أزمة نقل في الجزائر بسبب إضراب السائقين احتجاجاً على قانون المرور

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 18:15 (توقيت القدس)
محطة خروبة لنقل المسافرين بالجزائر العاصمة، 16 مارس 2020 (رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت الجزائر اضطرابات في حركة النقل بسبب إضراب سائقي الحافلات احتجاجًا على قانون المرور الجديد، مما أدى إلى ازدحام الشوارع ولجوء المواطنين لتطبيقات النقل الذكي.
- دعت المنظمة الوطنية للناقلين إلى التهدئة واستئناف العمل، مطالبة بتجميد أو تأجيل القانون الجديد، مع التركيز على الحوار والإصلاح التدريجي.
- يتجه مجلس الأمة لمراجعة القانون عبر لجنة برلمانية لمناقشة التحفظات واقتراح نص جديد يحقق توافقًا اجتماعيًا ويحمي مصالح جميع الأطراف.

عاش المسافرون والمستعملون لوسائل النقل البري في الجزائر حالة استثنائية في تنقلاتهم، على مدار آخر يومين، وبرزت حدّتها صباح يوم الأحد 4 يناير/كانون الثاني، تزامناً مع عودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة بعد عطلة الشتاء.

واكتظت الشوارع ومحطات النقل العمومي بالركاب في شوارع الجزائر، نتيجة إضراب أصحاب الحافلات الذي شلّ حركة النقل في مناطق عدّة، فيما ارتفعت موجة من التوتر والضغط على الحافلات الصغيرة وسيارات الأجرة إذ حاول أصحابها تعويض توقف الحافلات.

ويأتي هذا الإضراب ردّة فعل على مشروع قانون المرور الأخير الذي أدخل عقوبات ردعية صارمة تصل في بعض الحالات إلى حد السجن، وهو ما اعتبره كثير من السائقين في حديثهم لـ"العربي الجديد" أنه مجحف ويهدّد مهنتهم، ويقوض حريتهم في العمل، فالقانون الجديد حسبهم "يجعلهم في موقف صعب للغاية، ولا سبيل لهم سوى الإضراب كونه الطريقة الوحيدة للتعبير عن احتجاجهم".

في ظل هذا الوضع، لجأ العديد من المواطنين إلى استخدام تطبيقات النقل الذكي حلاً وملاذاً أخيراً، رغم ارتفاع التعرِفة نسبياً مقارنة بأسعار التنقل الاعتيادية. وقالت فاطمة وهي موظفة "اضطررت لأخذ سيارة عبر التطبيق للوصول إلى عملي في الوقت المحدد، رغم أن الأجرة كانت أعلى بكثير".

دعوة للتهدئة

ودعت المنظمة الوطنية للناقلين الجزائريين، في بيان رسمي صدر اليوم الأحد، جميع الناقلين من أصحاب حافلات نقل المسافرين ونقل البضائع، إلى جانب سائقي سيارات الأجرة الذين أوقفوا نشاطهم، إلى العودة الفورية لمزاولة مهامهم المهنية وإنهاء حالة التوقف عن العمل التي أثرت على حركة النقل في مناطق عدّة.

وأوضحت المنظمة أن "الظرف الراهن يستدعي التحلي بروح المسؤولية، ومنح النقابة فرصة لمعالجة الوضع عبر الحوار والتشاور، بما يضمن حماية حقوق الناقلين والحفاظ على استقرار قطاع النقل واستمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين".
وأكد البيان ثقة المنظمة الكاملة في السلطات العمومية، وعلى رأسها رئيس البلاد، لإيجاد حل عادل ونهائي للمشكلات المطروحة، في إطار احترام القوانين وتحقيق التوازن بين جميع الأطراف المعنية، كما ناشدت المنظمة جميع السائقين إلى التحلي بالحكمة واليقظة، محذرة من أي "محاولات استغلال الوضع من أطراف خارجية قد تسعى إلى ركوب موجة الاحتجاجات أو توظيفها بما لا يخدم مصالح الناقلين ولا المصلحة الوطنية".

وأضاف البيان أن المنظمة ستواصل متابعة الوضع عن قرب، وستبقى ملتزمة بالبحث عن حلول ناجعة تحفظ حقوق الناقلين وتحمي مصالح المواطنين، مؤكدة أن الحوار هو السبيل الأمثل لتجاوز أي إشكال قد يطرأ على القطاع.

دعوة مهنية لتعديل القانون

وفي سياق متصل، قال رئيس منظمة الناقلين حسين بورابة، إنّ "تحرك التنظيمات المهنية في المرحلة الحالية يهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد حلول واقعية ومسؤولة للأزمة التي يعيشها قطاع النقل، وقطع الطريق أمام أي قرارات متسرّعة قد تزيد من تعقيد الوضع الاجتماعي والاقتصادي".

وأوضح بورابة، في حديثه لـ "العربي الجديد" أنّ "المنظمة بادرت بتقديم اقتراح رسمي وعاجل بعد سلسلة من الاجتماعات والتشاورات، كان آخرها اجتماع المكتب الوطني، وذلك من أجل تجميد المشروع محل الجدل أو تأجيله إلى حين تهيئة الظروف المناسبة لتطبيقه".

