}

عن عرب الجزيرة الفلمنكيّة.. نسيج حضريّ

بارت لودوايكس 25 نوفمبر 2019
ترجمات عن عرب الجزيرة الفلمنكيّة.. نسيج حضريّ
بارت لودوايكس
"رونزا"* مدينة صغيرة تكاد تسقط تقريباً من الإقليم الفلمنكي البلجيكي، حيث لا شيء يلمع بل باق على حقيقته. تضمّ المدينة ما يقرب من 25 ألف نسمة، وقد أصبحت غنيّة بفضل صناعة الغزل والنسيج التي انتعشت فيها خلال فترة التّصنيع ما بين الحربين العالميّتين، تتداخل الممرّات المصمّمة على طراز الآرت ديكو الحديث مع شوارعها المليئة بمنازل عمّال الغزل والنّسيج والصبّاغين الفقراء. نهاية القرن الماضي شدّ آلاف المهاجرين الذين يتحدّثون بالفرنسيّة من إقليم والونيا ومدينة بروكسل رحالهم مع أسرهم إلى المدينة ليجرّبوا حظوظهم، وبقيت المدينة على خرابها الفسيح بسبب تدفّق المهاجرين والفيضانات السّنوية التي كانت تضرب وادي المدينة، وهو ما جعلهم يطلقون عليها اسم "بئر فلاندر"، فـ"رونزا" في الواقع كانت شبه جزيرة في الإقليم الفلمنكي، حيث تقع في وادٍ عميق تحدّه التّلال من الجانبين، وبالنّظر إلى أشكال التّلال، يمكنك أن ترى ما يقرب من عشرين قرية من أعلى نقطة، لتشاهد ما كانت عليه الطّبيعة منذ ملايين السّنين.

سُئلتُ ذات مرّة عمّا جئت لأبحث عنه في المدينة، فقلت إنّني أشعر وكأنّي في بيتي حين أسكن الأماكن التي يتقاسمها المهاجرون المغاربة والمواطنون الأصليّون في بروكسل، بعض سكان "رونزا" كانوا يدّعون بسهولة أنّ "العرب يصطادون البطّ من البحيرة ليذبحوه".
يتجلّى النسيج الحضري بناره التي تُعمي العيون كاملاً هنا، حيث تحيط التّلال بالمدينة من الخارج في مشهد آسر.
في كلّ مرّة أصعد فيها رأس التلّ الذي يفصل "رونزا" جغرافيّاً عن الإقليم الفلمنكيّ، يصدر راديو السّيارة وشيشاً متقطّعاً، كنت أُغيّر المؤشّر خلال النّزول إلى المدينة إلى تردّد آخر لكسر حدّة الضّوضاء، فالوادي يتمتّع بحجاب يمنع وصول تردّدات الأثير المتغيّرة، وفوق هذا هناك أبراج الكنائس ومداخن المصانع التي توخز السّماء.
البقعة المركزيّة الوسطى في ملعب كرة القدم السّابق لنادي "إف. سي. رونزا" كانت نقطة بداية عملي الفنّي، من هناك قرّرت أن تكون النّقطة البيضاء في العشب الأخضر هي منطلقي في جولة على سكّان شارع "سبينسترز"** المجاور، الشّارع الذي يبدو أنّه يتمتّع بوفرة من الأماكن الغنيّة المناسبة، وبالتّالي فلن ترى هناك أيّاً من الرّسوم الطبشوريّة، لهذا كنت دائماً ما أعود من جديد إلى الشّارع ذاته، في محاولة منّي لإقناع سكّانه بجمال شخصيّات الرّسوم غير المنتهيّة التي أقوم بها، كانوا يتدخّلون بالأسئلة في تفاصيل الرّسوم التي أعرضها عليهم، مثل "أين يجب أن تنتهي خطوط الطّبشور"، أو "من أين يمكن لها مجدّداً أن تبدأ". أحياناً كان انتباههم يتباطأ فيصبح الطّبشور مثله كمثل أفعالهم اليومية، أو مثل إنتاج خيط القطن الخارج من المغزلة التي لا تزال نشطة، والتي بفضلها امتلك الشّارع اسمه.
إحدى السّاكنات في الشّارع كانت تقدّم لي النّصائح باستمرار، فإذا كنت أرسم على واجهة منزلها الأماميّة تطلب منّي، على سبيل المثال، رسم عمود دعامي، ليبدو الطّابق الأوّل أكثر متانة، وغير مسموح لي بإيصال قدم العمود المرسوم حتى الرّصيف. فهي تعتقد أنّ الرسم سيكون أجمل إذا استمر عمود الدّعم طافياً.
أحد أصحاب السّلالم كان يدعى "سيرجيو"، سمح لي بالرّسم على جدران غرف بيته الدّاخلية، وقبل أن أبدأ العمل على الرّسوم أراد أن تبدو سطوح الجدران في حالة أفضل، "طلاء جدار بالأبيض ليس فنّاً، ولكن إذا أردت أن تحصل على خدوش جميلة كهذه بعد طلائك فأنت حالم"، قلت محاولاً إقناعه بالحالة المثاليّة التي، بالمناسبة، تشعّ في غرفة المعيشة بكاملها. لديه خطط للانتقال إلى مكان آخر، لأنّ مشاعره بدأت تنفر قليلاً من هذا البيت.
- ماذا تريد منّي أن أرسم؟
- البرجان التّوأمان. يقول.
وأبدأ على الفور، يتكوّن الرّسم من خطوط مستقيمة، ملونة الآن بالطبشور الأسود. رسمان خطّيّان يتمدّدان واحدهما في الآخر كما لو كنتَ قادماً تحلّق فوق خليج "هدسون". يفهم سيرجيو اللغز فجأة:
- أنت ترسم البرجين من منظور الطّائر. تفحما الآن في النّار واللهب!

