أزمة السندات الصامتة: عوائد قياسية تثير القلق في أسواق المال

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 02:33 (توقيت القدس)
قرب مقر بورصة نيويورك، 6 أغسطس 2026 (سبنسر بلات/ Getty)

من الولايات المتحدة إلى أوروبا، ومن لندن وطوكيو إلى اليونان، تتصاعد مؤشرات القلق في أكبر أسواق الدين الحكومي في العالم. إذ تشهد سوق السندات عمليات بيع مكثفة منذ يوليو/ تموز الماضي، وسجلت عوائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات ارتفاعات كبيرة، وكذا عوائد السندات لأجل 30 عاماً، وفيما تغيب هذه المؤشرات عن الاهتمامات اليومية، تهدد الاقتصادات بأزمات كبيرة، حيث أن زيادة العوائد على السندات تعني زيادة في كلفة الاقتراض الحكومي وارتفاع عجز الموازنات العامة، والنتيجة زيادة في الدين العام العالمي والذي شهد قفزات في السنوات الأخيرة.

وشهدت عوائد سندات الخزانة الأميركية ارتفاعات كبيرة، فقد صعدت العوائد لأجل 30 عاماً بنسبة حادة بما يصل إلى سبع نقاط أساس لتحوم حول 5.24%، وهو أعلى مستوى منذ عشية الأزمة المالية العالمية عام 2007، كذا ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوق 4.73%، مقترباً من أعلى مستوياته منذ يناير 2025. ومع ارتفاع العوائد، زادت تكلفة الاقتراض في الولايات المتحدة مسجلة أعلى مستوى في 19 عاماً.

وتُعدّ التطورات في الشرق الأوسط المحرك الرئيسي لعوائد السندات السيادية العالمية، حيث يخشى المتداولون أن يؤدي الصراع إلى استمرار ارتفاع أسعار النفط وزيادة التضخم. وارتفعت عوائد سندات منطقة اليورو الثلاثاء، حيث صعد عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطتين أساسيتين ليصل إلى 3.201%، ووصل عائد السندات الفرنسية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2008 عند 4.8004%. وكانت عوائد السندات اليونانية شهدت أكبر ارتفاع، إذ زادت بمقدار 40 نقطة أساسية لتنهي شهر يوليو عند 3.89%، وسط ارتفاع عوائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات بمقدار 36 نقطة أساسية ليصل إلى 4%.

وكانت عوائد السندات اليابانية لأجل 30 عاماً منخفضة للغاية خلال السنوات الماضية بما لا يتعدى 0.5% إلى 1.5% فقط. وهي تشهد اليوم صعوداً إلى 4% والذي يُعد قفزة تاريخية غير معتادة بالنسبة للسوق الياباني. وفي المملكة المتحدة وصل العائد على السندات الحكومية طويلة الأجل إلى 5.71%، ملامسة أعلى مستوياتها منذ أواخر التسعينيات.

ووفق "بلومبيرغ" إذا ارتفعت عوائد السندات، فلن يقتصر الأمر على زيادة ما تدفعه الحكومات لخدمة ديونها، بل قد يؤثر أيضاً على المستهلكين والشركات التي تحتاج إلى الاقتراض. وتشرح الوكالة أن المستثمرين يهتمون بأسعار تداول سندات الخزانة، لكن عوائدها - أي إجمالي معدل العائد السنوي للمستثمرين الذين يتبعون استراتيجية الشراء والاحتفاظ - هي الأكثر دلالة. ذلك لأنها تُظهر سعر الفائدة الذي تدفعه الحكومة للاقتراض لفترات زمنية مختلفة. كما أنها تُوفّر معياراً للمقترضين الآخرين، مثل الشركات وأصحاب المنازل الذين لديهم قروض عقارية.

إذ تقول وكالة "رويترز" إن أسعار الرهن العقاري، التي يتم تسعيرها بناءً على عائد السندات الأميركية لمدة 30 عاماً، هي في أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام. وفي شرح مبسط، يعتبر سوق السندات عملاقاً عالمياً، إذ تتجاوز أصوله 58 تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها. وتصدر الحكومات السندات لتقترض الأموال من المستثمرين مقابل إرجاعها لاحقاً مع دفع فائدة ثابتة ومحددة مسبقاً، إلا أن السندات مثل الأسهم، لها سوق للبيع والشراء، ما ينتج عن هذه العملية عوائد تتحرك عكسياً مع سعر السند. فكلما ارتفع سعر السند، انخفض العائد للمشتري الجديد والعكس صحيح.

وتعتبر عوائد السندات طويلة الأجل بوصلة للاقتصادات وحتى للأوضاع السياسية العالمية، ورغم عدم رفع الفائدة الأميركية يقوم ارتفاع عوائد السندات بالفعل نفسه تقريباً، فهي تحدد تكلفة القروض العقارية وتساعد صناديق التقاعد على النمو كون غالبية هذه الصناديق تستثمر في السندات الحكومية. أما أسباب ارتفاع العوائد أو انخفاضها فتعود إلى سياسات البنوك المركزية في تحديد أسعار الفائدة، فزيادة الفائدة يعني أن المستثمرين سيفضلون السندات الجديدة على القديمة ما يهبط بسعر الأخيرة، ويرفع عائدها، ويعتبر التضخم عدو السندات، بسبب خوف المستثمرين من تآكل قيمة أموالهم ما يدفعهم إلى بيع السندات، فيرتفع عائدها.

كذلك عندما تعرض الحكومة سندات ولا تجد مشترين كافيين، تعمد إلى خفض أسعارها لترتفع العوائد وتجذب المستثمرين. وفي الأزمات يهرع الناس إلى السندات ملاذاً آمناً فيرتفع الطلب ويهبط العائد، بينما في الانتعاش يتجهون إلى الأسهم فيرتفع عائد السندات.

ما يقوله سوق السندات مؤخراً، وفق "نيويورك تايمز" هو أن المخاطر تتزايد: مخاطر زيادة التضخم، والحروب والتعرفات الجمركية وغيرها من الاضطرابات الجيوسياسية، والاستخدام المشكوك فيه لمبالغ ضخمة من رأس المال لبناء الذكاء الاصطناعي، وتوجه غير مؤكد للاحتياطي الفيدرالي في ظل قيادة جديدة، وتزايد الديون الحكومية، واختلال وظيفي سياسي واسع النطاق. الأهم من ذلك، أن هذه المخاوف تعني أنه إذا أردت اقتراض المال، فسيتعين عليك دفع المزيد مقابل ذلك.

ويشرح التقرير، أن عوائد السندات المتزايدة تشكل عائقاً أمام الأسهم أيضاً. ففي ظل ارتفاع أسعار الفائدة، يُمكن للمستثمرين الذين يملكون فائضاً من المال الحصول على عائد أفضل عند استثماره في السندات، ولا سيما سندات الخزانة الآمنة. وبالتالي تمتد الآثار من التأثير على المواطنين إلى التأثير على الأسواق المالية كاملة.

ويقول موقع "بارونز" المالي "إن العقبة الوحيدة التي تلوح في الأفق هي سوق السندات. فعوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل في أعلى مستوياتها، كما أن قطاع التكنولوجيا يخطط لإصدار المزيد من السندات. من المحتمل أن يظل انخفاض أسعار السندات أحد التهديدات الرئيسية لبيئة مواتية خلال الأشهر المقبلة".