استمع إلى الملخص
- بعد عودتي إلى الأردن، شهدت قطر انقلاباً سلمياً في 1972، وتغيرت الأوضاع الاقتصادية بعد ارتفاع أسعار النفط في 1973، مما أدى إلى تطور عمراني واقتصادي كبير.
- قطر تميزت بدورها الفاعل في القضايا الإقليمية والدولية، حيث استضافت مؤتمرات هامة وساهمت في حل النزاعات، وتدعم القضية الفلسطينية وتسعى لتحقيق السلام.
أول مرة دخلتُ فيها دولة قطر وعاصمتها الدوحة على وجه التحديد كانت في عام 1971، أي قبل 54 عاماً. وكان الهدف من زيارتي قضاء عطلة العيد مع والدي ووالدتي رحمهما الله. وزرت والدي أحمد العناني في مكتبه بالديوان الأميري قرب شاطئ الخليج، وتعرفت على عدد من العاملين هناك، مثل الشاب الذكي عيسى غانم الكواري الذي كان مديراً لمكتب نائب الحاكم آنذاك الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وإلى المرحوم عبد القادر القاضي الذي أسس لاحقاً بنكاً في الأردن بعدما تقاعد من الخدمة في دولة قطر، وغيرهما كثيرون. ولم يكن الكثير آنذاك في الدوحة. فقد كانت مدينة أقرب إلى القرية الكبيرة. وأهم عمارة تجارية فيها حملت اسم "الكليوباترا"، وأهم دوارين هما دوار الجيدة ودوار المانع، وأكثر سيارة تجوب في الشوارع كانت سيارة بيجو الفرنسية (404) وسيارة تويوتا اليابانية. وفيها شوارع محدودة.
أما والدي فقد أعطي سكناً في فيلا بشارع بن حمودة حيث جاوره الأديب والقصاص السوداني الطيب صالح وتعرفت هناك في تلك الرحلة إلى المرحوم محمود الشريف الذي كان رئيساً لتحرير صحيفة الدستور في الأردن، وأضحى لاحقاً وزيراً للإعلام، ولكنه كان آنذاك يعمل مستشاراً إعلامياً غير متفرغ لنائب أمير دولة قطر، وكان هناك عدد وافر من الأردنيين والفلسطينيين والمصريين واللبنانيين والسوريين العاملين في الدولة والتي وجد النفط فيها بكميات تجارية في عام 1964 والغاز السائل في عام 1969. وحوت الدوحة سوقاً للسمك بأسعاره الجذابة ونوعيته المتميزة. وقد تميزت دولة قطر آنذاك بأنها دولة محافظة يفضل العمل فيها أصحاب الأسر. وقد كان فيها بالطبع عدد ليس بقليل ممن هاجروا إليها من إيران ومن شبه القارة الهندية وقد نعمت بالأمن والأمان.
وقد عُرض عليّ العمل هناك، ولكنني لم أستطع بسبب التزامي بالعمل في البنك المركزي الأردني مقابل بعثة الماجستير التي أنهيتها عام 1971. وعدت إلى عمّان، وبعد شهرين، أي في شهر فبراير/ شباط 1972 حدث انقلاب سلمي أبيض في الدولة تنحى بموجبه الشيخ أحمد بن علي آل ثاني عن الحكم وتولّى نائبه الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الحكم هناك. ومن بعد حرب أكتوبر 1973 ارتفعت أسعار النفط كثيراً، وأضحت قطر، بفعل صادراتها الأحفورية، دولةً ميسورة الحال ولديها فوائض مالية. وفي نهاية عام 1973 سافرت إلى الولايات المتحدة حيث حصلت على الدكتوراه في الاقتصاد في منتصف عام 1975 وصرت رئيساً لدائرة الأبحاث بالبنك المركزي الأردني. وعدت ثانية لزيارة الأهل في الدوحة بعد سنتين، فرأيت مدينة مستجدة جديدة حيث النمو العمراني والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي تراه بأم عينيك أينما توجهت حتى في دخان وأم سعيد. وزرت المصانع الكبرى، خاصة الحديد والألمنيوم واليوريا المعتمدة على الغاز السائل النظيف مصدراً مكثفاً للطاقة. ورأيت الأسواق تتوسع، مؤكدة مقولة آدم سميث "تقسيم العمل وزيادة التخصيص يعتمدان على حجم السوق".
