أرقام مرعبة عن انهيار الاقتصاد الفلسطيني... تعرف عليها

26 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:27 (توقيت القدس)
فلسطيني يزيل الأنقاض بعد غارة إسرائيلية على مدينة طوباس بالضفة (حازم بدر/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير الحرب والقيود الاقتصادية: الحرب الإسرائيلية والقيود الاقتصادية أدت إلى انهيار الاقتصاد الفلسطيني، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وخسارة 22 عاماً من التنمية. دُمرت 90% من المنشآت في غزة، وارتفعت البطالة إلى 90%، بينما شهدت الضفة الغربية انكماشاً اقتصادياً بنسبة 28% وبطالة بنسبة 35%.

- التحديات المالية والاقتصادية: تعاني الحكومة الفلسطينية من حصار مالي وسياسي، مع توقف عائدات الضرائب واحتجاز أموال المقاصة، مما أثر على الركائز الاقتصادية الثلاث: رواتب الموظفين، أجور العمال في إسرائيل، والقطاع الصناعي.

- الحاجة إلى تحرك دولي ودعم داخلي: دعا التقرير إلى تحرك دولي للضغط على إسرائيل للإفراج عن أموال المقاصة وتسهيل حركة السلع، ودعم الدول العربية للموازنة الفلسطينية، مع التركيز على دعم قطاعي الصحة والتعليم لتعزيز التكافل الاجتماعي.

كشف تقرير للأمم المتحدة، اليوم الثلاثاء، أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي استمرت عامين والقيود الاقتصادية سبّبت انهياراً غير مسبوق في الاقتصاد الفلسطيني، ما محا أثر عقود من النمو. وجاء في التقرير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني عاد بنهاية العام الماضي إلى مستواه في عام 2003، ما يعني خسارة الاقتصاد الفلسطيني 22 عاماً من التنمية.

وفي هذا الإطار، لفت وكيل وزارة الاقتصاد الوطني الفلسطينية بشار الصيفي، في تصريحات لـ"العربي الجديد" إلى أن التقرير الصادر عن أونكتاد "يعدّ من أهم التقارير الذي تشخص الواقع الاقتصادي الفلسطيني بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والضفة الغربية، إذ تعرض الاقتصاد الفلسطيني لضربات قاسية حين قامت إسرائيل بتدمير ومحو أكثر من 90% من المنشآت الصناعية والتجارية في قطاع غزة، والانكماش الاقتصادي وصل إلى حدود غير مسبوقة، كما أشار التقرير إلى أن نسبة البطالة تعدت 90%، وبالتالي هناك انهيار شبه كامل للواقع الاقتصادي في قطاع غزة".

وأضاف الصيفي: "الأمر ليس أفضل حالاً في الضفة الغربية التي يعاني فيها الاقتصاد من تراجع وانكماش وصل إلى 28% والبطالة إلى 35% جراء إغلاق الاحتلال للمعابر، فما زال معبر الكرامة جسر الملك حسين التجاري مغلقاً منذ أكثر من ثلاثة أشهر بشكل كامل، بالإضافة إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية بأكثر من ألف حاجز وبوابة حديدية تفصل السكان وتعيق تنقل السلع".

أرقام مرعبة

قال الصيفي: "الواقع الاقتصادي الكلي صعب جداً، فقد مرت أشهر طويلة ولم تتلق الحكومة الفلسطينية أي شيء من عائدات الضرائب (المقاصة) التي تقوم حكومة الاحتلال الإسرائيلي بجبايتها وهذا أدى إلى ضرر اقتصادي كبير على النمو الاقتصادي، إلى جانب منع 200 ألف عامل فلسطيني من العمل في إسرائيل".
وأوضح الصيفي أن "الاقتصاد الفلسطيني يقوم على ثلاث ركائز أساسية وهي: رواتب الموظفين، وأجور العمال داخل إسرائيل، والقطاع الصناعي والإنتاجي، وقد ضُربت الركيزتان الأولى والثانية تماماً، وأُلحق ضرر شديد بالركيزة الثالثة جراء إجراءات الاحتلال، وبالتالي الواقع الاقتصادي الفلسطيني بات مرعباً حيث زادت نسبة البطالة والفقر بشكل كبير جداً وهذا ما عكسته الأرقام في التقرير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية".

وكشف الصيفي أنه "يجب أن يكون هناك تحرك دولي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الاقتصاد الفلسطيني، لأننا نتحدث عن إعادة إنعاش للاقتصاد الفلسطيني، سواء عبر الضغط الدولي والأممي على حكومة الاحتلال للإفراج عن أموال المقاصة وتسهيل حركة السلع الفلسطينية، وإعادة إنعاش القطاعات التي تم تدميرها في قطاع غزة وأيضا في الضفة الغربية".

