شراكة أرض الصومال مع إسرائيل والإمارات: محور اقتصادي أمني في البحر الأحمر؟
- من الناحية الجيوستراتيجية، يمنح الاعتراف إسرائيل نقطة ارتكاز استراتيجية بالقرب من مضيق باب المندب، مما يعزز قدرتها على مراقبة الممرات البحرية وتأمين طرق التجارة، مع إمكانية التعاون الأمني لمواجهة التهديدات الإقليمية.
- يتزامن الاعتراف مع تحولات في موازين القوى في البحر الأحمر، وقد يكون جزءاً من تعاون "مصغّر" بين إسرائيل والإمارات وأرض الصومال، يهدف لخلق محور اقتصادي-أمني جديد يعتمد على مشاريع تنموية واستثمارات ملموسة.
يشكّل إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال تحوّلاً لافتاً لا يقتصر على بعده السياسي أو القانوني، بل يمتدّ إلى إعادة تشكيل توازنات اقتصادية حساسة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فمنذ إعلان انفصالها عام 1991، بقيت أرض الصومال كياناً بحكم الأمر الواقع يتمتّع باستقرار مؤسساتي نسبي مقارنة ببقية الأراضي الصومالية، إلا أن غياب الاعتراف الدولي حرمها من الاندماج الكامل في النظامين المالي والتجاري العالميين. واليوم يأتي الاعتراف الإسرائيلي في سياق تنافس متصاعد على الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها باب المندب، الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
ومن منظور اقتصادي، تبرز مدينة بربرة وميناؤها محوراً لهذا التحول. فاستثمارات الإمارات، عبر شركة "موانئ دبي العالمية"، في تطوير الميناء وربطه بممر تجاري نحو إثيوبيا، تعكس رؤية بعيدة المدى لإعادة توجيه التدفقات التجارية بعيدًا عن جيبوتي، وخلق محور لوجستي بديل يخدم واحداً من أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا. ومن هذا المنظور، يمنح الاعتراف الإسرائيلي أرض الصومال زخماً إضافياً قد يفتح الباب أمام شراكات في مجالات التكنولوجيا الزراعية، وإدارة المياه، والتحول الرقمي، بما يعزز قدرتها على جذب التمويل والاستثمار.
الباحث الإيطالي في شؤون القرن الأفريقي غويدو لانفرانكي: الدوافع الاقتصادية والتجارية المباشرة وراء الاعتراف الإسرائيلي تبدو أقل وزناً من الاعتبارات الجيوستراتيجي
في السياق، قال الباحث الإيطالي في شؤون القرن الأفريقي وزميل معهد "كلينجينديل" الهولندي للعلاقات الدولية، غويدو لانفرانكي، إن الدوافع الاقتصادية والتجارية المباشرة وراء الاعتراف الإسرائيلي تبدو أقل وزناً من الاعتبارات الجيوستراتيجية. وأوضح أن تل أبيب تسعى بالدرجة الأولى إلى امتلاك نقطة ارتكاز قريبة من مضيق باب المندب واليمن، حيث تسببت هجمات الحوثيين خلال العامين الماضيين في اضطراب الملاحة وتهديد المصالح الإسرائيلية. وأضاف، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المكاسب الاقتصادية المباشرة قد تكون أكبر بالنسبة إلى أرض الصومال، إذ يمنحها الاعتراف زخماً سياسياً يمكن أن يترجم إلى استثمارات وتدفقات مالية جديدة. ومع ذلك، توجد قطاعات تعاون محتملة ذات أهمية للطرفين، من بينها الموارد الطبيعية الاستراتيجية مثل الليثيوم، إضافة إلى التكنولوجيا الزراعية وإدارة المياه.
وأشار لانفرانكي إلى أن الاعتراف قد يفتح المجال أمام زيادة نشاط الشركات الإسرائيلية في القرن الأفريقي، في ظل مؤشرات على زيارات تجارية متبادلة، إلا أن هذا العامل لا يبدو محورياً في الحسابات الإسرائيلية التي تحرّكها أساساً اعتبارات الأمن الإقليمي وتأمين طرق التجارة. ورأى أن أي حضور إسرائيلي محتمل في أرض الصومال، أو تعزيز التعاون الأمني بين الجانبين، من شأنه أن يقوي قدرة إسرائيل على مراقبة الممرات البحرية والتعامل مع التهديدات القادمة من اليمن، ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على استقرار الملاحة في باب المندب.
وشدّد الباحث الإيطالي في شؤون القرن الأفريقي على أن ارتفاع تكاليف النقل البحري وأقساط التأمين خلال الفترة الماضية ارتبط أساساً بتصاعد الهجمات في المنطقة، سواء من جانب الحوثيين أو، بدرجة أقل، من قراصنة صوماليين. وذكّر بأن تجارب سابقة، مثل أزمة القرصنة قبالة السواحل الصومالية عام 2010، أظهرت أن نشر أصول عسكرية دولية ساهم في خفض المخاطر بدلاً من زيادتها، لكنه لفت إلى أن السياق الحالي مختلف، نظراً إلى الطابع الأكثر تجزؤاً للعمليات العسكرية الدولية وتعدد الفاعلين، ما قد يجعل التأثير على التكاليف أكثر تعقيداً.
وأوضح أن قدرة أرض الصومال على التحول إلى مركز لوجستي إقليمي تعتمد أساساً على علاقتها بإثيوبيا، التي تمثل سوقاً يتجاوز عدد سكانها مئة مليون نسمة وتعتمد شبه كلياً على ميناء جيبوتي. وفي هذا الإطار، يشكل ميناء بربرة، المرتبط بممر بري نحو إثيوبيا، ميزة نسبية مهمة، فيما لا تزال الروابط التجارية مع بقية دول المنطقة محدودة نسبياً.