 

* * *

حلّ الخريف وصارت نتف الطّبشور تطير لتغرق مساحات الشّارع الطّويلة، انهار الشّتاء وصار من الصّعب التّمييز بين الثّلوج وخطوط الطّبشور، بيدٍ متجمّدة كنت أواصل الرّسم.
ماما "ماتيلدا"، سيّدة كونغوليّة مسنّة تسكن بيتاً عُمّاليّاً يتميّز برسوم الطّبشور على طراز الأرت دوكو، تبدو غاضبة منّي: "أين كنت؟ لقد مرّت السّاعة الثّانية"، قالت نافدة الصّبر، فيما كانت وجبة صغيرة أعدتها لي قد بردت في المطبخ.

* * *

 
يكتسب المشروع زخماً مع دخول فترة ذوبان الجليد. لأعاود في الرّبيع نقطة انطلاقتي من مركز ملعب كرة القدم، تتفتّح براعم النّباتات، وتمتلك الزّهور أوراقاً، ثمّة منازل بُعثت من جديد كما لو كنت أراها أمامي لأوّل مرّة.
سمح لي أحد أكثر السّكان دماثة ولطفاً أن أرسم على واجهة بيته الخارجيّة كما على جدران غرفه الدّاخليّة، يقع المنزل في مواجهة مبنى تمّ تحويله من منزل عمّال إلى مسجد، ومع ذلك فلم أكن في أفضل حالاتي المزاجيّة، الرّسم هو النّضال اليوميّ الذي تقطعه من حين إلى آخر أكواب القهوة اللطيفة المقدمة إليّ من السّاكن الجزائريّ، وفي المساء كؤوس النّبيذ الأبيض مصحوبة بطبق من المكسّرات: "يمكنك أن تدعوني لخضر"، قدّم نفسه لي. سبق أن تعرّضت للطّعن من قبل المجتمع المغربي بسبب الدّين. صار الرّسم بشعاً، في حين كان الجزائريّ لا يزال يقدّم لي المرطّبات بمزاج رائق.
أحد المغاربة أشار إلى أنّ الرّسوم التي كنت أخطّها على واجهة البيت ما هي إلا "شخبطة"، وجدها لا تحتوي على شيء، وأنّه يمكنه أن يقوم بأفضل منها، صرنا نجد هنا أو هناك قليلاً من الخدوش على رسوماتي في الشّارع. أزعجني حين قال إنّ نصف رسومي غير منتهية بسبب غيابي الذي يستمرّ أحياناً لأيّام: "هذا ليس جيّداً"، قال، وأضاف أنّ من الأفضل لي أيضاً أن أزيل الرّسوم التي أنهيتها على البيت المقابل للمسجد، سألته عن السّبب الذي يجعله يرى أن رسومي "فاشلة"، فأوضح أنّه يعرف الكثير عن كلّ شيء، ولهذا فهو يعرف حجمي جيّداً، أخبرته أنّني أتّفق معه في أنّ الرّسوم التي أنهيتها على واجهة البيت المقابل للمسجد ليست جيّدة كما تمنّيت، لكنّني رغم ذلك، لن يطاوعني قلبي على محوها. ولم يهتم بقولي إنّ إزالة الرّسوم بالماء من واجهة البيت ستترك أثراً أسوأ من تركها على حالها، لكنّه - لحسن الحظ - منحني فرصة لعدة أيّام لأقوم بإزالة الرّسوم من الواجهة، ولم يكن هناك مزيد من الوقت لأضيّعه.
وبدلاً من محوها، بدأت أدمج الرّسوم التي سمِّيت "شخبطة" في رسم أكبر، عملت لأيّام عديدة وبمزاج رائق، ذهب الجزائريّ في عطلة فيما ظلّ المغربيّ يحدّق مراقباً، في اللحظة التي رأيت فيها بداية لتعبير الارتياح على وجهه توقّفت عن الرّسم، إلا أنّني فوجئت به يتركني ويهرول بعيداً. بعد أسبوع استدعيت إلى "الإمام". الرّجل الحكيم ذو اللحية الرّماديّة والرّداء الأبيض قال إنّه يسمح لي بالبدء في الرّسم على واجهة المسجد.