ولذلك كان لا بد من أن يصاحب التوسع العمراني والتجاري توسع موازٍ في تنوع المحلات التجارية وأماكن الترفيه (المطاعم والمقاهي) وفي الخدمات الطبية والتعليمية والاجتماعية والثقافية. ولكن قطر التي تضج بالحياة والتغيير وسباق الزمن بدت على السطح صافية هادئة الملامح وأهلها كرماء في التعامل والتفاعل مع الآخرين. وفي نهاية عام 1979 عُيّنتُ في حكومة الراحل الشريف عبد الحميد شرف وزيراً للتموين في الأردن. ولكن الرجل لم يلبث أن توفي بعد ستة أشهر تقريباً من استلامه رئاسة الحكومة. وعيّنت حكومة انتقالية في أول شهر يوليو/ تموز برئاسة المرحوم الدكتور قاسم الريماوي الذي كان أقدم الوزراء في حكومة الشريف عبد الحميد. ولم تدم الحكومة سوى سبعة أسابيع. حين أعاد الملك الراحل الحسين بن طلال تكليف المرحوم مضر بدران بتشكيل الحكومة. وعدت معه وزيراً للعمل، وهنا تعرفت على وزير العمل القطري المرحوم علي أحمد الأنصاري الرجل الهادئ الحصيف. والذي كان في أعماقه صاحب ذوق فني رفيع. وبعدها شكلت مع الراحل الأنصاري ومع وزير العمل الإماراتي ووزير الشؤون الاجتماعية التونسي رباعياً متناغماً.
وفي عام 1981 قمت بزيارة رسمية بدعوة كريمة من وزيري العمل القطري والإماراتي إلى بلديهما. ولم أكن قد حسبت أن الوزير الأنصاري سيقيم لي دعوة عشاء ويدعو والدي المستشار بالديوان الأميري إليها. ولما وصلت وجلست إلى الكرسي الرئيسي ونظرت فإذا والدي، بحسب البروتوكول المتبع، يجلس على طرف الطاولة. وهنا أصابني حرج شديد، ولكنني بعد تفكير تركت الأمر على حاله ووجهت الكلام إلى والدي لكي يقدم لنا نبذة عن الجهود التي تبذل من أجل تجميع الوثائق التاريخية المتعلقة بدولة قطر وتاريخها. وبدأ أبي بأسلوب السرد القصصي يروي لنا رحلاته إلى أطراف العالم في الهند وباكستان ولندن ومكتبة الكونغرس الأميركي وتركيا، خاصة مكتبة "توب كابي" الشهيرة في إسطنبول، وغيرها من أماكن أخرى مثل القاهرة وبغداد وطهران. وكيف وثَّق لتاريخ قطر، وقام مع مجموعة بترجمة "دليل الخليج" وتأليف كتاب باللغة الإنكليزية موسوم بـ"التاريخ المبكر لعرب الخليج" والذي وضعه مع مؤرخ بريطاني عمل في الدوحة اسمه كين ويتينغهام Ken Whittingham، ونشرته دار لونغمانز للنشر في المملكة المتحدة. والكتاب يسعى للإجابة على أربعة أسئلة وهي "لماذا كان عرب شرق الجزيرة العربية آخر من أسلم، وأول من ارتد عن الإسلام، وأشد من حارب لنصرة الدين الجديد وانقلب إلى التشدد الديني في الانضمام للخوارج؟".
وزرت قطر بعد ذلك مرات كثيرة حيث يعمل ابني الآن ويقيم مع أسرته على بعد سبعمائة متر فقط من المكان الذي استهدفته الطائرات الإسرائيلية يوم التاسع من هذا الشهر. وصرت أتساءل عن سجل قطر في العلاقة مع القضية الفلسطينية. فوجدت أنها قد تبنت دوماً دور العاقل والوسيط والباحث عن حل تقبل به الأطراف المتنازعة، ورأيت كيف أنها حلت مشكلة الجزيرتين فشة الديبل وحوار. وكذلك شاهدت قطر لما كنت وزير خارجية الأردن كيف تصرفت واستضافت في عام 1997 المؤتمر الاقتصادي متعدد الأطراف في الدوحة. وكذلك رأينا دورها الوسيط الأمين والعادل في عدد من الحروب. ولا أنسى عام 2017 حين وقف مسؤول قطري لإصلاح ذات البين بين المملكة المغربية والجزائر إبان انعقاد مؤتمر القمة العربية الأفريقية في غينيا الاستوائية. ورأيت الآثار الإيجابية لما قامت به دورة قطر في دولة عربية تشعر أنها مهمشة وهي جزر القمر. وسمعت عام 2017 أيضاً خطاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في تونس، عندما أبدت قطر استعدادها لتقديم مليار دولار لدعم التنمية ومشروعاتها في تونس، وقس على ذلك.
