أزمة الجنيه والجبهة الداخلية لمصر

11 يناير 2023
فقد الجنيه المصري نحو 13% من قيمته في يوم واحد الأربعاء (فرانس برس)
+ الخط -

حتى أشد المتشائمين لم يتوقعوا تهاوي العملة المصرية بهذه الحدة والسرعة خلال فترة زمنية قصيرة، وعندما كان البعض يتوقع قفزة الدولار إلى نحو 30 جنيهاً تلاحقه اتهامات ليس بالمبالغة الشديدة ونشر الشائعات المغرضة بل بالجنون والعمالة للخارج، أو على الأقل بالتشاؤم المفرط وإثارة الرعب بين المدخرين بهدف دفعهم نحو حيازة العملة الأميركية والتخلي عن العملة المحلية أو سحب الأموال من البنوك.

لكن ما حدث اليوم الأربعاء يدق ناقوس الخطر، حيث فقد الجنيه المصري نحو 13% من قيمته في يوم واحد، وشهدت سوق الصرف قفزات ومضاربات شديدة قادت السعر من أقل من 27.5 جنيهاً للدولار إلى أكثر من 32 جنيهاً في يوم واحد، وتسببت في تعميق خسارة الجنيه الذي فقد ما يزيد عن 100% من قيمته في فترة لا تزيد عن 10 شهور. 

مضاربات لم تقتصر على السوق السوداء بل قادتها البنوك سواء العامة أو الخاصة وفروع البنوك الأجنبية، وهو ما دفع البنك المركزي المصري للتدخل في السوق لوقف التهاوي المفرط للعملة، حيث تردد أنه ضخ نحو 880 مليون دولار في السوق اليوم.

من حق البنك المركزي التدخل للدفاع عن الجنيه المصري لأن الاتفاق مع صندوق النقد يتيح ذلك

المؤكد هنا أنّ المضاربين استغلوا ما تم الكشف عنه من تعهدات الحكومة لصندوق النقد بمرونة العملة وعدم تدخل البنك المركزي للدفاع عن العملة وقاموا بالمضاربة وتسخين الأسعار مستغلين حالة الذعر الشديدة التي أصابت الأسواق والمدخرين على حد سواء.

لكن نسي هؤلاء أنّ البنك المركزي من حقه التدخل للدفاع عن العملة لأن الاتفاق مع الصندوق يتيح ذلك في حال حدوث مضاربات عنيفة وتقلبات حادة كما جرى أمس.

ومع تهاوي العملة الحاد اليوم لا نعرف حتى اللحظة مسار الجنيه المصري في الأيام المقبلة، خاصة مع تعرضه لضغوط شديدة ليس بسبب تداعيات حرب أوكرانيا كما يروج البعض، لكن بسبب ندرة النقد الأجنبي في السوق وجفاف الدولار وتفشي ظاهرة "الدولرة" الخطرة، واكتناز النقد الأجنبي في البيوت وتحت البلاطة من قبل بعض المودعين، وقبل ذلك كله أعباء الدين الخارجي الضخمة والتي قدرها البنك الدولي بأكثر من 42 مليار دولار خلال عام.

وربما هذا الهبوط في قيمة العملة متعمد من قبل السلطات بهدف إعادة الأموال الساخنة الهاربة، وجذب استثمارات خارجية خاصة الخليجية الراغبة في بيع أصول مصرية.

لكن بشكل عام فإن ما يحدث هذه الأيام في سوق الصرف يعطي رسالة خطيرة للأسواق الداخلية والخارجية وهي أن ما يحدث مع العملة المصرية فاق كثيراً ما يحدث في الدول عالية المخاطر.

مصر بحاجة إلى حلول غير تقليدية لمنع الانزلاق السريع مع تفاقم الخطر الاقتصادي والمالي

فحتى الدول التي تشهد حروباً أهلية وصراعات عرقية لا تعوم عملتها الوطنية 3 مرات في أقل من 10 شهور، ولا تتهاوى عملاتها الوطنية بهذا الشكل الحاد خلال فترة زمنية وجيزة، ولا أن تصبح عملتها ثالث أسوأ العملات أداء في العالم في 2022، كما وصفت "نيويورك تايمز" الجنيه قبل أيام، ولم تخسر عملة دول الحروب أكثر من 100% من قيمتها مقابل الدولار منذ شهر مارس/ آذار الماضي، فعملة أوكرانيا لم تخسر سوى نحو 30% منذ اندلاع الحرب، ولم تخضع دول المخاطر لكلّ هذه الشروط المذلة والمهينة من صندوق النقد الدولي.

مصر بحاجة إلى حلول غير تقليدية لمنع الانزلاق السريع خاصة مع تفاقم الخطر الاقتصادي والمالي، والحل يكمن في تكاتف جميع المصريين في الدفاع عن عملتهم الوطنية والحيلولة دون انزلاقها، ومساندة الاقتصاد المصري في هذا التوقيت الحرج خاصة من قبل المصريين العاملين في الخارج.

والتكاتف يحتاج إلى أن يكون المصريون يداً واحدة، وهذا لن يحدث في ظل التشرذم السياسي والاجتماعي القائم، ومناكفة كلّ طرف للآخر، وتجاهل الإصلاح السياسي، لأنّ أيّ تأخر في إجراء هذا الإصلاح سيكون على حساب ليس فقط مستقبل العملة والاقتصاد، بل على حساب مستقبل الدولة بالكامل.