وقال الصيفي: "الحكومة الفلسطينية تعاني من حصار مالي وسياسي غير مسبوق، وكنا نأمل أن تتدخل الدول العربية الشقيقة لدعم الموازنة الفلسطينية من جهة، وأن تفي الدول الصديقة التي اعترفت بدولة فلسطين بوعودها التي قدمتها لدعم الموازنة الفلسطينية كما أعلنت في مؤتمر نيويورك على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث نأمل أن تفي هذه الدول بوعودها حول تقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية حيث لم يصل أي شيء من هذه الأموال حتى الآن".
وذكر تقرير أونكتاد الصادر أمس أن الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب تعد من بين أسوأ عشر أزمات اقتصادية عالمياً منذ عام 1960. وأضاف التقرير أن حجم الدمار في غزة بعد الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين على غزة يعني أن القطاع سيظل يعتمد على الدعم الدولي المكثف وأن التعافي قد يستغرق عقوداً.
وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن الضفة الغربية تعاني هي الأخرى من أسوأ ركود اقتصادي تشهده على الإطلاق، بفعل القيود المفروضة على الحركة والتنقل وتراجع النشاط الاقتصادي في جميع القطاعات. وأكد التقرير أنه بحلول عام 2024، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للأرض الفلسطينية المحتلة إلى 70% من مستواه في عام 2022، مع انكماش الإنتاج بنسبة 27% مقارنة بعام 2023.
وأدى هذا إلى انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 33% عن مستويات عام 2022، وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 28% عن مستويات عام 2023. كما ارتفعت تكلفة المعيشة في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة، مع ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 54% في عام 2024، ما أدّى إلى تفاقم أزمة ندرة الموارد والقدرة على تحمل التكاليف.

حرب إبادة اقتصادية

يعتبر الأكاديمي الاقتصادي نصر عبد الكريم في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما جاء في هذا التقرير هو تكرار لتقارير سبقت من مؤسسات دولية ومحلية قبل هذا التقرير، وهو بذلك يعيد تأكيد بعض المعطيات بخصوص أداء الاقتصاد الفلسطيني والدمار الذي لحق به جراء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة والعدوان على الضفة الغربية، ولو بأشكال مختلفة من عدوان للمستوطنين وعمليات عسكرية إسرائيلية مستمرة وإغلاق الضفة بالحواجز العسكرية.
ويؤكد عبد الكريم أن الاقتصاد الفلسطيني بمجمله تراجع بأكثر من 30%، وبالتالي فإن هذا الانخفاض في الناتج المحلي مع زيادة سكانية تقارب 3% يعني أن نصيب الفرد من الناتج المحلي انخفض أكثر، ما يعني اتساع دائرة الفقر والبطالة، ويعني انخفاض جودة الخدمات الحكومية من صحة وتعليم واجتماعية وغيرها.
ويقول عبد الكريم: "من الصعب قياس الاقتصاد في قطاع غزة بذات المقاييس في الضفة الغربية، لأنه لم يبق في غزة اقتصاد إنما بقايا اقتصاد، ولم يعد هناك منظومة أنشطة اقتصادية متكاملة، وبالنظر إلى تدمير 90% من البنية التحتية في قطاع غزة لا يمكن إطلاق نفس التوصيفات الاقتصادية على قطاع غزة".
ويعتقد عبد الكريم أنه من غير المناسب إطلاق ذات التعابير والمقاييس والمصطلحات الاقتصادية على قطاع غزة لأن الاقتصاد فيها تعرض للإبادة كما البشر والحجر.
وحسب عبد الكريم، فإنه في المقابل فإن الضفة الغربية لم تكن بعيدة عن العدوان الإسرائيلي بسبب إجراءات الاحتلال المتزايدة مثل تسارع الاستيطان، وخنق المدن، ومنع نحو 200 ألف عامل من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر أي داخل إسرائيل، إضافة لقيام حكومة الاحتلال بمصادرة عائدات الضرائب ("المقاصة")، ووضع العراقيل أمام التجارة والاستيراد والتصدير عبر وضع المزيد من القيود والتهديد بقطع العلاقات مع البنوك الإسرائيلية، وبالتالي نشهد تصدعاً كبيراً للاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية.

اقتصاد الناس
التحديثات الحية

ويقول عبد الكريم: "نحن أمام أرقام ومعطيات اقتصادية خارجة عن المألوف بسبب حدث استثنائي، وهي حرب الإبادة الإسرائيلية التي بدأت على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023".
وإلى جانب حرب الإبادة التي لا يمكن تجاهلها، فإن عبد الكريم يؤكد أن هناك أزمات اقتصادية كبيرة يعيشها الاقتصاد الفلسطيني، حيث بدأت الأزمة المالية للسلطة تشتد قبل عامين من حرب الإبادة، ولذلك لم تستطع دفع فاتورة الرواتب كاملة للموظفين بسبب استيلاء إسرائيل على أموال المقاصة والتهديد بقطع العلاقات مع البنوك وغيرها، أي أن الاقتصاد الفلسطيني قبل حرب الإبادة على قطاع غزة وتزايد العدوان على الضفة الغربية لم يكن وردياً.
ويشير عبد الكريم إلى أن السلطة الفلسطينية كانت تعاني من نمو اقتصادي ضعيف جداً، وحتى هذا النمو الضعيف يعود لارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاحتلال وليس لأسباب ذاتية فلسطينية، و"بالتالي نحن أمام أزمات اقتصادية مركبة في الضفة والقطاع".
ويقول عبد الكريم: "على سبيل المثال قبل حرب الإبادة 2023، كان قطاع غزة يساهم في 17% من الناتج المحلي الفلسطيني؛ أي خُمس الناتج، ما يعادل 3 مليارات ونصف المليار دولار، وبعد حرب الإبادة بالكاد تساهم اليوم بـ 5%".

