أزمة مالية تهدد اقتصاد الجزائر... الاحتياطيات الأجنبية تتآكل

09 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 09:09 (توقيت القدس)
أسواق الجزائر في 29 مارس 2024 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- حذر البنك الدولي من تآكل الاحتياطيات الأجنبية للجزائر بسبب تراجع أسعار النفط والغاز، مما يهدد الاستدامة المالية للبلاد. تراجعت الاحتياطات إلى ما يعادل 15 شهراً من الواردات بنهاية 2024، مع توقعات بانخفاض أكبر في 2025 نتيجة العجز الجاري وزيادة الواردات.

- شهدت القطاعات غير النفطية في الجزائر نمواً ملحوظاً في النصف الأول من 2025، مدعومة بالاستثمارات والاستهلاك المحلي، مما عزز الناتج المحلي الإجمالي رغم تراجع إنتاج النفط والغاز.

- يقترح الخبير المالي جلول سلامة تسريع مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، تقليص النفقات الحكومية، ومراجعة سياسات الاستثمار لمواجهة الوضع الاقتصادي الراهن.

حذر البنك الدولي في أحدث تقرير له من تآكل الاحتياطيات الأجنبية للجزائر مع تراجع أسعار النفط والغاز، مؤكدا أن الهوامش المالية للبلاد بدأت تنكمش بصورة لافتة رغم النمو المسجل في القطاعات غير النفطية. وأوضح التقرير أن انخفاض العائدات الطاقوية واتساع عجز الحساب الجاري يعيدان طرح مخاوف الاستدامة المالية، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الجزائري بشكل شبه كامل على إيرادات المحروقات لتغطية الإنفاق وتمويل الواردات.

وجاءت هذه التحذيرات ضمن تقرير مطول حول متابعة وضع الاقتصاد الجزائري ضمن مشاورات الخريف للبنك الدولي، صدر الخميس 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025، اطلعت "العربي الجديد" على نسخة منه. وكما هو معروف فإن الاحتياطات الجزائرية من العملة الصعبة ترتفع كلما يزداد التصدير الذي تهيمن عليه إيرادات المحروقات (نفط وغاز ومشتقات). ووفق آخر بيانات حكومية تقدر الاحتياطات الجزائرية بنحو 69 مليار دولار، دون احتساب الذهب. وبلغت احتياطات النقد الأجنبي الجزائرية ذروتها عام 2014، ببلوغها 194 مليار دولار، لكنها سرعان ما تآكلت بعد الصدمة النفطية للسنة ذاتها، ولم تعاود النمو إلا في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية جراء ارتفاع أسعار النفط والغاز على مستويات قياسية.

تراجع تغطية الواردات  

ويكشف التقرير أن احتياطات الجزائر من النقد الأجنبي واصلت منحى الانكماش خلال العام الماضي، إذ تراجعت إلى ما يعادل 15 شهرا من الواردات مع نهاية 2024، بعدما كانت عند 16.4 شهرا قبل عام، في إشارة إلى تقلص الهامش المالي الخارجي الذي تعتمد عليه الحكومة في امتصاص الصدمات. ويوضح البنك الدولي أن هذا التراجع لم يكن ظرفيا، إذ تظهر تقديراته تسجيل مزيد من الانخفاض خلال النصف الأول من 2025، مدفوعا باتساع عجز الحساب الجاري على خلفية هبوط العائدات الطاقوية وتزايد فاتورة الواردات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية.

وتشير التقديرات إلى أن الاختلالات في الميزانية العامة والميزان الخارجي للجزائر ستظل مرتفعة في المستقبل، ما يؤدي إلى زيادة كبيرة في مستوى الدين العام واستمرار تآكل الاحتياطيات النقدية. كما يشكل أي انخفاض إضافي في أسعار النفط والغاز مقارنة بالافتراضات المرجعية خطرا كبيرا على مستوى الاحتياطيات الخارجية، مما يضع الحكومة أمام تحديات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، ويزيد من الحاجة إلى إصلاحات هيكلية لتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية. ويربط البنك الدولي هذا التطور بتقلبات الأسواق الدولية وتذبذب إيرادات النفط والغاز، مبرزا أن الحفاظ على مستوى مريح من الاحتياطات يتطلب ضبطا أكبر للنفقات وتحسين مردودية القطاعات غير النفطية التي تشهد نموا لكنه ما يزال عاجزا عن تعويض الطبيعة الريعية للاقتصاد.

تحسن نسبي بالقطاعات غير النفطية

ويظهر التقرير نموا ملحوظا في القطاعات غير النفطية بالجزائر خلال النصف الأول من 2025، ما ساهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي رغم تباطؤ قطاع المحروقات (نفط وغاز). وعزا البنك الدولي هذا النمو إلى توسع كبير الاستثمار والاستهلاك المحليين، في إطار خطط الحكومة للتحرر من تبعية المحروقات، حيث ساهمت الاستثمارات المتزايدة في دعم الطلب على الواردات وتعزيز النشاط الصناعي والخدمي، مع بقاء الاستهلاك مرتفعا لدى الأسر الذي تزامن مع تباطؤ في التضخم. كما ساهم القطاع الزراعي في دعم النمو خارج القطاعات النفطية، وفقا للوثيقة، إذ حقق نموا بـ 6.1% بالنصف الأول، صعودا من 5.3 في عام 2024. وفي التفاصيل فقد ارتفع استهلاك الأسر بواقع 4.7% في النصف الأول من السنة، و7.1% للخدمات والفنادق، وتجارة التجزئة بنحو 9%.

