استمع إلى الملخص
- حذرت شركات كبرى مثل فولكس فاغن وبي إم دبليو من تأثير الأزمة على الإنتاج، وبدأت في البحث عن بدائل محلية، لكن التحول ليس سهلاً بسبب العقود الطويلة والمعايير التقنية.
- تعكس الأزمة هشاشة الاعتماد الأوروبي على الصين في أشباه الموصلات، وقد تؤدي إلى خسائر بمليارات اليوروهات وارتفاع أسعار السيارات، مما يضع الصناعة أمام تحديات جديدة.
تعيش صناعة السيارات الأوروبية على وقع أزمة متفاقمة تهدّد بشلّ خطوط الإنتاج خلال أسابيع قليلة، بعدما أدّت التوترات بين هولندا والصين إلى اضطراب خطير في إمدادات الرقائق الإلكترونية التي تشكّل العمود الفقري للسيارات الحديثة. وتبدو الأزمة مرشحة للتصعيد بعد سيطرة الحكومة الهولندية على شركة "نكسبيريا" الصينية لتصنيع الرقائق، وما تبع ذلك من ردّ صيني غاضب تمثّل في تقييد تصدير المكوّنات والمعادن النادرة الضرورية للإنتاج.
فولكس فاغن تدقّ ناقوس الخطر
في خطوة نادرة، حذّرت مجموعة فولكس فاغن، أكبر شركة لتصنيع السيارات في أوروبا، موظفيها، أواخر الشهر الماضي، من احتمال إيقاف الإنتاج مؤقتاً في مصانعها الألمانية بسبب تعذّر الحصول على الرقائق اللازمة. وأوضحت الإدارة في رسالة داخلية أنّ عمليات التسليم لا تزال مستمرة، لكن الوضع هشّ ومتغيّر، مشيرةً إلى أنّ قراراً بتعليق إنتاج بعض الطرازات، مثل غولف 8 وتيغوان، قد يصدر في أي لحظة. وأكد متحدث باسم المجموعة لوكالة رويترز: "في ظل الوضع المتغيّر عالمياً، لا يمكننا استبعاد تأثيرات قصيرة المدى على الإنتاج". وذكرت صحيفة بيلد الألمانية أن فولكسفاغن تدرس اللجوء إلى نظام العمل الجزئي في مصانعها، بعد مفاوضات مع وكالة العمل الاتحادية لتخفيف الأعباء عن عشرات الآلاف من الموظفين في حال توقّف الإنتاج.
جذور الأزمة: مواجهة دبلوماسية تتحول إلى أزمة صناعية
تعود جذور الأزمة إلى قرار اتخذته الحكومة الهولندية في أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي، قضى بالسيطرة المؤقتة على شركة "نكسبيريا" الصينية استناداً إلى قانون طوارئ يعود لفترة الحرب الباردة، بذريعة "مخاوف تتعلق بالأمن القومي والإدارة غير السليمة". الخطوة الهولندية أجبرت الرئيس التنفيذي الصيني للشركة تشانغ شيويه تشنغ على مغادرة البلاد، ما أثار غضب بكين التي اعتبرت الإجراء "استحواذاً قسرياً ذا دوافع سياسية".
وردّت الصين سريعاً، فأوقفت تصدير رقائق نكسبيريا من مصانعها إلى أوروبا، كما فرضت قيوداً جديدة على تصدير المعادن النادرة المستخدمة في تصنيع تلك الرقائق. وتنتج الصين نحو 70% من المعادن الأرضية النادرة عالمياً، وتتحكّم في 90% من عمليات معالجتها، ما يجعلها لاعباً حاسماً في سلاسل التوريد الصناعية الغربية. وتُعدّ رقائق نكسبيريا بسيطة تقنياً، لكنها أساسية في كل سيارة حديثة، إذ تتحكم في أنظمة المصابيح والوسائد الهوائية وأقفال الأبواب والنوافذ، وحتى حسّاسات المحرك. ويضمّ الطراز الواحد من السيارات الأوروبية مئات من هذه الرقائق، وغيابها يعني ببساطة عدم القدرة على إكمال السيارة.