عوامل انكماش الاقتصاد

من جانب آخر، يُشير الباحث المؤسّس لمرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، إياد الرياحي، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ أبرز العوامل التي أدت إلى انكماش الاقتصاد الفلسطيني، ولم ترد في تقرير الأمم المتحدة، هو فقدان الفلسطينيين لأصولهم الثابتة، وتحديدًا الأراضي التي تُصادَر لصالح التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.
ويشدّد الرياحي على أنّ "خسارة الأرض هي الخسارة الحقيقية"، لأنها تمسّ قدرة الفلسطينيين على البناء والاستثمار والتنمية، في ظل استمرار تقطيع المناطق بالضفة وفصلها عن بعضها، ما يحدّ من أي إمكانية لنشوء اقتصاد مترابط وفاعل في الأراضي المحتلة.
ويقول الرياحي: "الأرض هي محور الصراع، وهي الخسارة التي ستنعكس آثارها على الاقتصاد الفلسطيني لعقود طويلة، إذا استمر هذا النهج دون تدخل دولي فعّال يوقف سياسات المصادرة والتقطيع والعزل".
ويبيّن الرياحي أنّ السنوات الأخيرة حملت تدهوراً اقتصاديّاً غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية، نتيجة السياسات الإسرائيلية التي "ألحقت دماراً شاملاً بمختلف المؤشرات الاقتصادية".
ويرى الرياحي أنّ حجم الأضرار التي طاولت الناتج المحلي والبنى التحتية وقطاعات العمل، إضافة إلى احتجاز أموال المقاصة التي تزيد عن 11 مليار شيكل بالعملة الإسرائيلية، يعكس مستوى من الضربات الاقتصادية "لا نظير له في التاريخ الحديث".
وفي قراءته للمؤشرات الاقتصادية الراهنة، يصف الرياحي الوضع بأنه الأسوأ تاريخياً، مع تراجع الناتج المحلي في الضفة الغربية بنسبة تتراوح بين 28% و30%، بالتوازي مع استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة المقدّرة بنحو 10 إلى 11 مليار شيكل، وهو ما "ضرب عصب الاقتصاد الفلسطيني بالكامل"، كما يقول. ويشير الرياحي إلى أنّ أموال المقاصة لم تكن مجرد مورد حكومي، بل كانت العمود الفقري لتمويل النفقات التشغيلية ودفع الرواتب، الأمر الذي قيّد قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها ودفع الموظفين إلى تقاضي ما بين 50% و70% فقط من رواتبهم لعدة أشهر متتالية.

ويؤكد الرياحي أنّ الأزمة لا تقف عند حدود المالية العامة، بل تمتد إلى سوق العمل؛ فمليارات الشواكل التي كانت تتدفق شهرياً عبر أجور العمال الفلسطينيين في الداخل توقفت بالكامل، ما فاقم معدلات البطالة وقلّص السيولة في السوق، وأدّى إلى انكماش إضافي أصاب مختلف القطاعات الاقتصادية.
ويرى الرياحي أنّ فقدان هذا التدفق النقدي، إلى جانب احتجاز المقاصة، خلق فجوة مالية كبيرة انعكست مباشرة على الاستهلاك، والاستثمار، واستقرار القطاع الخاص، وعمّقت دائرة الركود التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني اليوم.
ويشير الرياحي إلى أن انخفاض الناتج المحلي ترافق مع "مستويات بطالة مهولة"، بعد فقدان مئات الآلاف وظائفهم، وإغلاق عدد كبير من المنشآت الصغيرة أو تراكم الديون عليها نتيجة تراجع السيولة، كما تضرّر قطاع المورّدين والوكلاء، ولا سيما المرتبطين بتوريد الخدمات والسلع للحكومة، إذ تتزايد مديونيتهم بشكل كبير، ما يضغط على القطاع الخاص بأسره.
وفي إجابته عن سؤال "العربي الجديد" حول إمكانيات التعافي، يوضح الرياحي أنّ الحديث عن حلول جذرية أو بدائل شاملة "غير وارد في المرحلة الحالية"، لكنه يشير إلى وجود مسارات للمواجهة الاقتصادية يمكن البناء عليها.
ويشدّد الرياحي على أهمية منح قطاعَي الصحة والتعليم أولوية مطلقة، باعتبار أن تراجع هذين القطاعين يضعف منظومة التكافل الاجتماعي التي تشكّل قاعدة أساسية لأي محاولة للنهوض الاقتصادي.
ويرى الرياحي أن جزءاً كبيراً من التعافي مرهون بالسياسات الداخلية، وبقدرة النظام الفلسطيني على اتخاذ خطوات فاعلة تقلّص حجم الأزمات بدلاً من تعميقها.

المساهمون