وكشف رئيس منظمة الناقلين أن "لقاء رسمياً جمعهم بمسؤولي القطاع أول أمس الجمعة، جرى خلاله الاتفاق على مراجعة المقترحات المقدمة، إذ طُلب من التنظيمات النقابية إدخال التعديلات التي تراها مناسبة، مع التأكيد على رفض أي حلول ترقيعية لا تعالج جوهر المشكلة"، وأكد أن "الاقتراح الجديد سيُودَع رسمياً، على أمل أن يحظى بالدراسة اللازمة وأن يجري التعاطي معه بجدية ومسؤولية".

ناقلون يرفضون تحميلهم المسؤولية كاملة

كما عبّر بورابة عن قلقه من الوضعية القانونية التي يعيشها الناقلون، مؤكداً أن تحميلهم وحدهم تبعات الفوضى المرورية أو اختلالات التسعيرة أمر غير عادل. واعتبر أن الزج بالناقلين في السجون بسبب مخالفات مرتبطة بظروف العمل "أمر غير مقبول"، مشدداً على أن العقوبات يجب أن تطاول السلوكيات الإجرامية الحقيقية، مثل القيادة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، لا أن تُسلط على مهنيين قد يقعون في أخطاء غير مقصودة.

ودعا المتحدث، بناء على هذا، أن يكون الإصلاح عبر مسار تدريجي مبني على الحوار والتدرج، مؤكداً أن ترسيخ الثقافة المرورية والإنسانية يتطلب سنوات طويلة من العمل والتوعية، ولا يمكن فرضه عبر القرارات، الأمر الذي يفرض تبني مقاربة عقلانية تشاركية تضع مصلحة البلاد والمواطن فوق كل اعتبار، معبراً عن أمله في أن يجري التجاوب إيجابياً مع المقترح المقدم لما فيه خير للقطاع وللاستقرار الاجتماعي.

التعويل على مجلس الأمة

ومع تصاعد الاحتجاجات بين الناقلين، خاصة سائقي الشاحنات والحافلات، على بعض أحكام مشروع قانون المرور الجديد، يستعد مجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان) لممارسة صلاحياته الدستورية والتحفظ على نصوص القانون المثار حولها الجدل، بعد تحويل مشروع القانون إليه عقب التصويت عليه من نواب المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى)، وبالتالي استدراك الثغرات وتصحيح الأحكام الخلافية.

المخرج الدستوري

ويستند مجلس الأمة في هذه العملية إلى المادة 145 من الدستور، حسب مصادر مطلعة، إلى جانب الفصل الثالث من القانون العضوي رقم 16- 12، الذي ينظم عمل المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعلاقتهما بالحكومة. ويعتبر اللجوء إلى آلية "اللجنة المتساوية الأعضاء"، المنصوص عليها في المواد 88 إلى 98 من نفس القانون، مخرجاً قانونياً فعالاً لتجاوز الانسداد، كما جرى سابقاً عام 2023 مع قوانين الإعلام وحماية أراضي الدولة.

وعلى هذا الأساس، تنص المواد 88 و89 على أنه في حال حدوث خلاف بين الغرفتَين حول نص قانوني، يبلغ رئيس مجلس الأمة أو رئيس المجلس الشعبي الوطني الحكومة فوراً، لتقوم الأخيرة بدعوة لجنة متساوية الأعضاء تضم عشرة أعضاء عن كل غرفة، في أجل أقصاه 15 يوماً، بهدف اقتراح نص جديد يختصّ بالأحكام محلّ الخلاف. وتعقد اللجنة اجتماعاتها بالتداول بين مقرَّي الغرفتَين، برئاسة عضو من الغرفة المستضيفة، ونائب رئيس من الغرفة الأخرى، مع انتخاب مقرّرَين عن كل غرفة لضمان توازن الصياغة القانونية، وفق المواد 90 و91.

وتتمتع اللجنة، وفق المادة 94، بصلاحية دراسة الأحكام محلّ النزاع بعمق، والاستماع لأعضاء الحكومة أو أي عضو برلماني أو شخصية خبيرة، لضمان توافق النص المقترح مع الواقع الاجتماعي. ويُعرض التقرير النهائي على الغرفتَين للمصادقة دون إمكانية تعديل النص إلّا بموافقة الحكومة، ما يضمن حماية البرلمان والحكومة من الوقوع تحت طائلة المادة 23 من القانون العضوي، التي تمنع إعادة دراسة مشروع سبق سحبه أو رفضه قبل ستة أشهر.

ووفق مصادر مطلعة من مجلس الأمة، ستبدأ ملامح هذا التوجه في التبلور خلال اجتماع اللجنة المختصة يوم الثلاثاء المقبل، بحضور ممثل الحكومة (وزير الداخلية والنقل)، إذ سيجري عرض القانون ومناقشة التحفظات تمهيداً لبعث اللجنة متساوية الأعضاء فور انتهاء الجلسة العامة المقرّرة للتصويت يوم 21 يناير/كانون الثاني.