وبحسب الباحث الإيطالي في شؤون القرن الأفريقي وزميل معهد "كلينجينديل" الهولندي للعلاقات الدولية فإن إدارة ميناء بربرة من قبل شركة "دي بي وورلد" الإماراتية تمنحه فرصة الاندماج في شبكة أوسع من الموانئ التي تديرها الشركة، بما يسمح بإدراجه ضمن منظومة متكاملة من طرق الشحن وسلاسل الإمداد، ويعزز جاذبيته كمحور تجاري بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. واختتم لانفرانكي بالإشارة إلى أن الحضور الإماراتي في قطاعي البنية التحتية واللوجستيات في أرض الصومال يشكّل ركيزة أساسية في المشهد القائم، لافتاً إلى أن الاعتراف الإسرائيلي يبدو منسجماً مع شبكة العلاقات التي بنتها أبوظبي مع الجانبين، حتى في ظل غياب معطيات علنية تؤكد وجود تنسيق رسمي مباشر. وشدد على أن العامل الاقتصادي يظل عنصراً مهماً في تفسير التطورات، إلا أنه يندرج ضمن إطار استراتيجي أوسع تحكمه اعتبارات الأمن الإقليمي والتنافس على طرق التجارة وموازين النفوذ في البحر الأحمر.
برزت فكرة تقارب هرغيسا مع تل أبيب على غرار "اتفاقيات أبراهام"، بحيث يتحوّل الاعتراف إلى مدخل لتعاون أمني واقتصادي أوسع
وفي سياق متصل، ذكر كبير الباحثين في معهد دراسات السياسة الدولية في ميلانو، فيديريكو دونيللي، في تحليل نشره المعهد الأسبوع الماضي تحت عنوان "القرن الأفريقي: اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، ما هي التداعيات؟"، أن إعلان نتنياهو يمثل تتويجاً لمسار تقارب تدرّج خلال الأشهر الماضية، لكنه يعكس في جوهره تحولات أعمق في موازين القوى الاقتصادية والاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع المصالح التجارية مع اعتبارات الأمن الإقليمي.
وأشار إلى أن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقد الأخير، وتصاعد التنافس بين قوى إقليمية ودولية، أعادا تسليط الضوء على الأهمية الجيو-اقتصادية للإقليم، ولا سيما موقعه على خليج عدن بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية للتجارة العالمية. فاستقرار كيان سياسي على هذا الممر الحيوي يمنحه وزناً يفوق حجمه الجغرافي. وأوضح أن نقطة التحول الفعلية جاءت عام 2017 مع دخول الإمارات إلى ميناء بربرة عبر شركة "دي بي وورلد"، في سياق أزمة مجلس التعاون الخليجي والخلاف مع جيبوتي بشأن ميناء دوراليه.
وبيّن أن الاستثمار الإماراتي لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل خطوة لإعادة توجيه مسارات التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة، وتقليص الاعتماد على جيبوتي، وبناء محور اقتصادي بديل يخدم طموحات أبوظبي في إدارة الموانئ وسلاسل الإمداد. وشدد على أن تطوير ميناء بربرة وربطه بممر لوجستي نحو إثيوبيا يحمل أبعاداً اقتصادية عميقة، إذ يوفر لإثيوبيا، الدولة الحبيسة ذات الكثافة السكانية العالية، منفذاً إضافياً على البحر، ما يقلّل من اعتمادها شبه الكامل على جيبوتي. وأشار إلى أن الاهتمام الأميركي والإسرائيلي بأرض الصومال تزايد أيضاً في ضوء المنافسة مع الصين، ولا سيما بعد افتتاح بكين قاعدةً عسكريةً في جيبوتي، ما دفع دوائر في واشنطن إلى دراسة بدائل استراتيجية.
وفي المقابل، برزت فكرة تقارب هرغيسا مع تل أبيب على غرار "اتفاقيات أبراهام"، بحيث يتحوّل الاعتراف إلى مدخل لتعاون أمني واقتصادي أوسع.
ولفت إلى أن الاعتراف الإسرائيلي لا يرتبط فقط بحسابات أمنية تتعلق بمراقبة البحر الأحمر واحتواء النفوذ الإيراني وحلفائه، بل يتصل كذلك بأجندة تعاون اقتصادي وتقني في مجالات الزراعة وإدارة الموارد المائية والصحة والتكنولوجيا الرقمية، وهي قطاعات تمتلك فيها إسرائيل خبرات متقدمة يمكن توظيفها عبر البنية التحتية.
وخلص دونيللي إلى أن ما يتبلور في القرن الأفريقي هو نمط من التعاون "المصغّر" يضم إسرائيل والإمارات وأرض الصومال، وربما أطرافاً أخرى، مثل إثيوبيا وفرنسا، بهدف خلق محور اقتصادي-أمني جديد على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، في ظل تراجع نسبي للانخراط الأميركي المباشر وحذر أوروبي رسمي من الاعتراف الصريح. وأكد أن نجاح هذه الخطوة سيعتمد على قدرة إسرائيل وشركائها في تحويل الاعتراف السياسي إلى مشاريع تنموية واستثمارات ملموسة تعزز الاستقرار المحلي، من دون تفجير توترات إقليمية أوسع أو إضعاف دور المؤسسات الأفريقية متعددة الأطراف.