وحظيتُ بلقاء رئيس الوزراء القطري، وزير خارجيتها الذكي المتميز والجامع بين الدبلوماسية والشجاعة الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وقد أصبحت دولة قطر واحدة من أهم المنجزين في العالم، فهي من أولى الدول دخلاً ومعدل دخل للفرد الواحد، وهي تتمتع بأعلى معدلات التنمية البشرية ويعتبر أهلها من أسعد الناس، وهي مساهمة في التنمية في كثير من الدول. وقد ميّزت نفسها في مجالات تنافسية كثيرة مثل الصناعات الغذائية. وبسرعة الاستجابة للأزمات، خاصة عندما حوصرت من بعض الدول العربية. وهي التي قدّمت قناة الجزيرة ودعمت قناة العربي وصحيفة "العربي الجديد". وعندها واحد من أحسن مطارات العالم، وواحدة من أحسن شركات الطيران في العالم، وأدارت فعاليات رياضية تعجز عنها الدول الكبرى بكفاءة عالية، مثل كأس العالم لكرة القدم 2022، وعندها مجموعة من أحسن جامعات العالم وفيها بنيان بديع وتنظيم سير ونقل منتظم، وصناعات ثقيلة معتمدة على مواردها، ولها دور رائع في الوساطة من أجل السلام، فلماذا ضُربت؟
قطر دولة تقوم فلسفتها على حماية بلدها، والتوسط لفعل الخير، لأنها ليست لديها أجندة استعمارية أو استيطانية. وهي تمدّ يدها في المقابل لكل من يمد يده إليها. وهي مؤيدة للحق الفلسطيني وتسعى لإنجازه وتعزيزه من دون حروب، وهي لا تتبنى فلسفات يمكن للمتطرفين الإسرائيليين أو حتى المرجفين المعتدلين منهم أن يتخذوا منها نقطة اتهام ضد سلوكيات وسياسة دولة قطر. وقد استهدفت إسرائيل العاملين في إعلامهم المقيمين في غزة، لأن قنواتها المتلفزة تظهر عمق المأساة الإنسانية في القطاع والضفة، وهي التي تعطي تقارير إخبارية دقيقة ونافعة، لا لقتل اليهود، بل لردع هذه الحكومة الإسرائيلية الخرقاء للتوقف عن غييها.
التصريحات التي أدلى بها نتنياهو، خاصة حينما قال إنه ليس أمام قطر من خيار إلا أن تُرَحل قيادة حماس من الدوحة، أو أن تحاكمهم وتعاقبهم كمجرمي حرب، تعتبر وقاحة من أقبح القتلة، يبيع الناس أخلاقاً وهو يعض اليد التي ستساعده لكي ينهي الحرب اللاإنسانية ضد الأهل في غزة والضفة الغربية. وهل يعتقد نتنياهو أن أحداً سيثق به بعد الآن أو بوعوده أو يصدق أكاذيبه؟ اسألوا عنه في الأردن، فهذا الرجل قتل جنودُه مواطنين أردنيين بدم بارد، واستقبل نتنياهو القتلة كأنهم أبطال بدلاً من إحالتهم للتحقيق والمحاكم، وهو الذي كان يتوسط لكي يزور عمّان عاصمة الأردن ليلتقي بالملك عبد الله الثاني غير الراغب فيه ولا في لقائه، ثم يعود إلى الأرض المحتلة ليرتكب مذبحة، معطياً الانطباع بأن هذا الإجراء كان متفقاً عليه. هذا اللعوب الكذوب يعتقد أنه يخدم الإسرائيليين، ولكن نصف يهود العالم على الأقل لا يريدونه أن يكون رئيس وزراء إسرائيل، ويرون أن سياساته ومغامراته فيها ديناميكية سلبية على مستقبلها، وأنها مخالفة للحكمة الصهيونية كما روج لها هرتسل وليس جابوتينسكي أستاذ أبي بنيامين نتنياهو وابنه. مؤتمر القمة العربية الإسلامية الذي عُقد في الدوحة يومي الأحد والاثنين الماضيين أثبت أن قطر تحظى بتأييد واسع لدى العرب والمسلمين وأنها تقف على الجانب الصحيح من الحقيقة. قطر وقفت كلها، قيادة وشعباً، موقفاً تستحق أن تُقدّر عليه وتُحترم بسببه.