أزمة زخم السيارات الكهربائية... ما الذي تغيّر في سياسات أوروبا والعالم؟
استمع إلى الملخص
- بدأت شركات السيارات الأوروبية بتعديل استراتيجياتها للتركيز على السيارات الهجينة ومُمدِّد المدى، لكنها تواجه منافسة شديدة من الشركات الصينية المسيطرة على السوق العالمي.
- التوقعات تشير إلى تحسن مبيعات السيارات الكهربائية بفضل الاستثمارات في طرازات جديدة، لكن التحدي يكمن في التوازن بين التحول السريع والحفاظ على الوظائف التقليدية.
مع استحواذ النقل البري على ما يقرب من خُمس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، يصعب تصور كيفية وصول العالم إلى أهداف الحياد الكربوني من دون تخلي الناس عن سياراتهم العاملة بالبنزين والديزل. لسنوات طويلة، قدمت الحكومات إعانات لتشجيع السائقين على التحول إلى السيارات الكهربائية، فيما بدأت شركات صناعة السيارات بإعادة تجهيز مصانعها، وتقديم مجموعة أوسع من الطرازات الكهربائية لتلبية الطلب.
ومع انخفاض الأسعار وتحسّن التكنولوجيا، انتقلت السيارات عديمة الانبعاثات من كونها منتجًا متخصصًا إلى خيار واسع الانتشار، وبدأ يبدو أن عصر محركات الاحتراق الداخلي قد يقترب من نهايته أسرع مما كان متوقعًا. غير أن هذا التحول تعثّر خلال العامين الماضيين. فقد قلّصت الحكومات الحوافز المالية المخصصة للمشترين، فيما أحجم العديد من السائقين بسبب ارتفاع الأسعار ونقص البنية التحتية لمحطات الشحن. ويستعد الاتحاد الأوروبي، الذي لطالما عُدّ رائدًا في سياسات المناخ، لتخفيف اندفاعه نحو السيارات الكهربائية، مع خطط لتأجيل حظر بيع سيارات محركات الاحتراق الداخلي.
ماذا يفعل الاتحاد الأوروبي؟
كانت المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، قد أبلغت الشركات المصنّعة في عام 2022 بأن جميع السيارات الجديدة والمركبات الخفيفة متعددة الاستخدامات التي تُباع اعتبارًا من عام 2035 يجب أن تكون عديمة الانبعاثات. ومنذ ذلك الحين، تباطأ نمو مبيعات السيارات الكهربائية، وبدأت الصناعة تتوقع طلبًا قويًّا على سيارات محركات الاحتراق لسنوات طويلة مقبلة. وعلى هذا الأساس، خفّضت شركات مثل "مرسيدس-بنز" و"فولفو كار" و"بورشه" استثماراتها في السيارات الكهربائية، وكثّفت ضغوطها على بروكسل لإعادة النظر في الموعد النهائي، محذّرة من أن حظر السيارات العاملة بالوقود الأحفوري في وقت لا يزال فيه الطلب عليها قائمًا قد يؤدي إلى تدمير الأرباح وفقدان الوظائف.
ونتيجة لذلك، قدّم الاتحاد الأوروبي موعد مراجعة خططه الخاصة بالانتقال إلى السيارات الكهربائية من عام 2026 إلى ديسمبر/كانون الأول المقبل، ويبحث عن سبل لتخفيف الحظر. ومن بين الخيارات المطروحة السماح لشركات السيارات بمواصلة بيع السيارات الهجينة، التي تعمل بمحرك احتراق وبطارية كهربائية، إضافة إلى السيارات ذات المدى الممتد، حيث يقوم محرك احتراق صغير بإعادة شحن البطارية حتى عام 2040.
كيف تتفاعل شركات السيارات الأوروبية؟
استباقًا لاحتمال تأجيل حظر السيارات الكهربائية، وضعت شركات القطاع خططًا لتقديم مجموعة أوسع من السيارات الهجينة لفترة أطول. كما طلبت من موردي المكونات الاستعداد لتوريد قطع خاصة بسيارات غير كهربائية بعد عام 2035، وفق ما أفادت به وكالة بلومبيرغ. وتدرس شركتا "BMW" و"فولكسفاغن" كذلك إضافة أنظمة مُمدِّد المدى إلى بعض طرازاتهما الكهربائية. وارتفعت مبيعات سيارات الركاب الكهربائية بالكامل والسيارات الهجينة القابلة للشحن بنسبة 26% في عام 2024، مقارنة بـ34% في العام السابق، بحسب تقرير توقعات السيارات الكهربائية الصادر عن "بلومبيرغ نيو إنرجي فاينانس".
