}

هل الدماغ ذكر وأنثى؟

محمود عبد الغني 20 يوليو 2019
تغطيات هل الدماغ ذكر وأنثى؟
(Getty)
بما أن الإنسانية تنقسم إلى نساء ورجال، أليست هناك حظوظ كبيرة في انقسام الدماغ، هو الآخر، إلى أنثى وذكر؟ من بين الأوائل الذين تابعوا هذا المنطق الفيلسوف الفرنسي فرانسوا بولّا ندي لابار الذي استخلص، سنة 1673، بأن "التشريح الدقيق يجعلنا لا نلاحظ أي اختلاف في هذا الجزء بين الرجال والنساء؛ إن دماغهن يشبه كلياً دماغنا"، وأنه "من السهل ملاحظة أن الاختلافات بين الجنسين لا تخص سوى الجسد، أما الدماغ فلا جنس له".
كان بولّا ندي لابار يعتمد على العلم، وأيضاً على أفكار المساواة. وإنه لمن نافلة القول، بعيداً عن فكر الأنوار أم لا، إن هناك مفكرين آخرين يعترضون بقوة على هذه الخلاصة.
بعد مرور مئتي سنة، لم تصبح، عملياً، وسائل فحص الدماغ أفضل أداء والمساواة بين قدرات الإدراك لم تصبح بعد واقعاً. بل إن الرأي المضاد هو من أصبح سائداً. هكذا، لم يتخلّص عالم الاجتماع غوستاف لوبون، صاحب كتاب "سيكولوجية الجماهير"، من هذا التمييز حين كتب، سنة 1879، بأن "كل المحللين النفسيين الذين درسوا ذكاء النساء، وأيضاً، بعيداً عنهم، الروائيون والشعراء، يعترفون اليوم بأنهن يمثلن الأشكال السفلى في تطور الإنسانية، كما أنهن أكثر قُرباً من الأطفال والبدائيين منهم إلى الإنسان المتحضّر".
بول بروكا، عالم الأعصاب الفرنسي الشهير، طرح عدّة أسئلة في الموضوع، بلهجة أقل حسماً، في سنة 1861، مفترضاً أنه "من المسموح افتراض أن الصغر النسبي لحجم دماغ المرأة مرتبط في نفس الآن بصغرها الجسماني وبمستواها الثقافي المتدني".
من حقنا أن نطرح السؤال: ما هو الوضع في أيامنا هذه؟
لإضاءة هذه الأفكار والأسئلة خصصت المجلة العلمية الفرنسية "علم وحياة" ملفّاً في عددها
الأخير لنساء عالمات أثبتن خلال مسارهن العلمي أن الدماغ ليس ذكراً وأنثى.
هنا حوار مع مرغريت كارليل، المتخصصة في تاريخ العلوم والباحثة بجامعة شيكاغو، أجرته معها المجلة للإجابة عن أسئلة كثيرة متفرّعة عن السؤال الأصلي: لماذا عالم العلوم لا يقدّم سوى عدد قليل من النساء العالمات؟

النساء كنّ دوماً على
هامش المعارف العلمية
(*) لماذا تاريخ العلوم لم يعط للعالمات سوى حيز صغير؟
هناك عوامل تاريخية، وإسطوغرافية أيضاً، متعلقة بمفهومنا نفسه للتاريخ. إلى حدود سنة 1990، كان المؤرخون يعتبرون تاريخ العلوم هو جوهرياً تاريخ التطور، بمعنى التقدم الخطي والمستمر للمعارف. وهذا التقدم كان في الواقع، على مرّ القرون، يخص عباقرة هم رجال قبل كل شيء. ودخول النساء إلى معبد العلماء هو أمر ممكن لكنه بقي استثناء. عندما تلجه امرأة، يتم التأكيد على ضرورة أن تفكّر وتتصرف مثل الرجل، وهذه خيانة لدورها كامرأة. ولنا مثال صارخ: لورا باسّي. ففي إيطاليا القرن الثامن عشر، كانت هذه العالمة الشهيرة متخصصة في الفيزياء والرياضيات، نفس ميادين إسحاق نيوتن، الذي كرّس حياته كلها لكل أبحاثه. وبالنسبة لمعاصريها كانت لورا باسّي حقّاً استثنائية، لكن كانوا يتحدّثون عنها كما لو أنها امرأة ضد الطبيعة، ما دامت مواهبها كانت مضادة للأيديولوجيا السائدة في تلك المرحلة التي كانت تمنح للمرأة أدواراً منزلية. لم يكن لها أبناء، ومثل نيوتن، كرست حياتها فقط لأبحاثها العلمية. ورغم ذلك هي غير معروفة اليوم لأنها لم تترك نظرية كبرى. هناك أيضاً أسباب تاريخية؛ فكل العلماء الأكاديميين الكبار، والذين يشتغلون في العلوم الحديثة، كانوا حصريّاً ذكوراً. لقد كانت النساء، إذاً، على هامش المعارف العلمية. وعندما تمكنّ من إيجاد مكان، لم يكن ذلك إلا بأدائهن أدوار المساعدات، اللاتي لا يهدّدن علانية التحكّم الذكوري في العلوم.


