدفع ملايين العمال والخريجين إلى وظائف التوصيل والنقل عبر التطبيقات، في وقت تظهر فيه مؤشرات على اقتراب هذا القطاع من التشبع مع تراجع الأجور وطول ساعات العمل واشتداد المنافسة على فرص محدودة. ووفق تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز"، اليوم الأربعاء، تظهر حدة الأزمة في قطاع النقل، إذ بات بعض سائقي سيارات الأجرة ينتظرون لساعات للحصول على راكب في مطارات رئيسية، تصل إلى سبع ساعات في مطار بودونغ بشنغهاي، وثماني ساعات في داشينغ ببكين، وعشر ساعات في مطار تيانفو بمدينة تشنغدو.
وتزايدت أعداد السائقين الباحثين عن ركاب مقارنة بالطلب المتاح، إذ نقلت الصحيفة عن سائق في شنغهاي قوله، إن الركاب كانوا قبل جائحة كورونا ينتظرون سيارات الأجرة، بينما أصبحت السيارات الآن هي التي تنتظر الركاب. وتراجعت في الوقت نفسه قدرة القطاعات التقليدية على استيعاب العمالة، ولا سيما العقارات والبناء والتصنيع، بعدما شكلت لعقود وجهة لمئات الملايين من العمال الذين انتقلوا من المناطق الريفية إلى المدن خلال الطفرة الاقتصادية الصينية. ودفع تقلص الفرص في تلك القطاعات أعداداً متزايدة من العمال إلى خدمات توصيل الطلبات والنقل عبر التطبيقات، التي تحولت إلى منفذ رئيسي لاستيعاب فائض العمالة، قبل أن تبدأ هي الأخرى في إظهار مؤشرات على التشبع مع تدفق مزيد من الباحثين عن العمل وتراجع العائد الذي يحصل عليه بعض العاملين.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وبحسب تقديرات مركز أبحاث أنماط التوظيف الجديدة في الصين، وهو مركز تابع لجامعة العاصمة للاقتصاد والأعمال في بكين، تجاوز عدد العاملين في توصيل الطعام وقيادة سيارات النقل عبر التطبيقات 53 مليون شخص في 2025، بزيادة عشرة ملايين عامل خلال عامين فقط. وقال كبير اقتصاديي آسيا في بنك "إتش إس بي سي"، فريدريك نيومان، إن الصين تشهد توسعاً كبيراً في الوظائف المؤقتة، مرجحاً أن يكون عدد العاملين فيها قد تجاوز حاجة السوق الفعلية. وسجلت عدة مدن بالفعل فائضاً في أعداد سائقي تطبيقات نقل الركاب، فيما أعلنت مدينة شنتشن في يونيو/حزيران أن سوق النقل عبر التطبيقات وصل إلى مرحلة التشبع، وفق الصحيفة.
وتشير الأرقام الأوسع نطاقاً إلى نمو أسرع في ما تصفه الصين بـ"التوظيف المرن"، وهو مفهوم يشمل العمل المؤقت والدوام الجزئي والعمل الحر وأشكالاً جديدة من التوظيف. ويتوقع مركز أبحاث أنماط التوظيف الجديدة ارتفاع عدد العاملين ضمن هذه الفئة إلى 320 مليون شخص خلال العام الجاري، مقابل 280 مليوناً في العام الماضي، بينما كان تقدير رسمي قد وضع العدد عند نحو 200 مليون في 2021. وتتزامن هذه الزيادة مع ضعف الزخم الاقتصادي، إذ ظلت ثقة المستهلكين منخفضة لسنوات، بينما تراجعت معدلات نمو مؤشرات رئيسية، من الاستثمار إلى مبيعات التجزئة، إلى مستويات شوهد بعضها خلال عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا في 2022، في وقت تدخل فيه أزمة العقارات عامها الخامس.
وأدى ضعف الطلب على العمالة إلى تراجع القوة التفاوضية للعاملين وزيادة قبولهم بوظائف أقل استقراراً، بحسب مدير أبحاث الصين في مؤسسة "غافيكال" أندرو باتسون، الذي اعتبر توسع العمل المرن والمؤقت مؤشراً على ضعف واسع في سوق العمل أكثر من كونه تحولاً مستقلّاً أحدثته منصات التكنولوجيا، وفق "فاينانشال تايمز". ولا تظهر الضغوط بالكامل في بيانات البطالة الرسمية، إذ ظل معدل البطالة في المناطق الحضرية قريباً من 5% خلال السنوات الماضية، بينما لا ترصد الأرقام بصورة كاملة ناقصي التشغيل أو من توقفوا عن البحث عن وظيفة، كما لا تشمل من عادوا إلى المناطق الريفية.