 

* * *

يضمّ شارع "سبينسترز" الآن أكثر من ثلاثين رسماً طبشوريّاً، منها الممحوّة بالماء أو المضطربة جزئياً أو السّليمة تماماً. رسوم تشقّ طريقها على طول الشّارع بأكمله، حتى أنّها تغطّي أيضاً الواجهة الدّاخلية لمقهى الشّاي المغربيّ.
وسّعت مساحة عملي حتى وصلت إلى واجهات منازل العمّال الأماميّة، وإلى مصنع الغزل والنّسيج من الخارج كما من الدّاخل، وكذلك إلى الأزقّة ذات الكثافة السكانيّة العالية التي تختبئ في الحدائق الخلفيّة للشّارع. خلف مصنع الغزل وبيوت العمّال تقع مزرعة شاسعة من الأراضي كانت في يوم ما ملكاً لأحد بارونات النّسيج. فيللا "سان هوبير" ذات الطّراز الحديث لم تزيّن بعد برسوم الطّبشور، بينما الرّسوم على البيوت "العادية"، كما لدى ماما "ماتيلدا" مثلاً، صارت أكثر حداثة عمّا كانت عليه.
"إنهم غاضبون عليك في مقهى الشّاي". قال المغربي الذي يراقبني بشكل يوميّ، هل تسبّبت خطوط الطّبشور السّوداء التي رسمتها بالدّاخل في تلويث ملابس الرّجال؟
"هل أنتم غاضبون منِّي"؟ سألت الحاضرين وأنا أقف عند مدخل المقهى.
"نعم، غاضبون"، سمعتهم يهمسون.
اتضّح لي أنّهم مثل ماما "ماتيلدا"، يعتقدون أنّني أحاول اختبار صبرهم. وعلى العكس من توقّعاتهم بأنّني سأواصل العمل على رسومي في مقهاهم، شاهدوا كيف أنّ رسومي بدأت تظهر على واجهة المسجد كما على واجهات أخرى في الشّارع. أشرح لهم أنّ مقهى الشّاي أصبح جزءاً من كلّ المنازل التي تتوسّع عليها الرّسوم باستمرار. فحرّكوا رؤوسهم بالموافقة، لكنّهم قالوا إنّهم يريدون إعادة طلاء جدران المقهى.
نظر المغربي إليّ بوجوم وكلّه فضول لردّة فعلي، "أرجو أن تسمحوا لي بتسجيل عملية الطّلاء بالفيديو"، قلت. "سوف أدير التّسجيل معكوساً أثناء عملية المونتاج، مما سيجعل الشّريط يبدو وكأنّكم تكشفون فيه عن طبقة أخرى، أو توقيع مختف وراء طبقة الطّلاء التي تزيلونها".

(فصل من كتاب "شبه الجزيرة الفلمنكيّة"، يصدر قريباً بالعربية)

 


* * *

بارت لودوايكس رسام هولندي من مواليد العام 1972، يرسم بالطّبشور على فضاءات ومساحات مفتوحة، على أرضيّات الشّوارع وجدران المنازل وفي غرف المعيشة. تشارك رسومه المجرّدة في حوار مع العمارة المحيطة والفضاء.

* * *

* "رونزا - Ronse": مدينة تقع في محافظة فلاندر الشرقية التابعة للإقليم الفلمنكيّ البلجيكيّ.

** كلمة spinnerij تعني "مغزلة"، وجمعها "Spinsters"، ومن هنا سمي الشارع باسم "Spinstersstraat" أو "شارع المغازل".

 

ترجمه عن الهولندية: عماد فؤاد

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.