(*) لقد كُنّ إذاً حاضرات بشكل كامل في عالم العلم، لكن أقل ظهوراً؟
تماماً. ولكي يتم إظهارهن، كان لا بدّ من أن يهتمّ التاريخ باستراتيجيات معتمدة من طرف هؤلاء النساء العالمات كي يحقّقن وجودهنّ، ويدركن أن لعب دور المساعدات لم يكن طموحهن الأصلي، وبأنهن كُنّ يمتلكن الدافع لممارسة العلوم، ولكن أيضاً كان عليهنّ التكيّف. إن دراسة هذه الاستراتيجيات تشكّل جزءاً من الأسئلة الكبرى اليوم. النساء تفاوضن مع هذا التنميط، مع

أصناف الحياة الاجتماعية العالمية، التي من أجلها اضطُررن للبقاء في المنطقة الخاصة وليست العامة. ما العمل، داخل هذا الإطار، بالأبحاث العلمية؟ السيدة ثيروكس داركونفيل، في عصر الأنوار، حقّقت تجارب حقيقية داخل مختبرها الفيزيائي. ورسميا لم تقم سوى بترجمة أعمال علمية، في مجال الكيمياء وعلم التشريح لعلماء إنكليز. لكنها في الحقيقة أضافت لترجماتها ملاحظات في أسفل الصفحة، متطورة جدّاً، وخطابات تمهيدية (بلغت مئات الصفحات)، قدّمت من خلالها أفكارها، وتجاربها العلمية ونتائجها. وهي نتائج كانت تخالف أحياناً العمل الذي كانت تترجمه. لقد حققت كل أبحاثها بطريقة سرية. لم تكن تقرن اسمها بمنشورها أو بترجمتها. وسمحت لها هذه الطريقة بأن تمارس عدّة علوم، لكن دون أن تمتلك ائتماناً اجتماعياً. وبعكس معاصراتها، أظهرت إيميلي شاتولي، العالمة المشهورة، مشاريعها للجمهور الواسع وقرنت اسمها بمنشوراتها. كما أن ترجمتها لـ"مبادئ نيوتن" شكّلت دوماً مرجعاً. بدأنا، شيئاً فشيئاً، منذ التسعينيات، في استعادة كل هؤلاء النساء وكتابة تاريخ للعلوم يظهر فيه بقوة امتزاج المعارف.

(*) ما الذي غيّر من نظرتنا إليهن في بداية التسعينيات؟
بعد الحرب العالمية الثانية، انبثق تاريخ العلوم باعتباره تخصّصاً. لكننا كنا نحتاج إلى يقينيات وإلى نزعة إنسانية بعد سنوات الحرب الفظيعة. تاريخ العلوم تمحور إذاً حول التطور وحول الأبطال، على صورة الحلفاء في الجبهة. الأمر ليس بسيطاً بل تطلّب أناساً استثنائيين لا يُقهرون. ثم بعد السبعينيات، فُتحت نقاشات كبرى، ونظرة أكثر اجتماعية للثقافة. مجالات جديدة تم تطويرها في الأنثروبولوجيا، في التاريخ، في علم الاجتماع... مع وصول عدد كبير من النساء بين صفوف الأساتذة الجامعيين، في نفس الآن. هذا التدبير، الذي اتسع أكثر في التسعينيات، أنتج ما يمكن تسميته "نزعة ثقافية"، مما يعني أننا في حقل التاريخ لم نعد نهتمّ أبداً بالتاريخ العسكري والسياسي كي نتحدث عن التاريخ الثقافي والاجتماعي. أكبر كتاب في تاريخ العلوم في تلك المرحلة، هو "الوحش ومضخة الهواء" لستيفن شابان وسيمون شافر، يصف أبحاث الفيزيائي الإنكليزي روبيرت بويل والمجتمع الملكي في لندن في علاقة بسياقها التاريخي، الاجتماعي والثقافي. في أيامنا أستغرب لهذا الإجراء. لكن في بداية التسعينيات كان فعلاً إجراء جديداً. لقد تغيرت المنهجية من أجل تأسيس تاريخ جديد، بباحثين جدد، وبأكثر عدد من الباحثات، اللاتي طرحن أسئلة مختلفة، بهدف كتابة قصة جديدة للعلوم، النساء جزء منها دون اعتبارهن عبقريات، قادمات من الخارج.

 (*) تاريخ العلوم هذا يعطي إذاً أهمية أكبر لرهانات السلطة، التي كانت فيها النساء أقل تسلّحاً...
عندما لا ننتمي إلى الناس الذين لهم شرعية صناعة العلوم، يكون الطموح محدوداً بالضرورة. نريد أولا الانتماء إلى النادي، وليس مصدر مصاعب، خلق مجادلات ونزاعات. نساء العلم كي يلجن مختبراً ويطوّرن أبحاثهن، كان عليهن أن يثبتوا ذكاءهن، لكن لا يخلقن الكثير من المشاكل.