وبالرغم من هذا التباطؤ، لا يعني ذلك توقف النمو، إذ واصلت مبيعات السيارات الكهربائية تسجيل مستويات قياسية سنوية، مدفوعة بشكل رئيسي بالسوق الصينية. وقدّرت "بلومبيرغ نيو إنرجي فاينانس" أن الصين استحوذت على نحو ثلثي مبيعات السيارات الكهربائية عالميًّا من أصل 17.6 مليون سيارة بيعت العام الماضي.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 12% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2025، وفق بيانات شركة كوكس أوتوموتيف، وذلك على الرغم من إلغاء الرئيس دونالد ترامب دعم السيارات الكهربائية بعد توليه منصبه في يناير/كانون الثاني. ومن المتوقع أن تتلقى المبيعات ضربة إضافية بعد إعلان الإدارة الأميركية تخفيف معايير كفاءة الوقود الصارمة. أما في أوروبا، فقد استقرت مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة العام الماضي للمرة الأولى. ورغم عودتها إلى النمو هذا العام، مع ارتفاع التسليمات بنسبة 26% خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أكتوبر/تشرين الأول، لا يزال المسار دون المستوى المطلوب لتحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي لخفض الانبعاثات.
ما أسباب تباطؤ نمو السيارات الكهربائية؟
في المرحلة الأولى من انتشار السيارات الكهربائية، تمكنت شركات السيارات من جذب السائقين من خلال إغراء الريادة المبكرة، عبر تزويد المركبات بالتقنيات والميزات الحديثة لتعزيز جاذبيتها. لكن الفئة التالية من المشترين كانت أكثر حساسية للأسعار، وأكثر تشككًا في التكنولوجيا، وأشد قلقًا من مسألة الشحن، خصوصًا في ظل عدم اليقين بشأن توفر محطات الشحن أثناء التنقل. ويبرز هذا التحدي بشكل خاص في الولايات المتحدة، حيث تتركز محطات الشحن في المدن وعلى السواحل الشرقية والغربية.
في أوروبا، تزامن ضعف المبيعات مع إلغاء الدعم الحكومي، ما جعل السيارات الكهربائية، من دون هذه الحوافز، أغلى بكثير من نظيراتها العاملة بالوقود. ففي عام 2024، كانت السيارات الكهربائية أعلى سعرًا بنسبة 30% في أوروبا و27% في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من توفر سيارات كهربائية أرخص، لا سيما في الصين، فإن الحكومات الغربية تحمي شركاتها المحلية، عبر فرض رسوم جمركية وحواجز أخرى، للحد من دخول شركات صينية مثل ."BYD"
ماذا يعني التباطؤ لصناعة السيارات؟
منذ عام 2023، خفّضت شركات السيارات التقليدية تقديراتها لمبيعات السيارات الكهربائية المتوقعة بحلول عام 2030 بأكثر من خمسة ملايين سيارة، لتصل إلى 21.7 مليون سيارة. حتى شركة تسلا، التي لعبت دورًا محوريًّا في انتشار السيارات الكهربائية، توقفت عن الترويج لهدفها السابق بتسليم 20 مليون سيارة سنويًّا بحلول عام 2030. وقد تجاوزتها شركة BYD، فيما يُتوقع أن تتراجع تسليمات "تسلا" السنوية للعام الثاني على التوالي. وفي مايو/أيار، أقرّ الاتحاد الأوروبي بواقع تباطؤ زخم المبيعات، عندما سمح لشركات السيارات بتجنب غرامات بمليارات اليوروهات لعدم التزامها بمعايير التلوث المشددة، عبر منحها مهلة إضافية لعامين. ولتقليل العقوبات، لجأت الشركات إلى شراء اعتمادات انبعاثات من شركات سيارات كهربائية خالصة مثل "تسلا" و"فولفو".
في المقابل، واصلت السوق الصينية تسارع التحول إلى الكهرباء، ما جعل السيارات الكهربائية الصينية أكثر تنافسية مقارنة بنظيراتها الآسيوية والأوروبية والأميركية. ونتيجة لذلك، بدأت العلامات الأجنبية تُقصى تدريجيًّا من السوق الصينية، أكبر سوق سيارات في العالم، والذي كان يشكّل سابقًا مصدر أرباح رئيسيًّا للشركات الغربية. وحتى داخل أوروبا، تواجه شركات السيارات المحلية تهديدًا متزايدًا من العلامات الصينية، فيما توفر الرسوم الجمركية الجديدة حماية محدودة فقط.