وتُصنّع المكونات الأولية في هولندا وألمانيا والمملكة المتحدة، ثم تُرسل إلى مصانع الشركة في الصين لتجميعها بكلفة أقل، قبل إعادة تصديرها إلى أوروبا. لكن وقف الشحنات الصينية أدّى إلى تعطّل خطوط الإنتاج في القارة، ما دفع شركات السيارات إلى التحذير من توقّف وشيك للإنتاج خلال أسابيع إذا لم تُستأنف الإمدادات.
ردود أوروبية حذرة
سارعت شركات كبرى مثل بي إم دبليو ومرسيدس بنز إلى البحث عن بدائل بالتعاون مع مورّديها المحليين، مؤكدة أنّها تعمل على "تأمين احتياجاتها من الرقائق الحيوية" من دون استبعاد احتمال "اضطرابات قصيرة المدى في بعض خطوط الإنتاج". وأصدرت رابطة مصنّعي السيارات الأوروبية (ACEA) بياناً دعت فيه الحكومات إلى "التعامل مع الأزمة بوصفها أولوية استراتيجية"، مشيرة إلى أنّ استمرار القيود الصينية "يهدّد مستقبل الصناعة الأوروبية في واحد من أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد". وجاء في البيان: "لن نتمكّن من تلبية الطلب العالمي طالما استمرت القيود على تصدير رقائق السيليكون. هناك تقدّم طفيف في المحادثات، لكن الأزمة لم تُحل بعد".
واستخدمت بكين الأزمة لتأكيد نفوذها في سوق المعادن النادرة، ففرضت حظراً جزئياً على تصدير عناصر مثل الغاليوم والجرمانيوم الضروريين لصناعة الرقائق وأجهزة الاتصالات. ويرى خبراء، بحسب معهد تشاتام هاوس، أن الخطوة تمثّل ردّاً مباشراً على القيود الغربية المفروضة على تصدير التكنولوجيا إلى الصين، خاصة تلك التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون. وقال أحد المسؤولين التنفيذيين في شركة أوروبية لصناعة السيارات لصحيفة فاينانشال تايمز: "لدينا إمدادات تكفي لأسابيع فقط. فرقنا تعمل على مدار الساعة لإيجاد مصادر بديلة، لكن الحلول الدائمة تحتاج إلى تعاون حكومي واسع".
ورغم وجود بدائل جزئية مثل شركات إنفينيون الألمانية (Infineon) و"إن إكس بي" الهولندية (NXP) وتكساس إنسترومنتس الأميركية، إلا أنّ التحوّل إليها ليس سهلاً، إذ إن العقود بين شركات السيارات والمورّدين تمتد لسنوات وتشمل معايير تقنية صارمة، ما يجعل تغيير الموردين عملية "معقّدة ومكلفة". ويؤكد محللون في برلين أن الأزمة الحالية تُظهر هشاشة الاعتماد الأوروبي المفرط على الصين في قطاع أشباه الموصلات، رغم التحذيرات المتكررة في السنوات الأخيرة.
نحو شتاء صناعي بارد؟
تقدّر الصحف الاقتصادية الألمانية أن مصانع فولكسفاغن وبي إم دبليو قد تواجه توقّفاً جزئياً في الإنتاج قبل نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، ما لم تُستأنف إمدادات الرقائق. ويحذّر مراقبون من أن استمرار الأزمة حتى مطلع عام 2026 قد يؤدي إلى خسائر بمليارات اليوروهات وارتفاع أسعار السيارات الجديدة في السوق الأوروبية. وفي ظل تصاعد التوتر الدبلوماسي بين بكين وأمستردام، ومع غياب بدائل إنتاج سريعة داخل أوروبا، تبدو صناعة السيارات أمام اختبار وجودي جديد بعد أزمتي الجائحة والحرب الأوكرانية.
وتقول فاينانشال تايمز إن ما يجري "ليس مجرد أزمة توريد مؤقتة"، بل إشارة إلى مرحلة جديدة من الصراع التكنولوجي بين الشرق والغرب. فبينما تحاول أوروبا بناء "استقلال رقمي" عبر مبادرات مثل EU Chips Act، تذكّرها أزمة نكسبيريا بأن الاعتماد المتبادل مع الصين لا يزال عميقاً ومعقّداً. ويقول محلّل صناعي في فرانكفورت لصحف أوروبية: "الأزمة الحالية قد تغيّر جذرياً طريقة تفكير أوروبا في سلاسل التوريد. الرقاقات الصغيرة باتت اليوم، بحجمها المحدود، تحدّد مصير صناعة قيمتها مئات المليارات".