(*) هل المصاعب التي اعترضت مؤرخات العلوم هي نفسها التي اعترضت النساء كما وصفها التاريخ؟
الوضعية في أميركا الشمالية تطوّرت كثيراً. العديد من المؤرخات أصبحن باحثات كبيرات في جامعات مرموقة مثل: هارفارد، برينستون، إلخ. لكنه مسار استغرق وقتاً طويلاً. يبقى تاريخ النساء سرداً هامشياً في الوقت الذي هو جزء من التاريخ العادي، المألوف. أتمنّى ألا أرى تاريخ النساء، في يوم من الأيام، وقد أصبح أحد التخصّصات.

(*) هل هذه القلّة في نماذج النساء في تاريخ العلوم تفسّر أن العلوم المسماة "صعبة" لا تثير إلا القليل من النساء؟
إن تاريخ العلوم يدع فرصة لتصديق، في الواقع، على أن الاستمرار في خلق مكانة داخل هذه الميادين (الفيزياء والرياضيات) يتطلب دوماً أن تكون عبقرياً معزولاً، الشيء الذي لا يثير

حقّاً النساء، ربما لأن النساء يحقّقن شرطهنّ داخل سياق المختبر، الأكثر توفّراً في البيولوجيا أو الفيزياء، لأنهن لا يجرؤن على تقديم أنفسهن باعتبارهن عبقريات. هناك مشكل كبير آخر، في رأيي، وهو أن تأسيس المعارف العلمية يرتكز على نماذج واستعارات. وهذه النماذج هي التي شكّلت، منذ القرن السادس عشر، الثورة العلمية الكبرى في الغرب. وقد كانت هذه الأخيرة مدركة من طرف الرجال. وقد كان لهذا نتائج كثيرة. مثلا، في البيولوجيا، بالنسبة لإخصاب الإنسان، كان يتم الحديث منذ القرن التاسع عشر، عن دخول البويضة بواسطة المني. كان يُقال إنها سيرورة شبيهة بالولوج الناتج عن الاتصال الجنسي. رغم أن بعض البيولوجيين اكتشفوا منذ التسعينيات بأن البويضة تلعب دوراً أكثر نشاطاً، وبأنها هي من تجذب أو تدفع المني. رغم ذلك، فاستعارة الولوج ما زالت مستمرة، خصوصاً في كتب البيولوجيا، المدرسية، التي هي مكتوبة أساساً مكتوبة من طرف الرجال.

السلطة في طرح الأسئلة
(*) هل ذلك يعني أن العلوم كانت ستكون مختلفة إذا ما تمّ تصورها من طرف النساء؟
من الناحية التاريخية، لا شيء يثبت ذلك. إنه من المستحيل إعادة كتابة التاريخ كي يتم كشف ما كان سيكون عليه تأسيس النساء للعلوم. لكن من الواضح أن جزءاً كبيراً من الأبحاث العلمية أسفرت عن أسئلة استثنائية. إن المنهجية العلمية تتطلب طرح أسئلة، ثم بعد ذلك استعمال بروتوكولات تجريبية للحصول على جواب واحد. والنقطة المهمة هي إذاً معرفة من له السلطة في طرح الأسئلة. هل النساء والرجال يطرحون أسئلة مختلفة عن بعضها؟ للرجوع إلى فكرة النماذج والاستعارات، هذا هو المذكّر أو المؤنث في جزء كبير منه داخل الخلق

العلمي. وهي ليست بالضرورة منهجيات بل طرق في تقديم النتائج، بالاستعانة بالنماذج والاستعارات، التي تعطي الامتياز للنظرة الذكورية للعالم.

(*) لماذا، في النهاية، يُعتبر أمراً مهماً ارتفاع عدد النساء العالمات؟
كلما ازداد عدد النساء العالمات، والنساء اللاتي يسجلن أنفسهن في المستويات الأكثر ارتفاعاً، كلما اتسعت آفاق المجموعة العلمية، لسبب بسيط هو أننا نربح مزيداً من وجهات النظر المختلفة، التي هي ربما غائبة في المختبرات أو برامج البحث التقليدية. ليس بالضرورة أن تكون النتائج مختلفة، بل الأسئلة التي نطرحها ووجهات النظر التي نوظفها. في الواقع، إن التحدي الكبير ليس أن يكون لدينا عدد كبير أو قليل من النساء، لكن المهم هو جمع أكبر عدد من التعدد الممكن داخل الفريق. إن العلم يتأسس دوماً داخل سياق اجتماعي وسياسي، وهو اليوم يمسّ كل الناس في معيشهم اليومي. إذاً، مهم جداً أن يتأسس على قواعد ديمقراطية. واليوتوبيا التي ينبغي أن تقودنا، هي امتلاك علم ديمقراطي، نطرح فيه أسئلة تنفع المجتمع في كليته وليس جزءاً صغيراً منه، كيفما كان.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.