ما الذي على المحك؟
يُعد التحول إلى السيارات الكهربائية ركيزة أساسية في الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، لكنه يصطدم اليوم بالواقع السياسي. فإدارة ترامب المشككة بقضايا المناخ تسعى إلى إنهاء الدعم الحكومي للتقنيات النظيفة، في وقت تؤكد فيه شركات السيارات الأوروبية دعمها للنقل الخالي من الانبعاثات. وقد تستفيد هذه الشركات من التحول السريع إلى السيارات الكهربائية، نظرًا إلى أن إنتاجها يتطلب عددًا أقل من الأجزاء مقارنة بسيارات محركات الاحتراق، ما يجعلها أرخص في التجميع. غير أن مصانع السيارات الكهربائية توظف عددًا أقل من العمال، وتدرك الحكومات أن فقدان مئات الآلاف من الوظائف قد يكون غير مقبول سياسيًّا.
إن إبطاء التحول إلى السيارات الكهربائية يعني إبطاء عملية إزالة الكربون من النقل البري وتقليل التلوث الحضري القاتل، كما يؤخر وصول الإنتاج في أوروبا والولايات المتحدة إلى حجم يسمح بمنافسة الشركات الصينية الصاعدة. وتواجه الحكومات معضلة واضحة: فتح الباب أمام مزيد من واردات وتصنيع السيارات الكهربائية الصينية قد يخفف الأسعار ويحفز الطلب، لكنه في المقابل سيقوض شركات السيارات المحلية، ويعزز هيمنة الصين على الصناعات الخضراء المستقبلية. وفي الوقت الراهن، تفرض الحكومات على جانبي الأطلسي حواجز استيراد إضافية لحماية صناعات التكنولوجيا النظيفة الناشئة، إلا أن مساعي أوروبا لبناء صناعة بطاريات محلية قادرة على منافسة الصين تعثرت، إذ تأخر أو أُلغي 11 من أصل 16 مصنع بطاريات كان مخططًا لها بقيادة أوروبية، وفق تقرير لبلومبيرغ العام الماضي.
هل هناك انفراج في الأفق؟
على الرغم من هذه التحديات، تشير التوقعات إلى تحسّن نسبي في المشهد. وتتوقع "بلومبيرغ نيو إنرجي فاينانس" نمو مبيعات السيارات الكهربائية عالميًّا بنسبة 25% في عام 2025، مع وصول حصتها إلى 56% من مبيعات سيارات الركاب بحلول عام 2035، مدفوعة أساسًا بالسوق الصينية، التي عززت الطلب عبر تمديد برنامج إحلال المركبات القديمة عالية الانبعاثات. وتدرس حكومات أخرى، قلقة من التراجع الأخير في الطلب، إعادة العمل بالحوافز المالية للمشترين. كما أن الاستثمارات التي نفذتها شركات السيارات لإعادة تهيئة مصانعها باتت تتيح لها طرح طرازات كهربائية أكثر تنوعًا وبأسعار أقل لجذب المشترين المترددين.
وتشمل هذه الطرازات سيارة رينو 5 الكهربائية بسعر يقل عن 25 ألف يورو، وتوينغو الكهربائية بسعر 20 ألف يورو، إضافة إلى سيتروين e-C3 التي يبدأ سعرها من 14,990 يورو في فرنسا ضمن برنامج التأجير الاجتماعي الحكومي. ومن المتوقع كذلك طرح طراز فولكسفاغن الكهربائي ID.Polo بسعر يقل عن 25 ألف يورو العام المقبل. وتقدّر جماعة الضغط النقل والبيئة أن مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل في الاتحاد الأوروبي قد تصل إلى مليوني سيارة هذا العام في السيناريو المتفائل، مدفوعة بالطرازات الأقل كلفة. وخلال الأشهر العشرة الأولى من العام، بلغت مبيعات السيارات الكهربائية التي تعمل بالبطارية نحو 1.5 مليون سيارة، بحسب رابطة مصنعي السيارات الأوروبية، لترتفع حصتها السوقية إلى 16.4% مقارنة بـ13.2% في الفترة نفسها من العام الماضي، لكنها لا تزال بعيدة عن تحقيق حصة 100% بحلول عام 2035.