وتتزامن الضغوط مع مفارقة أخرى تتمثل في تقلص قوة العمل الصينية، التي تجاوزت 800 مليون شخص عند ذروتها في 2015 قبل أن تبدأ بالانخفاض مع تراجع عدد السكان. وكان من المفترض نظرياً أن يؤدي انخفاض المعروض من العمال إلى رفع الأجور، لكن أحد مقاييس نمو الأجور الحضرية تراجع إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 3.4% في 2025. وعزا نيومان ذلك إلى انخفاض الطلب على العمالة بوتيرة أسرع من تقلص المعروض، تحت تأثير أزمة العقارات وزيادة الأتمتة في المصانع، إضافة إلى التأثير الذي لم تتضح أبعاده بعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
وتظهر تداعيات الأزمة بصورة أكثر وضوحاً بين العمال الباحثين عن وظائف يومية. ففي بلدة ماجوتشياو جنوب بكين، يتجمع عمال منذ ساعات الصباح الأولى أملاً في الحصول على فرص مؤقتة، فيما قال عامل بناء يبلغ 54 عاماً للصحيفة إنه لم يتمكن من العمل سوى خمسة أيام خلال الشهر الماضي. ويتقاضى العامل نحو 300 يوان (نحو 45 دولاراً)، مقابل ثماني ساعات من العمل في الهدم، لكنه قال إن المصانع لم تعد ترغب في توظيف عمال في عمره، ما يترك الوظائف المؤقتة ضمن الخيارات القليلة المتاحة أمامه.
وفي غوانغتشو، يواجه عمال توصيل الطلبات ضغوطاً مختلفة تتمثل في تراجع المقابل المالي للعمل، إذ قال عامل توصيل يبلغ 33 عاماً إنه كان يستطيع تدبير احتياجاته بالعمل تسع ساعات يومياً، لكنه أصبح يحتاج إلى 11 ساعة على الأقل بعدما انخفض المقابل الذي يحصل عليه لكل طلب بما يصل إلى الثلث خلال ست سنوات. ويراوح دخله الشهري بين ستة آلاف وثمانية آلاف يوان، أي نحو 900 إلى 1200 دولار، فيما قال إنه بات مضطراً إلى العمل بجهد أكبر بنحو 40% للحفاظ على مستوى دخله السابق.
وأفاد نحو ستة من عمال التوصيل تحدثت إليهم "فاينانشال تايمز"، بانخفاض المقابل الذي يحصلون عليه لكل طلب بنسب راوحت بين 20 و50%، بينما قال بعض العاملين الأكثر هشاشة إن دخلهم بعد اقتطاع التكاليف لا يتجاوز ألفي يوان، أو نحو 300 دولار شهرياً. وامتدت المنافسة على الوظائف المؤقتة إلى خريجي الجامعات، مع دخول أكثر من 12 مليون خريج جديد إلى سوق العمل الصينية هذا العام. وقال خريج إدارة الأعمال تشن يومين، البالغ 24 عاماً، إنه بدأ العمل في توصيل الطعام مباشرة بعد التخرج لعدم معرفته بما يمكن أن يفعله في سوق العمل. ويحصل تشن على نحو 13 ألف يوان، أو 1920 دولاراً، شهرياً، لكنه أشار إلى انخفاض المقابل عن كل طلب بنحو الخمس منذ بدء عمله قبل أكثر قليلاً من عامين، ما يعكس اشتداد المنافسة حتى بين العمال القادرين على تحقيق دخول أعلى نسبياً.
وقال اقتصاديون في بنك "ستاندرد تشارترد"، إن العاملين في الوظائف المؤقتة يواجهون استقراراً أقل في الدخل وحماية عمالية أضعف وتغطية غير مكتملة للضمان الاجتماعي مقارنة بالعاملين في الوظائف التقليدية، وهو ما قد يضغط بدوره على الاستهلاك. وحذر الاقتصاديون، بحسب الصحيفة، من أن معدل البطالة الرسمي يخفي ارتفاع أعداد ناقصي التشغيل والعمال المحبطين، في وقت يشكل فيه ضعف الوظائف والدخول تحدياً لجهود بكين الرامية إلى تعزيز الطلب المحلي وتحويل الاستهلاك إلى محرك أكبر للنمو الاقتصادي.