وبحسب البنك الدولي، سجل إنتاج النفط بالجزائر بعد انكماش بنحو 6.9% في عام 2024 نموا بطيئا للغاية بالنصف الأول من السنة، تماشيا مع تطور حصص منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك". ومنذ 2022، سجلت الجزائر أول زيادة في إنتاجها من النفط في إبريل/ نيسان 2025 بموجب حصص "أوبك"، بحسب التقرير، حيث ارتفع الإنتاج من 911 ألف برميل إلى 963 ألف برميل في أكتوبر الماضي، ما يمثل زيادة طفيفة بنسبة 0.9%، موضحا أنه بالتزامن مع هذه الزيادة المحدودة في الإنتاج، تراجعت أسعار الخام إلى 68.1 دولارا للبرميل خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري.

تذبذب في إنتاج الغاز وتصديره

أما إنتاج الغاز الطبيعي، فسجل ارتفاعا طفيفا خلال النصف الأول من 2025، وفقا للبنك الدولي، وذلك رغم استمرار تراجع الصادرات. فبعد بلوغ الإنتاج ذروته في عام 2023، انخفض بنسبة 6.2% في 2024، وتراجعت الصادرات بـ6.6%، مدفوعة بانخفاض ملموس في صادرات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 14.3%، وتراجع الإمدادات عبر خطوط الأنابيب إلى إيطاليا وإسبانيا بنسبة 2.7%. ويعزو التقرير هذه الانخفاضات إلى ارتفاع الاستهلاك المحلي، واعتدال فصل الشتاء في أوروبا، وتوسع الاعتماد على الطاقات المتجددة، إضافة إلى المستويات القياسية لمخزونات الغاز الأوروبية مع نهاية موسم التدفئة.

وتظهر البيانات الفصلية لعام 2025 تقلباً واضحاً في كل من الإنتاج والصادرات: إذ ارتفع الإنتاج في يناير بنسبة 5.9% على أساس سنوي مقابل انخفاض الصادرات بـ7.6%. وفي مايو/ أيار انخفض الإنتاج 2.5% وتراجعت الصادرات 9.1%. أما في يونيو/ حزيران فارتفع الإنتاج مجدداً بنسبة 5%، في حين واصلت الصادرات الهبوط بواقع 5.6%، مع تسجيل تراجع حاد في صادرات الغاز الطبيعي المسال بلغ 24.2%.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

3 محاور للتحرك

في هذا السياق يرى الخبير المالي والاقتصادي جلول سلامة أن الوضعية الراهنة في الجزائر كانت متوقعة، بالنظر إلى استمرار اعتماد الاقتصاد الوطني على إيرادات النفط والغاز بنحو 90%، في حين كانت كل التوقعات تشير إلى بداية تراجع الأسعار بعد الارتفاع الظرفي الناتج من الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرا إلى ان الحكومة يمكنها الارتكاز على 3 محاور لمواجهة الوضع. وأوضح سلامة في حديث لـ"العربي الجديد" أن تحذير البنك الدولي من تآكل الاحتياطيات الأجنبية للجزائر لم يأت مفاجئًا، بل كان متوقعا منذ سنوات، خصوصا مع التوقعات التي تشير إلى عودة روسيا بكامل طاقتها السوقية بين 2026 و2027، ما قد يؤدي إلى طرح كميات كبيرة من النفط والغاز في الأسواق العالمية، وبالتالي تراجع الأسعار وربما انخفاض الطلب على الغاز الطبيعي بعد رفع بعض العقوبات.

وأشار الخبير إلى أن هذا السيناريو سيضع الجزائر أمام صعوبات اقتصادية ملحوظة، بسبب اعتمادها الكبير على المحروقات، وهو أمر كان معروفا ومتوقعا منذ سنتين. وأضاف أن الوقت المتاح للتعامل مع هذه الوضعية بدأ يضيق، ومعه تقلصت الخيارات المتاحة، مشددا على أن الحلول ليست سحرية، بل تحتاج إلى إجراءات صارمة وقاسية أحيانا مناه التقشف، تشمل إعادة توجيه النفقات وإسقاط غير الضروري منها وتقليص ميزانيات التسيير، مع إعطاء الأولوية للاستثمارات والمشاريع التنموية.

ويرى جلول سلامة أن التعامل مع الوضع الاقتصادي الراهن يتطلب حزمة حلول عملية تقوم على ثلاثة محاور أساسية. المحور الأول يتمثل في تسريع تنفيذ مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يسمح بإشراك القطاع الخاص بوصفه محرّكا اقتصاديا قادرا على تخفيف العبء الاستثماري والمالي عن الدولة. أما المحور الثاني، فيتعلق بـ تقليص النفقات الحكومية غير الضرورية وإعادة هيكلة ميزانيات التسيير، بما يضمن توجيه الموارد نحو المجالات ذات الأولوية ويحدّ من الهدر المالي الذي يضغط على التوازنات العامة. 

والمحور الثالث، هو مراجعة سياسات الاستثمار عبر منح الأفضلية للمشاريع الإنتاجية والتنموية، ورفع ميزانية التجهيز على حساب بنود الإنفاق غير المنتج، بما يدعم خلق القيمة المضافة ويعزز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات. ويخلص سلامة إلى أن هذه الإجراءات، رغم صعوبتها، قادرة على توفير هامش مناورة للجزائر حتى نهاية 2026، بما يسمح بتدارك الانعطافات المالية الحادة التي لم تُعالج في الوقت المناسب، قبل أن تتفاقم آثارها في السنوات المقبلة.

المساهمون