استمع إلى الملخص
- تعاني الولايات المتحدة من ركود اقتصادي في أكثر من 20 ولاية، مع ضعف في سوق الإسكان وارتفاع تكاليف الاقتراض، مما يؤدي إلى تباطؤ في البناء والمبيعات، وتهديدات بفقاعة في أسواق المال.
- تجاوز الدين الأميركي 38 تريليون دولار، مما يهدد مستقبل الدولار كعملة رئيسية، حيث فقد 12.5% من قيمته، مع تحذيرات من موجة بيع طويلة الأمد.
ليست أزمة واحدة هي من تواجه إدارة دونالد ترامب والاقتصاد الأميركي، بل عشرات الأزمات العنيفة التي تتفاقم يوماً بعد يوم وتضغط على المواطن والأسواق وقطاع الإنتاج ومناخ الاستثمار بشدة. فهناك إغلاق حكومي يكلف الاقتصاد خسائر تقدر بنحو 60 مليار دولار شهرياً وربما أكثر، مع احتمال إلغاء المحكمة العليا الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب ويستهدف من خلالها جمع إيرادات تقدر بـ 1.4 تريليون دولار، والضغط على شركاء الولايات المتحدة التجاريين وفي المقدمة الصين.
وهناك توقعات بتهاوي سعر الدولار مع زيادة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية داخل الولايات المتحدة، مع تسارع تخلي الدول والبنوك المركزية عن حيازة الورقة الخضراء واندفاع المستثمرين نحو شراء الذهب والأصول الآمنة والعملات الرقمية، يدفع في هذا الاتجاه انخفاض العائدات على السندات الأميركية، وتخلي البنك الفيدرالي عن سياسة التشدد النقدي وما تبعها من خفض في أسعار الفائدة.
يصاحب تلك الأزمات العنيفة التي تواجه ترامب وإدارته، تقلب في الأسواق، وانكماش وربما ركود داخل الاقتصاد، فهناك أكثر من 20 ولاية أميركية، إضافة إلى العاصمة واشنطن، إما تعاني حالياً من ركود اقتصادي أو تقف على حافته بحسب شهادة موديز. ويوجد ضعف شديد في سوق الإسكان يهدد بتوجيه ضربة قوية لنمو أكبر اقتصاد على مستوى العالم. يدعم تلك الحالة تكاليف الاقتراض المرتفعة التي باتت تلقي بثقلها على مبيعات المنازل، وتبطئ نشاط البناء والأسعار والمبيعات.
الإغلاق الحكومي يكلف الاقتصاد الأميركي خسائر تقدر بنحو 60 مليار دولار شهرياً وربما أكثر، وأزمة الثقة وتهاوي الدولار أكبر التحديات
وفي أسواق المال داخل "وول ستريت" نجد أنها مهددة بفقاعة، خاصة أسهم الذكاء الاصطناعي، تشبه تلك التي جرت في العام 2008 وربما أعنف مع المبالغة في أسعار الأسهم وارتفاع التقييمات، مع تصاعد الضغوط التضخمية وتوقف النشاط الاقتصادي بشهادة البنك الفيدرالي، ومخاطر متصاعدة ناتجة عن حالة عدم يقين على خلفية سياسات ترامب، يدعم حالة الارتباك تلك تباطؤ التوظيف في أكبر اقتصادات العالم، ومعدل بطالة في أعلى مستوياته في أربع سنوات تقريباً، أي منذ العام 2021، ولأول مرة منذ ما قبل الوباء يفوق عدد العاطلين عن العمل عدد الوظائف الشاغرة، ولدينا شركات أصبحت أكثر تردداً في التوظيف في ظل ضعف المبيعات.
وبنظرة إلى الوضع المأزوم الحالي الذي يواجه إدارة ترامب، نجد أن أحد وأحدث مظاهر التوتر داخل الولايات المتحدة هو الإغلاق الحكومي الذي دخل يومه الأربعين، وما كشفه هذا الإغلاق عن حجم الخلل الذي بات يعانيه أضخم اقتصاد في العالم والساحة السياسية، فالمعركة الحالية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لا تتعلق فقط بخلافات حول بنود في الميزانية الجديدة، وتقاذف مسؤولي الحزبين الاتهامات بالمسؤولية عن المأزق المالي الذي أحدث ربكة شديدة في سوق العمل ونشاط السياحة، وعطل حركة الطيران في مطارات كبرى، ويهدد 8 ملايين من الذين يتلقون إعانات غذائية من الحكومة في إطار برنامج "سناب"، لكن المشكلة الأكبر تكمن في حجم الدين الأميركي الذي تجاوز 38 تريليون دولار بأعباء سنوية تزيد عن التريليون دولار، وسياسة العناد بين أكبر قوتين سياسيتين، وتعلية المصالح الحزبية على الصالح العام.
من مظاهر الأزمة الحالية التي تعانيها الولايات المتحدة كذلك ما يتعلق بمستقبل عملتها. صحيح أن الدولار لا يزال عملة التسعير الأولى في العالم والرقم المهم في احتياطيات البنوك المركزية من النقد الأجنبي، لكن المؤشرات الأخيرة والمستقبلية بشأنه خطيرة ومقلقة، فسعر الدولار فقد أكثر من 12.5% من قيمته منذ قدوم ترامب، وهناك توقعات باستمرار هذا التهاوي.
المشكلة الأكبر تكمن في حجم الدين الأميركي الذي تجاوز 38 تريليون دولار بأعباء سنوية تزيد عن التريليون دولار
مؤسسة RBC كابيتال ماركتس الاستثمارية الكندية حذّرت قبل أيام من احتمال تعرض الدولار لموجة بيع طويلة الأمد قد تشبه دورة الازدهار والانهيار التي شهدتها أسواق الإنترنت في مطلع الألفية، ومع تلك التحذيرات تستعيد ذاكرة المستثمرين تجربة ما بعد انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000 حين تراجع الدولار بنحو 40% بين عامي 2001 و2008، وهو سيناريو قد يتكرر مجدداً إذا بدأ المستثمرون إعادة تنويع محافظهم المالية بعيداً عن الأصول الأميركية، وهربت رؤوس الأموال من أسواق الولايات المتحدة، كما حدث قبل 15 عاماً، وهو ما يمهّد لانخفاض حاد في قيمة الدولار، مشابه للتراجع الذي شهده بين عامي 2001 و2008، عندما فقد نحو 40% من قيمته.
في ظل تلك الأزمات المتلاحقة التي تلاحق إدارة ترامب، باتت أميركا، صاحبة أضخم اقتصاد وأقواه في العالم والجاذب الأول للاستثمارات الخارجية، مهددة تحت حكم ترامب والذي سبّبت سياساته الاقتصادية إثارة ذعر الأسواق، وتفشي حالة عدم اليقين، وهي أكبر معضلة تواجه المستثمرين والأسواق العالمية، وقبلها صانع القرار الأميركي.
بل إن جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لمصرف "جيه بي مورغان"، وهو من أكبر البنوك الاستثمارية في العالم، خرج علينا قبل أسابيع قائلا إن الآثار الإيجابية للإنفاق الحكومي السخي، والسياسة النقدية التيسيرية في حقبة الوباء تلاشت، وبات الاقتصاد الأميركي معرّضا للتدهور خلال الأشهر القادمة. وهذه مشكلة أخرى لإدارة ترامب التي وعدت المواطن بالمن والسلوي وتراجع في الاسعار وتكلفة أقل في المعيشة.